الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > في أوربا تاريخ الإرهاب بين الجهالة والتجهيل.. بقلم : مصطفى نورالدين

في أوربا تاريخ الإرهاب بين الجهالة والتجهيل.. بقلم : مصطفى نورالدين

بشر بجريدة التجمع - القاهرة - يوليو ٢٠٠٦

2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

في أوربا تاريخ الإرهاب بين الجهالة والتجهيل.. بقلم : مصطفى نورالدين

نشر بجريدة التتجمع بالقاهرة - يوليو 2006


حينما لا يقول رجال السياسة الحقيقة فإما إنهم لا يريدون الاعتراف بها وإما إنهم بالفعل لم يستطيعوا إدراكها وفي كلا الحاليين مأساة للشعوب التي تحملوا المسؤولية تجاهها. والأخطاء التي تنتج عن الجهل وتلك الناجمة عن الكذب تقودان في الكثير من الأحيان إلى صناعة إجرامية للتاريخ الذي يلعبون فيه دورا.

فمنذ قنابل لندن يوم 7 يوليو لم تتوقف المقالات والتقارير في صحافة العالم. ومن الطبيعي أن يجد البعض فرصة للعودة إلى مقولة " صراع الحضارات " التي تحولت إلى شعار سهل إخراجه من القبعة كلما وقع حدث صغير مثل عركة بين بعض المهاجرين في الغرب وبعض آخر من ملة أخرى أو لون بشرة مختلف. ومثل الشيء عندما يقع حدث جلل مثل قنابل لندن. وفي كلا الحاليين قلة تحاول البحث فيما وراء الشكل، إذا حق استخدام التعبير، والذهاب إلى المحتوى. وهذا ما حدث بالنسبة لتفجيرات لندن فلقد كتبت عشرات المقالات عن استحالة التفاهم والتعايش بين الشعوب وان الأعداء البرابرة يعيشون في قلب مجتمعاتنا المتحضرة. وانه بحسب كلمات Reid وزير الدفاع البريطاني " الإرهابيون هدفهم قتل أي شخص يقف عقبة أمام إيديولوجيتهم المنحرفة. "

إن مثل هذا الكلام من مسئول وكلام رئيس الوزراء البريطاني توني بلير التي ترى أن " الإرهاب لا شأن له بحرب العراق أو أفغانستان بل هو إرهاب ذو طابع عالمي وضد القيم الغربية" هذا الإصرار يلوح غريبا وكأنه يرى أن الآخرين سفهاء.

إذ أن المتخصصين في السياسة العالمية وفي تحليل قضايا العنف السياسي يقولون عكس ذلك ويربطون ربطا مباشرا بين تحالف بريطانيا مع الولايات المتحدة وحروبها وزيادة مخاطر تعرض بريطانيا للهجوم. وخاصة أن المتخصصين الذين يعطون تحليلاتهم ليسوا من المروجين للقاعدة ولا من حمامات السلام.
فلقد اعد كل من Paul Wilkinson رئيس مركز الأبحاث حول الإرهاب باسكتلندا و Frank Gregory من جامعة ساوسامبتون في انجلترا تقريرا بعنوان : " الجلوس في المقعد الخلفي ومحاربة الإرهاب سياسة شديدة الخطورة "
Riding pillion for tackling terrorism is high-risk policy

ففي هذا التقرير الذي صدر يوم 18 يوليو الجاري عن :
The Royal Institute of International Affairs (Chatham House)
نقرأ العبارة التالية بترجمتها الحرفية: " اتبعت المملكة المتحدة سياسة ضد الإرهاب يد بيد مع الولايات المتحدة ولكن ليس بالمشاركة بالقرارات على قدم المساواة مع واشنطن وإنما بالاكتفاء بالجلوس كراكب في المقعد الخلفي وترك عجلة القيادة لحليفها في مقعد السائق."

ويواصل التقرير: " بان بريطانيا في وضع يتميز بخصوصية مخاطرها لأنها أكثر الحلفاء ارتباطا بالولايات المتحدة في نشر قوتها في أفغانستان والعراق ولعبت دورا أساسيا في الصراع ضد القاعدة... وان مساهمة بريطانيا في حرب العراق كان من العوامل التي سرعت من التعبئة لحركة القاعدة ماديا وبتجنيد لمنفذي عملياتها في لندن أي " جعلت من بريطانيا في وضع شديد الوهن وعرضة للهجوم الإرهابي مثل ذلك الذي حدث في 7 يوليو. "
(النص الكامل على موقع : http://www.riia.org )

ومن الملفت للنظر ضحالة التحليل السياسي لكبار مسئولي السياسة الإنجليز للرد على كاتبي التقرير من المتخصصين. فهو لا يبعث إلا على التساؤل بمن يستخفوا ؟ فوزير الخارجية البريطاني هاجم التقرير بشدة بقوله: " أن الإرهابيين ضربوا في بلدان متحالفة مع الولايات المتحدة وأخرى غير متحالفة. " وعلق متحدث باسم رئيس الوزراء : " هل يقترح التقرير بأنه كان علينا العودة برؤوس منحنية وان نأمل ألا يهاجموننا ؟ " وأخير يعلق وزير الحربية : " إن الفكرة القائلة بأن الشرس لن يأتي ليهاجمك إذا أسرعت بالهرب عندما يقترب فكرة غير صحيحة تماما وان أي طفل في الحضانة يعرفها. " !

وتجدر الإشارة انه قبل صدور هذا التقرير كتبت الصحف الجادة مقالات هامة تذهب إلى نفس التحليل الموضوعي ونكتفي بذكر ما كتبه المحلل السياسي الشهير روبرت فيسك Robert Fisk: في مقالته " الحقيقة حول هذا الإنفجارالبربري"
The reality of this barbaric bombing
في مجلة : ذي اندباندانت The Independentيوم 8 يوليو يقول : " ... لم يكن مفيدا أن يقول لنا بلير أمس "أنهم لن ينجحوا أطلاقا في تحطيم ما نتمسك ونعتز به". "فهم" لا يحاولون تدمير "ما نعتز به" وإنما يحاولون تحريك الرأي العام ليجبر بلير على الانسحاب من العراق وعن الكف من تحالفه مع الولايات المتحدة والكف عن التزامه بسياسات بوش في الشرق الأوسط."
ويضيف روبرت فيسك :" كان من اليسيرً على بلير وصف تفجيرات الخميس بأنها "وحشية" وهي كذلك بالفعل ولكن ماذا يمكن أن يقال عن الموتى المدنيين من ضحايا الغزو الانجلو- أمريكي وعن الأطفال الذين مزقت القنابل العنقودية أجسادهم ، وعن الأعداد التي لا تحصى من الذين سقطوا عند نقاط التفتيش العسكرية الأمريكية من العراقيين ؟ فعندما يموت هؤلاء نقول "خسائر مصاحبة" وعندما نموت "نحن" نقول انه "إرهاب بربري" ؟ "

وتعقيبا على أحداث لندن يشير المحلل السياسي الفرنسي داني سيفر، بمجلة بوليتس Politis السياسية المستقلة، إلى أن "عولمة الصراعات" سيؤدي إلى انتقاله خارج حدوده الأصلية طالما أن المجتمع الدولي لا يعمل على حل الصراعات في مكانها الأصلي وبشكل جذري... ويضيف:"القضاء على الإرهابيين جذريا نعم ولكن ولنكن على وعي بأنه إذا مات احدهم فان عشرة سوف يحلون محله طالما لم تحل الأسباب الأساسية جذريا. وهذه الأسباب نعلمها وأكثرها عنفا هي حرب العراق. ولكن هناك مشكلة أكثر قدما وهي مشكلة فلسطين. لأنه منذ أكثر من نصف قرن لم يتوقف المجتمع الدولي عن ترك حقوق الفلسطينيين تهدر. " فقرارات الأمم المتحدة ظلت منذ 1947 مجرد كلمات دون أي فاعلية ضد إسرائيل. فمبدأ الانسحاب من الأراضي التي أخذت بالحرب لا تنطبق على إسرائيل بحسب السياسة الأمريكية. فدونالد رانسفيلد يصرح عشية حرب العراق الثانية بان : " من حق إسرائيل الاحتفاظ بأراضي الضفة لأنها لم تضع يدها عليها بالحرب !" ونضيف عدم تحرك المجتمع الدولي ضد الحائط العنصري برغم إدانة محكمة العدل الدولية. والأمثلة دون نهاية.

والأكثر مدعاة للتعجب هو إصرار الساسة على موقفهم برفض العلاقة العضوية بين السياسة الخارجية لبريطانيا والتفجيرات ليس فقط بناء على تحليل بسيط في السياسة وليس بناء على تحليل خبراء وإنما استمرار هذا الرفض برغم كل ما يثبته البحث البوليسي من علاقات مباشرة للأشخاص الذين انفجرت بهم القنابل التي يحملوها، حسب تقدير البوليس، وبين جهات معلومة في باكستان !

وفي استطلاع رأي نشرته جريدة الجارديان Guardian يوم 19 يوليو حول العلاقة بين سياسة بريطانيا بشان الحرب ضد العراق والتفجيرات في لندن نجد 31 تعتبر مسؤولية بلير محدودة في الذي حدث و28 في المئة لا ترى علاقة بين التفجيرات والحرب وان 33 في المئة تضع المسؤولية كاملة على بلير إلا أن أكثر من ثلثي الشعب البريطاني يرى علاقة مباشرة بين تفجيرات لندن والحرب ضد العراق.

ولقد بدأت تتبلور فلسفة لتحليل المجتمع الغربي بدءا من سياسة التخويف التي تباشرها السلطة السياسية في الغرب داخل مجتمعاتها. ومن بين الكتابات في هذا كتب الفيلسوف الألماني Peter Sloterdijk ومن أهمها " الإستنفار اللانهائي " و "قواعد الحظيرة البشرية".

فالخطورة المباشرة من تحليل المسئولين بالقول بأن المواجهة هي بين قيم وحضارات وليس نتيجة انعدام عدالة على الصعيد العالمي ونتيجة حروب قذرة تنعكس على الحياة اليومية. إذ تبدأ الاعتداءات العنصرية اللفظية أو الجسدية ضد من لوحت الشمس بشرتهم ويعم توجس من حاملي حقائب الظهر. فهم ضد قيم الغرب السامية ويريدون الترويج لفكرهم !

ويضاف لذلك انه من عواقب تكرار التحذير في محطات المواصلات العامة والمطارات من ترك المتعلقات الخاصة دون رقيب وإبلاغ الأمن عما يثير الريبة بدأت تسود حالة مستمرة من التوتر إن نسيها المواطن في انشغالاته العادية فان شريط مسجل يذكره بها كل عدة دقائق عبر مكبرات الصوت وكذلك خضوع الجميع للتفتيش عند دخول المتاحف والأماكن العامة الرسمية ومشاهدة رجال الشرطة والجيش وأسلحتهم موجهة إلى العدو الذي سيظهر فجأة من أي ركن وكأن المجتمع في حالة حرب دائمة.

وقد زاد من ارتفاع إرادة التخويف إرادة بعض الدول للعودة إلى نظم ضبط حركة تنقل المواطنين بين الدول الأوربية أي العودة إلى الوراء بالقياس بكل الاتفاقيات الأوربية السارية منذ سنوات. وبحسب جريدة الجارديان البريطانية يوم 19 يوليو هناك توجه لمنع الأجانب الذي يشك في ميولهم الدينية بالتمتع بالتعليم في الجامعات البريطانية في فروع العلوم التي قد تساعدهم على تطوير أسلحة تستخدم للإرهاب !

إن استبعاد أي محاولة لتحليل وفهم العالم المعاصر بشكل صحيح تعطي للدول سلطة قاهرة حتى في المجتمعات المتقدمة ويدفع بعض من يملكون شجاعة قول الحقيقة عارية من الخداع ثمنا باهظا في حصارهم فكريا ومهنيا بل ومحاكماتهم إن مسوا بعض جوانب التاريخ الممنوع إعادة البحث فيها خاصة ما يتعلق ببعض تفاصيل الحرب العالمية الثانية في أوروبا.. فهل سوف يخص الأمر أيضا منع تحليل الواقع المعاش والسياسات التي تمارسها الدول بإظهار استراتيجياتها الإمبريالية الجديدة والتي يدفع المواطن الرافض لها ثمنها برغم عدم مسئوليته عنها ؟
تحميل المقال من أسفل

في أوربا تاريخ الإرهاب بين الجهل والتجهيل

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك