موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الهجرة > فيلم "بلديون" يهز مشاعر الرئيس وحرمه ... بقلم : مصطفى نور الدين

فيلم "بلديون" يهز مشاعر الرئيس وحرمه ... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع بالقاهرة 2007

2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

فيلم "بلديون" يهز مشاعر الرئيس وحرمه ... بقلم : مصطفى نور الدين

لا نعرف من التاريخ عودة وعي لحاكم دولة بعد رؤية فيلم أو قراءة كتاب إلا قليلا. يذكر في التاريخ أن قيصر روسيا أنهى نظام القنانة متأثرا بقراءة أدب تولستوي ودستيوفسكي ومن الأكيد أن رواية "كوخ العم توم" كان لها دورا ولو بعيد المدى في تحرير العبيد بأمريكا. فوصول الإبداع لهذه الدرجة من صدق التعبير عن قضية يمكن القول بأن المعجزات ممكنة في ثوب إنساني من المبدع وأن الحكام مازالوا بشرا. وهذا ما حدث بعد مشاهدة جاك شيراك، رئيس جمهورية فرنسا، وزوجته برناديت، للفيلم في عرض خاص يوم 5 سبتمبر. فبعد رؤية الرئيس لفيلم "بلديون" قرر إعادة النظر في أوضاع قدامي المحاربين من المستعمرات الفرنسية. فالفيلم أنتجه رشيد بوشارب وقام بأدواره الرئيسية بضعة من الممثلين وكلهم ولدوا بفرنسا من أباء من المغرب العربي. وبلديون Indigènes أي السكان الأصليين فيلم تاريخي نال في مهرجان كان الأخير جائزة الأداء للممثلين جمال ديبوز وسامي ناصري ورشدي زم وسامي بو عجيلة وبرنار بلانكان في الأدوار الرئيسة.

والفيلم لا يثير ذرف دموع على مأساة قدامى المحاربين من السكان الأصليين من المستعمرات الفرنسية منذ ما بعد فترة التحرر الوطني حيث جمدت الدولة معاشاتهم التي لم تصرف لهم طوال 45 سنة. لا.. الفيلم يقص صورة بطولة شباب شمال أفريقيا الذين اقتنعوا بنداء الجنرال شارل ديجول للهب لتحرير "الوطن الأم" فرنسا من الاحتلال النازي. إذ باستقلال فرنسا سيتمتع الجميع بالحرية والمساواة بالإخاء.

وتطوع في الجيش الفرنسي ألاف من سكان المستعمرات إذ لم تكن حركة التحرر الوطني قد تبلورت بعد لإنجاز ثورتها من اجل الاستقلال. لم يكن بعد المستقبل قد تجسد في إمكانية انفصال عما كان يسمى بالوطن الأم أي المستعمر. وكانت أجهزة الإعلام في وقتها تظهر المقاتلين من 23 مستعمرة فرنسية كمفخرة للتلاحم بين شعوبها مع فرنسا.

وعقب انتصارات حركات التحرر الوطني والهزيمة الفرنسية أمام الثورة الجزائرية بشكل خاص اختفت ملاحم الأمس ليسدل الصمت على هذه الحقبة من التاريخ وعلى من صنعوا أو شاركوا في صنع انتصار الحلفاء على المعسكر النازي والفاشي.

فالصدمة الفرنسية نتجت من إجبار أكثر من مليون فرنسي على الخروج من الجزائر في أوائل الستينات وعودتهم لفرنسا. وشكلت هذه العودة مشاكل جمة للعائدين مازالت أثارها باقية لليوم إذ يشعر هؤلاء بالخيبة من قبول استقلال الجزائر الذي ولدوا وعاشوا به طفولتهم وشبابهم هم و أجدادهم ومن ناحية أخرى يشعرون بالغربة في فرنسا ولفظهم الفرنسيون لسنوات طويلة.

من هنا جاء نفي الدور التاريخي لسكان المستعمرات الذين شاركوا في تحرير فرنسا كمتطوعين في الجيش الفرنسي. وهذا النفي تجسد بالصمت التام في الاحتفالات الرسمية السنوية للاحتفال بيوم النصر ولكن الأكثر قسوة بانمحاء الذاكرة التاريخية الفرنسية لهذه الحقبة في الوقت الذي لا تكف فيه عن تشيد مزارات تاريخية للكثير غيرها. فالدور الذي لعبه الجيش الإفريقي لا حديث عنه لا في الإعلام ولا في كتب التاريخ المدرسية و بالكاد يتعرض له بعض المؤرخين. واتخذ هذا النسيان بعدا أخر بتجميد رواتبهم وحرموا من المعاشات التي تمنح لرفاقهم الفرنسيين كقدامى محاربين سواء كانوا من جرحى الحرب أو يتمتعون بكامل قواهم الجسدية.

علاوة على ذلك فتكشف المعلومات الرسمية عن عدم مساواة فادحة لما كانوا يتلقونه من رواتب مقارنة برفاقهم من الفرنسيين. فما يتلقاه جندي فرنسي يصل سنويا لنحو 450 يورو بينما رفيقه من المستعمرات السابقة 110 يورو فقط في المتوسط. بل أن داخل هذه المعاشات تتجلى عدم مساواة مخجلة.

وبعودة الوعي للرئيس جاك شيراك في أخر أيام حكمه سوف يحق لمن هم على قيد الحياة من قدامى المحاربين بالحصول على معاش يماثل رفاقهم من الفرنسيين. وهؤلاء المحاربين عددهم نحو 57 ألف جندي على المعاش من المستعمرات الفرنسية. يضاف لهؤلاء نحو 27 ألفا من معوقي الحرب الكثير منهم يحيا في فرنسا والأخر عاد إلى وطنه الأم.

ويجدر التنويه إلى أن عدد من شاركوا من المغرب العربي فيما يسمى "الجيش الإفريقي" بلغ 400 ألف شخصا. فالمؤرخون يعترفون بأنه "بفضلهم لم تحرر فرنسا فقط وإنما انتصرت."

ومشاركة هؤلاء وان ردت في جانب منها على نداء ديجول لتحرير فرنسا فان جوانبها الأخرى متعددة خاصة الاقتصادية لمساعدة أسرهم بجانب أن الالتحاق بالجيش كان ضمانة أيضا لمحو أمية من يتطوعون.

والفيلم لا يثير العواطف بمعارك بطولية برغم حقيقتها التاريخية على جبهات الحلفاء في ايطاليا أولا ثم بمشاركتهم في الخطوط الأولى في تحرير المقاطعات والمدن الفرنسية من أقصى الجنوب في مرسيليا إلى أقصى الشمال في منطقة "الألزاس". فجنود الجيش الإفريقي شكلوا باعتراف المؤرخين وكما يظهره الفيلم الفيلق الأمامي في الجبهات الذين يعدون بأسلحتهم الخفيفة فقط "البنادق" الاستيلاء على مواقع العدو.

وبرغم بطولتهم وتفانيهم في نصر الحلفاء فان الفيلم يعكس الحقيقة التاريخية التي لا يعترض عليها أي من المؤرخين وهي أن هؤلاء الجنود كان يعاملون كأفراد أدنى مرتبة من رفاق السلاح من الفرنسيين من حيث الرواتب والترقيات بل ووجبات الطعام. فالفيلم يظهر مفارقة مزرية في عدم أحقيتهم بتناول "الطماطم" مثل الفرنسيين. فيثورون وتقبل القيادة أن يشاركوا نفس الوجبات كالآخرين. ولكن يظل محظورا عليهم حب الفرنسيات ومصادرة خطاباتهم والصعود في الترقية برغم استحقاقها وممارستها على ارض الواقع عندما يجرح القادة ويعجزون ويتولون هم قيادة العمليات. وبرغم المرارة المتولدة من هذه الأوضاع لم يتدن قتالهم والإصرار بأسلحتهم البدائية على الصمود وتحرير المواقع التي تحصن بها العدو.

ومن الايجابيات في الفيلم هو البعد الذي يمكن تسميته، باستعارة عنوان كتاب المفكر هنري لوفيفر، "علم اجتماع الحياة اليومية" على ارض المعركة وفي الواقع الحياتي. فلا توجد خطابية مباشرة للتعبير عن الأوضاع الصعبة و اللا عادلة التي يعيشها الجنود ولكن تعبير بالإشارة وبالوجه عن الامتعاض والأسى دون استخدام اللغة لبلورة هذه الأحاسيس. هنا البديل عن اللغة الخطابية بلغة الجسد مثل توفيقا أدائيا إذ قوتها في نقل الإحساس بالمرارة أكثر مباشرة وتبعد عن الديماجوجية التي كان من الممكن السقوط فيها وتضعف كتعبير عادي ومبتذل. فالمشاهد يفهم ويتلقى الصدمة مثلما تتلقاها الشخصيات والتعاطف مع القضية يغني عنه البيان. وذلك لا ينفى الثورة أو الرفض لوقع ظالم في حدود ما تسمح به ظروف الجيش وخاصة في حالة حرب. فان كان تحسين الوجبات وعدالتها بين الجميع الذين يعطون دمهم بذات الشجاعة للانتصار فكذا المشاركة في اقتسام نفس الطعام. أما عن الترقيات والرواتب فالتذمر يظل محدود الأثر فالرد البيروقراطي جاهز فالدور آت لا محالة!

فالصورة وحدها تكفي في تحريك المشاعر مثل المشهد الذي يصور تغطية المصورين لانتصار في بلدة حررها أساسا الجنود العرب ولكنه المصور يلتقط صور للجنود الفرنسيين مع الشعب بينما العربي لا يلتفت له احد.

إن لكل من سعيد (جمال الدبوز)، وعبد القادر (سامي بو عجيلة) وياسر (سامي ناصيري) ومسعود (رشدي زم) دواع خاصة للالتحاق بالجيش الفرنسي. وبين دعوة المشاركة في تحرير فرنسا من النازية والأسباب الشخصية تلاحم. فالتطوع إما لكي لا يكون البعض أقل شجاعة من الآخرين ويهرب من أم شديدة الحب أو لجلب المال اللازم للزواج أو للهرب من الحياة العنصرية في المستعمرات أو الارتفاع في المرتبة العسكري ببساطة.
تلك الأسباب تشكل القصص الموازية لسير المعارك. ولا يدرك أي من الأربعة ما يريد. ويأتي المشهد الأخير ليجسد الوفاء للذاكرة والرفاق وللتاريخ من الوحيد الذي ظل على قيد الحياة في حجرة صغيرة متواضعة تقول أكثر عن الواقع البائس الذي يعيشه أكثر من أي خطاب متمرد.
ومن الايجابيات أيضا أن الفيلم لم يحمل رسالة إدانة أو تفجير صراع بين المسلمين الذين ساهموا في تحقيق النصر وبين الفرنسيين. فكل المشاركين فيه يركزون على أنهم فرنسيين من أصول أجنبية وان الفيلم هو لتكملة فصل في التاريخ المشترك للتخلص من النازية. والذكاء يتمثل مرة أخرى هنا في ترك الأمر للحوار الداخلي بين المؤرخين الذين اقروا للفيلم بالأمانة التاريخية. ويعتبر الفيلم من أكثر الأفلام تكلفة إذ بلغت نفقاته 14 مليون يورو وشارك فيه نحو 500 كومبارس وتم إنجازه في 18 أسبوعا. وهو إنتاج فرنسي وعربي وبلجيكي.

ومشاركة أبناء المستعمرات في الحروب الإمبريالية ترجع للقرن التاسع عشر وفقط لإعطاء فكرة سقط في الحرب العالمية الأولى، في معركة "فردان" الشهيرة وحدها، لأنها كانت مذبحة، عام 1916 نحو 70 ألف مقاتل مسلم قاتلوا بجانب الجيش الفرنسي.

والفيلم لا يذكر هذا الماضي البعيد فسنة 1943 هي بداية هذه الملحمة التي شارك فيها 130 ألف متطوع من 23 بلدا من المستعمرات الفرنسية. كان هؤلاء يدعون بفرق القناصة. فالجيش الفرنسي تجاوز عدد جنوده في تلك الفترة نصف مليون ونصف هؤلاء من المستعمرات الفرنسية. (134 ألفا من الجزائر و73 ألفا من المغرب و26 ألفا من تونس و92 ألفا من إفريقيا السوداء). وفي المعارك النهائية عام 1945 مات 60 ألف جندي من الجيش الفرنسي أي ما يشكل ربع خسائر فرنسا البشرية طوال سنوات الحرب ومن بين الضحايا مات أفراد كل وحدات القناصة من السنغاليين. وظل الشاعر السنغالي الكبير ليوبولد سينجور يغنيهم : " أخوتي السود ذوي الأيدي الدافئة يرقدون تحت الجليد والموت".

والفيلم يفتح صفحات من التاريخ لم تجرؤ السينما الفرنسية التعرض له إلا قليلا فيما يخص حروبها الاستعمارية في فيتنام والجزائر بشكل خاص. وإذا كان تكليل الممثلين على أدوارهم في كان تكريما للسينما العربية في هذا الإنتاج المشترك فان التكريم الحقيقي جاء من ألاف الفرنسيين الذين ينتظرون ساعات في طوابير أمام صالات العرض والتصفيق الطويل مع نهاية الفيلم. فالتاريخ الرسمي حاول نسيانهم وأعادتهم "دار الخيالة" من جديد لصفحاته التي ستدرج في برامج التدريس بجانب عيد نهاية العبودية السنوي. فيكفى القول أن الفيلم يعرض في أنحاء فرنسا في 500 (خمسمائة) صالة عرض ليكون أي تعليق أضافي غير ذي معنى. وفي النهاية لعل الوعي بضعف الذاكرة التاريخية الفرنسية حيال هؤلاء المقاتلين تترك بصمتها على واقع مر يمر به أحفاد هؤلاء الذين يتعرضون اليوم في "الوطن الأم" بالتبني أو الميلاد للطرد بسبب ورقة إقامة تافهة.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك