الصفحة الرئيسية > انتخابات الرئاسة الفرنسية 2007 > فرنسا نقاط يمينية على حروف اشتراكية... بقلم : مصطفى نور الدين

فرنسا نقاط يمينية على حروف اشتراكية... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع - القاهرة - ١٠ يونيو ٢٠٠٦

السبت 10 حزيران (يونيو) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

فرنسا نقاط يمينية على حروف اشتراكية... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع - القاهرة - ١٠ يونيو ٢٠٠٦


راج شعار إعلاني في فرنسا في السبعينات يقول : "ليس لدينا بترول ولكن لدينا أفكار". وكشف استبيان للرأي العام منذ أيام بان أغلبية من يعطون أصواتهم لليمين المتطرف يوافقون على الأفكار التي تطرحها "الاشتراكية" سوجلين رويال التي تحلم بالجلوس على كرسي رئيس الجمهورية عام 2007.

والأفكار "القطرانية" للسيدة "رويال" لحل مشكلة الجنح والمنحرفين، أو بلغة ساركوزي "الحثالة"، في الأحياء الفقيرة هو بإنشاء معسكرات تربية لهم تحت إشراف "عسكري" منذ أول جنحة للطفل الذي تجاوز 16 سنة. أي الجيش سيتحول إلى مربي للأجيال الجديدة الضائعة !

وأما أفكارها فيما يخص الأطفال "الأشقياء" و"المشاغبين" الذين يعتدون على الآخرين من زملائهم وعلى المدرسين فيجب وضع أسرهم "تحت الوصاية" إذا كانوا يتلقون مساعدات اجتماعية نظرا لدخلهم المتدني. بل وإجبارهم على الذهاب "لمدارس الآباء" لدورة تأهيل ليتعلموا كيف يربون أطفالهم. (مدارس موجودة فعلا).

ولقد صفق زعيم اليمين الحاكم وزير الداخلية، ساركوزي، الطموح لنفس الكرسي، لاقتراحات "رويال" ودعاها للانضمام لنادي حزبه !

وكذا صفق لها حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف وساركوزي لنقدها لقانون العمل الذي خفض ساعات العمل الأسبوعي من 39 إلى 35. وهو قانون سنته الحكومة الاشتراكية تحت رئاسة "جوسبان" عام 1998 وطبق على الشركات التي تستخدم أكثر من 20 من العاملين بدئا من عام 2000 وعلى من يستخدمون اقل من 20 من العاملين عام 2002.

والهدف من تخفيض ساعات العمل كان لدفع رجال الأعمال على زيادة التوظيف لاستيعاب البطالة. ولكن تم تطبيق القانون بسرعة ودون تحضير كاف مما سبب اختلال بعض الخدمات إلى جانب أن رجال الأعمال لم يقوموا إلا نادرا باستخدام عمالة جديدة واللجوء إلى سياسة الساعات الإضافية.

وانقسم أعضاء الحزب الاشتراكي بشأن أفكار "رويال" بين مؤيد ومعارض. وتلزم الإشارة إلى أن السيدة "رويال" أعلنت بشكل فردي ترشيحها عن الحزب الاشتراكي لرئاسة الجمهورية عام 2007 في حين أن الحزب سيختار من يمثله رسميا في نوفمبر وسوف يناقش برنامجه الانتخابي هذه الأيام.

وكانت سيجولين رويال (53 سنة) من 1992 إلى 2002 في مناصب وزارية للتعليم ثم لشؤون الأسرة والطفل في الحكومات الاشتراكية. و "رويال" هي رفيقة حياة "فرنسوا هولاند" سكرتير عام الحزب الاشتراكي. وبإعلان نيتها للترشيح صعدت من الصراع المتواجد بالحزب منذ الانشقاق بشأن التصويت على الدستور الأوربي.

فللتذكير دعت، في العام الماضي، قيادة الحزب الاشتراكي إلى نفس خط اليمين بالموافقة على الدستور الأوربي بينما انشق بعض زعماء الحزب التاريخيين ودعوا لرفض الدستور. وقرر الحزب طردهم. وبعد الرفض الشعبي عاد كل المنشقين إلى الحزب مرة أخرى وهو ما خلق بلبلة جديدة لعدم وجود خط سياسي واحد للقيادات.

وبترشيح مدام "رويال" نفسها تحاول سحب البساط من تحت أقدام الشخصيات التي ترى في نفسها الأكثر أهلية لكرسي الرئاسة. ومن بين هؤلاء لوران "فابيوس" الذي احتل عام 1981 منصب وزير الميزانية ثم وزارة الصناعة والأبحاث عام 1983ثم رئاسة الوزارة ثم مجلس الشيوخ.

وتؤخذ على "لوران فابيوس" نقاط سلبية حينما كان رئيسا للوزارة وخاصة فضيحة "الدم الفاسد". ومازال الكثيرين يحملونه المسؤولية فيها برغم تبرئته قضائيا في مسألة العدوى (بالإيدز) بسبب نقل الدم في المستشفيات من بنك الدم الذي لم يصدر قرارا بالتخلص من مخزونه حينما كان رئيسا للوزراء.

ومن بين المرشحين الافتراضيين "جاك لانج" (66 سنة) وهو من أكثر أعضاء الحزب الاشتراكي تمرسا في السياسة إذ ظل وزيرا لمدة 12 سنة أولا للثقافة ثم للتعليم. وأصدر بدوره "كتابا برنامجا" بعنوان "التغيير" من اجل ترشيح نفسه للرئاسة. ويعتبر "لانج" من الشخصيات التي تلعب دورا مهدئا في الصراع السياسي بجانب موافقته على بعض القضايا التي يعتبرها الغرب علامة للتسامح الاجتماعي مثل مسألة العيش المشترك بين شخصين من نفس الجنس وتمتعهم بالحقوق الاجتماعية مثلهم مثل أسرة تقليدية. بل يوافق برنامج "لانج" على حق زواج الأفراد من نفس الجنس. ومن النقاط السلبية ضد جاك لانج تعرضه للكثير من القضايا والفضائح المالية (اختفاء مبالغ ضخمة من صندوق الإنفاق السري الوزاري) وبجانب شائعات عن علاقات جنسية مع أطفال قصر وبرغم عدم وجود الأدلة الدامغة ضده إلا أنها نقط سوداء سيخرجها خصومه إذا استمر إصراره على ترشيح نفسه للرئاسة.

وكذا "دومينيك ستروس كان" وزير سابق ايضا وأصدر بدوره كتاب برنامج. ثم أخيرا احتمال أن يعود "جوسبان"، رئيس الوزراء السابق الذي خسر في الدورة الأولى لانتخابات الرئاسة عام 2002 واعتزل الحياة السياسية. وقد بدت بعض مظاهر جس النبض لعودته بإصداره عام 2005 لكتاب برنامج بعنوان "العالم كما أراه" بالإضافة إلى معاودة مشاركته المكثفة في الحياة السياسية. وقد نفى جوسبان احتمال عودته ولكن مازالت الشائعات قائمة.
ومن بين كل هؤلاء يظل "جوسبان" شخصية سياسية ذات تاريخ هام للحزب برغم غضب الاشتراكيين منه لاعتزاله السياسة على اثر خسارة الانتخابات عام 2002 إذ اعتبر الكثير انه ترك "المركب في عرض البحر" وهرب. أي انه اعتبر الخسارة شخصية فلقد فاجأ الجميع بقراره ولم يناقش القرار مسبقا داخل الحزب. ونقطة ساخرة. في 2002 هاجم "جوسبان" منافسه "شيراك" بأنه "مستهلك وعجوز متعب". وبعد سنة سيكون "جوسبان" في ذات عمر شيراك حينما قال له عبارته !

فالمعركة للرئاسة ستكون إما بابتعاد الأحزاب عن أفكار اليمين المتطرف أو تبني برنامجه. والاختيار الأرجح سيكون الثاني. إذ اختاره ساركوزي قبل "رويال" بقانون تنظيم الهجرة وأوضاع المهاجرين. فأصبح بقاء من هم في أوضاع غير شرعية عرضة للترحيل وضرورة مرور 4 سنوات للحصول على الجنسية بدل من سنتين واختيار من يقبلون بالهجرة بحسب حاجة الاقتصاد الفرنسي...

وان كانت استطلاعات الرأي العام تظهر ترحيب غالبية الفرنسيين بالإجراءات الأمنية المتشددة التي يقترحها كل من "رويال" و "ساركوزي". يفسره أن أكثر من نصف الفرنسيين ملاك لمنازلهم الخاصة والغالبية لديها سيارة على الأقل ولذا فالتأمين على ممتلكاتهم مشروع. إلا أن هناك أيضا العامل النفسي منذ زمن وما تشيعه وسائل الإعلام عن العنف والجرائم والسرقات والإرهاب مما يخلق جو من القلق العام.

ولذلك فانه باستثناء الأحزاب الشيوعي واليسارية الجذرية والخضر تنغمس الأحزاب الأخرى في هذه الهلوسة "لاستتباب الأمن والأمان" في المجتمع. ولم تتم محاولات فعلية لحل المشاكل برغم أن الأسباب يعرفها الكل فهي البطالة طويلة الأجل والفقر بل والبؤس والعنصرية

وليس من قبيل التطرف نعت الحزب الاشتراكي الفرنسي بأنه أيضا حزب يميني وليبرالي. فالمسألة ليست اللافتة التي يرفعها وإنما محتوى برنامجه. فاللبس الذي يحيط بكلمتي "اشتراكية ويسار" تستلزم إعادة صياغة لهما كمفاهيم وتطبيقها على من يتضمن برنامجه فعليا اهتماما بالعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة وتوفير التعليم والثقافة والعناية الصحية والعمل للمواطنين وحمايتهم في الشيخوخة...

فأحزاب فرنسا تنطلق نظريا من شعار الجمهورية: الحرية والمساواة والإخاء. وهو شعار "زئبقي" فالمحتوى فضفاض ويفصله كل حزب على هواه.

وفي هذه الظروف يمر اليمين الديجولي "المعتدل" بأزمات متوالية اجتماعية وفضائح ومؤامرات وعدم تحقيق لإنجازات ذات وزن باستثناء انخفاض طفيف لعدد العاطلين. ولكن من يضمن استمرارية هذا التوجه مع تطبيق الليبرالية على صعيد الاتحاد الأوربي والمنافسة من أيدي عمل ارخص ؟

ونفس الشيء يمكن تطبيقه على الحزب الاشتراكي. فلقد كان وصول فرنسوا ميتران للسطة عام 1981 ومشاركة الحزب الشيوعي في السلطة "فرح عام" لكل اليسار بما في ذلك اليسار الجذري وخرجت الجماهير بالملايين حينها تغني طوال الليل " انتصرنا.. انتصرنا". ومرت السنوات وتجددت رئاسة ميتران فترة إضافية .. واضطر لتسليم الحكومة لليمين بعد خسارة الانتخابات البرلمانية.

ثم جاءت حكومة اشتراكية للتعايش مع اليمين الديجولي في ظل شيراك في الرئاسة.. ولم تسفر التجربة مع طولها إلا على الإحساس بالمرارة في الوعود الكاذبة والممارسات التي لا تختلف عن اليمين إلا بكلمات فارغة المحتوى.

بجانب ممارسات إمبريالية بالمشاركة الحكومة الاشتراكية في الحرب الأمريكية الأولى ضد العراق. وعدم التدخل لمنع مذابح "رواندا". وكذا وترك وزراء الداخلية المتعاقبين يشحنون المهاجرين مكبلين في طائرات "الشارتر" إلى بلادهم وعدم الالتزام بالإجراءات القانونية والدستورية.

وللأسف متابعة الحياة السياسية الفرنسية طوال الشهور القادمة سوف تصبغها سمة التكرار والمحزن فيها أنها ليست لتقديم البرنامج الأكثر واقعية لمواجهة مشاكل المجتمع الفعلية. بل مزايدات موضوعها الرئيسي سيكون "الأمن" و "الهجرة". وتلك عادة قديمة تعاود الظهور مع كل انتخابات رئاسية أو برلمانية... فهي حملات انتخابية مملة لتكرار نفس القضايا ومن يقدم الحل الأكثر تطرفا أي يمينية.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك