الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > فرنسا اليمينية : وداعا للعبودية..مرحبا بالشعب المختار... بقلم : مصطفى نور (...)

فرنسا اليمينية : وداعا للعبودية..مرحبا بالشعب المختار... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) سيحدد التاريخ لاحقا 2006

الثلاثاء 20 حزيران (يونيو) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

فرنسا اليمينية : وداعا للعبودية..مرحبا بالشعب المختار... بقلم : مصطفى نور الدين

في العاشر من مايو 2006 احتفلت فرنسا لأول مرة بيوم "العيد القومي لنهاية العبودية" في جو سياسي عفن حيث يسود التآمر والصراع السياسي. فالورود ألقيت في مياه المحيط الأطلسي لإحياء ذكرى العبيد الذين عبروا مياهه كبضاعة إلى الضفة الأخرى و ذرفت دموع أحفاد "العبيد" وعزفت موسيقى الحرية الأبدية.

وفي ذات الوقت تعالى صوت شيراك، رئيس الجمهورية، للتنديد بالمؤامرة التي تحاك ضد فرنسا عبر قضايا فساد رجال السياسة وعلى القضاء البت فيها سريعا. فهناك من يسعى لان يكره الشعب السياسة ورجالها ويصرفهم عن القيام بواجبهم السياسي والانتخابات الرئاسية على الأبواب.

ونسى الرئيس أن يذكر انه في ذات هذا اليوم تحدثت الصحف عن "حسابه السري" في اليابان ونشرت نقلا عن محضر التحقيق مع الجنرال روندو، رجل المخابرات الفرنسية السابق، أن لشيراك حساب في "توكيو سيووا بنك" الياباني به 30 مليون فرنك منذ 1992. أي حينما كان شيراك عمدة باريس. وان مدير البنك"سويشي اوزادا" صديق للرئيس وقلده أعلى وسام في فرنسا عام 1994. والمال مصدره هيئة ثقافية باليابان شيراك من أعضاء مجلس إدارتها. وقد زار شيراك اليابان نحو خمسين مرة. وتم القبض على "اوزادا" عام 2000 في اليابان بتهمة تسببه في إفلاس للبنك المذكور.

ونفى قصر رئاسة الجمهورية "الإليزيه" التهمة وأن تلك كانت حملة تشويه عشية انتخابات الرئاسة عام 2001 وثبت عدم صحتها. ويلوح أن رئيس المخابرات العامة هو من كان وراء محاولة التشويه وتم استبداله بعد فوز شيراك وكذا استبعد رئيس المباحث العامة.

وفي ذات الوقت بدأ الوزراء و السابقون منهم يطرقون أبواب القضاء لسماع أقوالهم كمشكوك في سلوكهم في فتح حسابات في الخارج وتلقي عومولات فيما سمي فضيحة "كلير ستريم" أو كضحايا لكيد.

أبراج المراقبة مآذن مساجد
وفي نفس الديكور السياسي ظهر كاريكاتير ! : طائرة تقلع من مطار رواسي (اكبر مطار فرنسي) .. وينبه أحد الركاب قائد الطائرة: أرى مآذنه ! ويرد الكابتن : هدئ من روعك، مسيو دو فيلييه.. هذا برج المراقبة !"..

كاريكاتير يسخر من كتاب "مساجد (مطار) رواسي" الذي صدر أخر ابريل الماضي بقلم فيليب دو فيلييه زعيم حزب اليمين المتطرف "حركة من اجل فرنسا". والكتاب يعتمد على وثائق لإدارة الدفاع عن الأمن الداخلي الفرنسية (المباحث). ويدعي فيه أن المسلمين العاملين بالمطارات الفرنسية تم اختراقهم من خلايا إسلامية متشددة تهدد أمن فرنسا وربما يحضرون لتفجيرات إرهابية.

وفيليب دو فيليه (59 سنة) أسس هذا الحزب عام 1994. وهو صاحب الشعار الشهير "الدفاع ضد أسلمة فرنسا". وما يقوله هو برنامجه السياسي الفارغ إلا من أوهام تباع في أسواق الأمية السياسية والتجهيل. ولكن "بعد أن كان دو فيلييه منذ سنوات شخصية تحض على الإثارة أصبح الآن شخصية خطرة". كما يقول احد المحللين السياسيين نظرا لما تثيره أفكاره من حث على العنصرية. وأفكاره هي ذاتها التي يرددها العجوز جان ماري لو بن (78 سنة) زعيم حزب اليمين المتطرف الأخر "الجبهة الوطنية" والمنافس له.

فلما كل هذا التركيز على المهاجرين في السياسة الغربية ؟ ماذا فعلوا ؟ يرد اليمين : المهاجرون لا ينصهرون في المجتمع..يحافظون على هويتهم.. يعادون القيم الغربية.. يهددون الأمن.. ينخرطون في الأنشطة الممنوعة من تجارة المخدرات إلى السرقة.. ووجدوهم يتسبب في البطالة للمواطنين الفرنسيين.

هذا البرنامج الأساسي للأحزاب اليمينية منذ نحو 30 سنة. وبالتحديد بعد ما سمي بأزمة البترول مع الموقف الموحد الذي اتخذته البلدان المنتجة حينئذ في السيطرة النسبية على الأسعار. وبعد 11 سبتمبر أضاف اليمين المتطرف بأن المهاجرين أرض خصبة للإرهاب. فهل وجود بعض الأفراد المتشددين يعني أن كل المهاجرين يشكلون خطورة على فرنسا ؟

وهذا البرنامج يكشف عن خواء برنامج اليمين من تقديم تحليل حقيقي لازمة الرأسمالية وحلول فعلية لها. وبدلا من ذلك يضع على المهاجرين مسئولية أزمة ليسوا بسبب لها وإنما ضحيتها الأولى.

فمعظم المهاجرين جلبهم الغرب لتشيد مجتمعاته المحطمة بعد الحرب العالمية الثانية. ومعظم المهن التي يحتلها المواطنين من اصل مهاجر لا يقبل بممارستها الغربيين لأنها مهن يدوية أو في قطاعات مرهقة وبأجر منخفض. بالإضافة إلى أن قطاعات كثيرة من الاقتصاد بحاجة ملحة للعمل الأجنبي نظرا لعدم إعادة تجدد القوة العاملة لانخفاض معدلات الإنجاب بين الفرنسيين وخلل نظم التعليم والتأهيل منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وبرغم ذلك فلن تقول أحزاب اليمين أن السبب في الأزمة هو : عدم إعادة تأهيل العاطلين وفوضى الإنتاج والمجتمع الاستهلاكي و المنافسة غير المنضبطة و سيطرة رأس المال متعدد الجنسية على الاقتصاد ونقل الشركات من المجتمع الأم إلى أخرى بها الأيدي العاملة ارخص وغياب دور فعال للدولة وغيرها من الآليات في النظام الليبرالي.

والكلام عن الليبرالية يلوح كالسؤال "هل الملائكة ذكور أم إناث ؟" ولذا فمثل عيني اقصر الطرق للحكم ! في مقال سابق (التجمع عدد أول ابريل) كتبت: " مثل أخر على قدر كبير من الأهمية ويتمثل في تعميم المنافسة الليبرالية على صعيد أوروبا في كل المجالات. فمثلا في أحدث التطورات يمكن للمواطن الآن الاستغناء عن استخدام شبكة التليفونات الفرنسية والاشتراك في شركة منافسة تقدم له نظير مبلغ ثابت الاستخدام غير المحدود لانترنيت (بالكبل) ومشاهدة عشرات القنوات التلفزيونية بل والاتصال المجاني تليفونيا داخل فرنسا. وهذا يعني في الأجل القريب مرور شركة "فرانس تيليكوم"، التي تمتلك الدولة غالبية رأسمالها، بصعوبات إن لم تقدم عرضا منافسا. وهو ما يعني أيضا أن هذه الشركة لن تقوم باستيعاب عمالة جديدة وإنما على النقيض بإخراج أعداد متزايدة كبطالة."

لم أتصور لحظة كتابة هذه الكلمات أن العواقب ستكون سريعة. ولكن نشر يوم 14 ابريل تقرير رسمي عن عواقب المنافسة اللبرالية على شركة (فرانس تيليكوم) فمع نهاية شهر مارس فقدت الشركة مليون مشترك ذهبوا إلى الشركات المنافسة ومن المتوقع أن تخسر أيضا مع نهاية العام نحو 2 مليون ونصف مليون من المشتركين بها. أي 10 % من المشتركين بها.

فماذا يعني ذلك ماليا واقتصاديا ؟ إن الشركة فقدت نحو 14 مليون يورو كاشتراكات وعدة أضعاف هذا المبلغ قيمة المكالمات الهاتفية للمليون شخص الذين فضوا اشتراكاتهم معها. و أن أسهم الشركة قد تتعرض لضربة كبيرة في سوق المال مسببة خسائر للشركة بجانب الخسائر التي سوف يتحملها حملة أسهم الشركة من المواطنين. يضاف إخراج أعداد متزايدة للبطالة. ولان إدارة الشركة أدركت أنها لن تسطع مواجهة المنافسة فسوف تؤجر للشركات المنافسة بعض من تجهيزاتها التقنية الأساسية لتستخدمها هذه الشركات. إي القضاء على الشركة الكبرى في الأجل الطويل أو بيعها للقطاع الخاص كلية !!

ولكن اليمين لن يحلل الأزمة بهذه المنهجية وإنما عبر "الشعار السبب" السهل تمريره على المواطنين متوسطي الوعي السياسي لأنه ما يمكن مشاهدته : هو المهاجر "المتهم".."المسئول أهوه" !

اليمين الديجولي المتطرف :

وما هو مأسوي أن اليمين الديجولي الذي يرفع عاليا شعار الجمهورية " الحرية والمساواة والإخاء" يسقط في فخ اليمين المتطرف وإنما بألفاظ "توراتيه" فالشعب المختار أصبحت "الهجرة المختارة" في قانون ساركوزي الجديد عن الهجرة الذي يناقشه البرلمان هذه الأيام. فهذا القانون يشكل برنامجه الانتخابي ويكاد يكون هو نفس برنامج اليمين المتطرف. ويسمي القانون "هجرة مختارة لا مفروضة".

فالقانون يحد من الهجرة لجمع شمل الأسر التي استقر عائلها بفرنسا. وكذا بالقيام بعملية فرز المهاجرين الجدد قبل إعطاء تأشيرات الدخول ليكونوا من الفئات التي يحتاجها الاقتصاد الفرنسي من أصحاب المؤهلات العليا ويجيدون الفرنسية مسبقا. بل سوف تمد فترة انتظار الحصول على الجنسية الفرنسية للمتزوجين، من فرنسيين أو فرنسيات، إلى أربع سنوات في حين هي سنتين الآن. يضاف لذلك عدم السماح للمهاجرين غير الشرعيين بالحصول على بطاقات إقامة وترحيلهم.

وفي الأيام الأخيرة، عاود ساركوزي التركيز في حديثه السياسي على ترديد ما يتبناه منذ سنوات من أطروحة اليمين المتطرف وشعاراته مثل : "أنا فخور بكوني فرنسي" و "على من لا يحبوا فرنسا ألا يجدوا حرجا بالرحيل عنها".

و يثير سلوك ساركوزي غضب "دو فيليه" الذي يقول شعاره "فرنسا.. أحبها أو أغادرها". وكذا يثير غضب جان ماري لو بن الذي اتهم ساركوزي بأنه "يصطاد في مياه حزبه "الجبهة الوطنية".

والخطورة السياسية التي يتعرض لها اليمين الديجولي ليست فقط نتيجة كل الأزمات التي مر بها في الشهور الأخيرة والفضائح الراهنة والصراع الداخلي وإنما أيضا تأتي من الخط السياسي لساركوزي. فبرنامج وزير الداخلية السياسي وقانون الهجرة يهدف لجذب أصوات أتباع اليمين المتطرف إليه. ولكنها لعبة غير مضمونة العواقب. إذ ماذا يدفعهم لترك قادتهم التاريخيين ليعطوا أصواتهم لمن يقول انه يحاربهم وفي نفس الوقت يتبنى الأفكار التي يرددونها منذ أكثر من 30 سنة؟ فالخطاب الديجولي "المتطرف" يعطي الشرعية لخطاب أحزاب اليمين المتطرف.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك