موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الاتحاد الأوربي > فرنسا المقصلة الشعبية وما بعد السقوط.. بقلم : مصطفى نورالدين

فرنسا المقصلة الشعبية وما بعد السقوط.. بقلم : مصطفى نورالدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) سيحدد التاريخ لاحقا ٢٠٠٥

الجمعة 20 أيار (مايو) 2005, بقلم مصطفى نور الدين عطية

فرنسا المقصلة الشعبية وما بعد السقوط.. بقلم : مصطفى نورالدين

دفع الرئيس جاك شيراك الثمن باهظا لخطأ طرح الدستور الأوروبي في استفتاء شعبي. وكذا نال الحزب الاشتراكي بدعوته للموافقة على الدستور صفعة ثانية بعد تلك التي تلقاها عام 2002.

ففي انتخابات الرئاسة عام 2002 تلقى الحزب الاشتراكي ضربة قاصمة عندما جاءت التصفية الانتخابية في الدورة الثانية لتقلص التنافس بين جاك شيراك كممثل للتيار الديجولي وجان ماري لوبن ممثل اليمين المتطرف. وبالتالي خروج ليونيل جوسبان من التصفية كعقاب سياسي لفترة حكم لم يقم الحزب الاشتراكي خلالها بإحداث تغيرات جوهرية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية إذ لم تتوقف مصاعب الحياة وارتفاع البطالة بجانب تحالف فرنسا مع الولايات المتحدة في حربها الأولى ضد العراق مما اضعف تقليدا فرنسيا تاريخية لمحاولة الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية في الفترة الديجولية السابقة. واعتزال ليونيل جسبان الحياة السياسية اعترافا بفشله.

وكان هذا الوضع ابعد من أن يتوقعه أي محلل وسبب صدمة هائلة دفعت كل القوى السياسية من كل التوجهات الإيديولوجية للتكتل لمنع اليمين المتطرف من الوصول إلى الرئاسة وجاء انتصار شيراك كاسحا. وتمكن اليمين الديجولي من الهيمنة على باقي السلطات في الانتخابات البلدية والإقليمية إذ استحوذ على أغلبية المقاعد في مجلس الأمة ومجلس الشيوخ وأصبحت له اليد المطلقة في تطبيق سياسة ليبرالية مرهقة للغالبية من الشعب تحت قيادة رئيس الوزراء جان بيير رافاران الذي اشتهر بعبارته: " من حق الشعب أن يخرج في الشارع للاحتجاج ولكن ليس الشارع هو الذي يحكم."

انتصار الرفض :

انتصر الرفض الشعبي بنحو نسبة 55 في المائة وعدم تتجاوز نسبة من امتنعوا عن الإدلاء بأصواتهم عن النسبة المعتادة منذ سنوات إذ لم يدلي نحو ثلث الناخبين فقط بأصواتهم. وذلك يعني أن التعبئة والاهتمام تاما .

وبرغم توقع الرفض فان حجمه لم يكن متوقعا بهذه الغالبية وهو ما عكسته الصحف الفرنسية والعالمية فلا تكاد جريدة تخفي حجم الكارثة السياسية التي راح ضحيتها كل القادة السياسيين التاريخيين من اليمين ومن الحزب الاشتراكي. فالعناوين الأساسية لم تكف عن تكرار: "لا الزلزال".. "لا الصفعة ".. "لا الصدمة ".. " لا الدموية "....

وسواء كان التحليل مع الدستور أو ضده فالإقرار بأن الشلل لا يهدد فقط السياسة الفرنسية وإنما أيضا الوحدة الأوروبية. فالبعض يلعن من قالوا لا والقسم الآخر يشكرهم على الوعي الذي تحلوا به واتخاذهم هذا القرار الرافض برغم صعوبته.

فالذين قالوا لا إما أنهم يرفضون أوروبا الموحدة كفكرة ويطالبون باستمرارية قومية مستقلة وفي بعض الأحيان " شيفونية " كما هو الأمر بالنسبة لليمين المتطرف. بينما الرافضون للدستور من اليسار وقوى أخرى تطالب بأوربا بديلة. أوربا يكون فيها الإنسان هو المركز وليس رأس المال والأرباح والليبرالية المتوحشة. أوروبا تأخذ في اعتبارها الجوانب الاجتماعية التي أهملها نص الدستور الراهن.

الشك في أوربا كفكرة من العوامل التي ساهمت في رفض الدستور :
1- الشك في أهمية الوحدة الأوربية. فالتوسع الكبير في ضم دول لا تربطها حدود جغرافية مباشرة مع فرنسا بدأ في بعث الشك في الحدود التي ترسم للجماعة الأوربية. أين تتوقف حدود أوربا ؟ ويثير اليمين المتطرف في هذا الشأن الانضمام المتوقع بعد 10 سنوات لتركيا
2- الشك في فائدة أوربا لفرنسا إذ انه طوال سنين كانت توضع كل المشاكل الداخلية على الشماعة الأوربية أي بالقول أن الصعوبات ليست وليدة السياسات الداخلية للحكومة ولكن نتيجة الالتزام بالتعهدات الأوربية المشتركة والتي يتم تحديدها في مركز اتخاذ القرار في " بروكسيل " فبروكسيل هي التي تحدد حصص صيد الأسماك على سبيل المثال وكذا مقدار الإنتاج من هذا المحصول أو ذاك...
3- الشك في تقديم حل للبطالة إذ أن دول الاتحاد الأوربي من أكثر المناطق التي تعاني من البطالة وبالتالي فهي لا تمثل حلا سحريا لمشكلة البطالة لفرنسا حيث يعاني منها عشر السكان في سن العمل وهي نسبة لا تكف عن التزايد.
4- الرفض للدور المهيمن للبنك المركزي الأوروبي الذي تتسم سياسته بإعاقة التنمية في المجتمعات الأوروبية.

ويضاف لهذه العوامل مشاكل أخرى داخلية :
1- التردي في مستوى التعليم بتخفيض عدد المعلمين وتكدس الطلاب في الفصول وانحطاط مستوى المباني من مدارس وجامعات.
2- أزمة الطب والصحة العامة حيث لا يتوفر العدد الكافي من الأطباء لمواجهة توفير حماية طبية مناسبة ترد على حاجات مجتمع تتزايد فيه شريحة كبار السن والذين دفع 15 ألف منهم حياته في خلال أيام من موجهة القيظ في أغسطس 2003 وسبب أزمة هائلة في فرنسا.
3- تراجع حماية السكان على المعاش.
4- تزايد عدد البؤساء الذين يعيشون بالكاد بمساعدات لا تكفي لا لسكن ولا لطعام وذلك في مجتمع استهلاكي التخمة فيه تجاور البؤس والسيارات الفاخرة تمر بجانب مفترشي الأرصفة.

كل هذه العوامل تجمعت لتكون عوامل رفض مضافة لنص الدستور الأوربي.. وبرغم محاولة النخبة من السياسيين ورجال الصحافة والإعلام مطالبة الشعب لينظر فقط إلى نص الدستور الأوربي وليس للسياسة الحكومية حينما يذهب للإدلاء بصوته فإن الشعب لم يفرق بين نص الدستور وسياسة اليمين الحاكم. واضطر رئيس الجمهورية للرد على هذا الموقف بقبول استقالة رئيس الوزراء الذي لا يتمتع بأي شعبية منذ توليه الحكومة لسياساته التي لم تتوقف عن تقديم ما اسماه إصلاحات ولم تكن في كل الأحوال إلا تقليص لمكتسبات أو حرمان من حقوق.

وربما نعتبر السبب الجوهري في الرفض راجع إلى الطابع الإلزامي لنص الدستور. فالدستور عقد بين السلطة والشعب فكيف يطالب شعب بالموافقة على عقد لا يعبر عن مصالحه أو يصونها ؟

إن النجاح الشعبي الساحق يرجع لليسار من الحزب الشيوعي والتروتيسك والتيارات الرافضة للعولمة الليبرالية ولكن يضاف لهم أيضا أحزاب اليمين المتطرف بجانب الانشقاقات بداخل أحزاب " الاشتراكي " و " الخضر " و " اليمين الحاكم ".

ولأن موقف كل تيار يتمايز عن الآخر وأحيانا يحدث تلاقي حول نفس سبب الرفض تختلط الأوراق.. فاليمين في رفضه يدافع عن الدولة القومية في مواجهة هيمنة المؤسسات الأوربية ويهاجم سياسة الهجرة التي ستفتحها فكرة حرية حركة القوة العاملة لأنها ستنافس القوة العاملة المحلية. بينما التيارات الأخرى تطالب ببديل اجتماعي عادل وديمقراطي.

الخاسرون :

والقيمة الأساسية لهذا الرفض تتمثل في قول الشعب كلمته بشكل واضح من القيادات السياسية اليمنية الحاكمة وكذا من قيادات الحزب الاشتراكي. إذ نادي الحزب الاشتراكي بالموافقة على الدستور متخذا نفس الموقف كالأحزاب اليمنية وانتحر سياسيا باختفاء هويته في هوية اليمين الذي كان من المفترض أن يكون خصمه.

بل إن الأكثر أهمية هو ما حدث من انقسامات في داخل الحزب الاشتراكي. فبرغم التصويت الداخلي لأعضاء الحزب على ضرورة الموافقة على الدستور الأوربي ظل انشقاق داخلي ضد الدستور قادته شخصيات قيادية هامة مثل : لوران فابيوس رئيس الوزراء الاشتراكي سابقا. ولقد نجح هذا التيار في تعبئة أغلبية أعضاء الحزب الاشتراكي لرفض الدستور.. وبالتالي خلق أزمة داخلية بإضعاف رئيس الحزب " فرانسو هولاند " و فقد معظم القادة التاريخيين للحزب الاشتراكي الذين تحالفوا معه لهيبتهم السياسية. فلم يستطع " ليونيل جسبان " رئيس الوزراء السابق تعبئة أعضاء الحزب للموافقة على الدستور. فلم تفلح عودته إلى الساحة السياسية إلى إعطائه دورا سياسيا مرة أخرى بعد اعتزاله العمل السياسي اثر هزيمته عام 2002. وكذا لم تفلح الجهود المكثفة التي خاضها لذات الغرض "جاك لانج" وزير الثقافة الاشتراكي السابق وصاحب فكرة "عيد الموسيقى"

بشكل اشمل أن الذين سقطوا سياسيا في هذه المعركة هم كل كبار رجال السياسة في اليمين الحاكم وكذا في الزعماء التاريخيين للحزب الاشتراكي الذين مارسوا الحكم سابقا وأولئك الذين يطمعون في العودة للسلطة مرة أخرى.

ما الجديد ؟ :

وبناء على النتيجة التي أسفر عنها الاستفتاء تتم إعادة رسم وتشكيل الخريطة السياسية لفرنسا. فالعودة للحزب الشيوعي ولليسار البديل أصبحت أكيدة وما يلزم لتحققها متوقف على عبقرية وتكتيك واستراتيجية الذين أعطاهم الشعب الفرنسي ورقة رابحة. فلو استطاع هذا التيار الجديد أن يبلور برنامجا صلبا وسياسة تعبر عن مصالح الشعب فلا ينقصها الأشخاص الممكن أن يتقدموا لانتخابات الرئاسة المقبلة.

وتبلور جمعية " اتاك " التي ساهمت بشكل هام في انتصار الرفض في بيان أصدرته عقب إعلان النتيجة نقاط رفض ومطالب الذي الذين يناضلون من اجل عالم بديل للذي تحاول الليبرالية فرضه. فالموقف لا يتمثل في رفض أوربا ولكن المطالبة بأوربا متحررة من الليبرالية الجديدة، مستقلة وأممية، ديمقراطية، اجتماعية، تحافظ على البيئة، تحمي المرأة، متعاضدة مع باقي دول العالم وفي المحل الأول متعاضدة مع مجتمعات الجنوب، أوربا تحمي أجيالها القادمة.

أوربا أم لا أوروبا ؟ :

عبر كل رجال السياسة من الأوروبيين عن حجم المأساة التي تسبب فيها الرفض الفرنسي وبدأت هواجس الشك تحوم حول تحقق " الحلم الأوروبي ". إذ يأتي الرفض الفرنسي بعد موافقة 9 دول أوروبية من بين 25 دولة على الدستور الأوربي. يأتي هذا الرفض كأول رفض وسوف يتبعه في الغالب دول أخرى لتصل الأزمة الأوروبية إلى قمتها حيث لا ينص الدستور على المخرج الممكن إلا بعبارة غامضة " الاجتماع لمناقشة المسألة " إذا رفضت 6 دول. ولكن مناقشة ماذا ؟ وللوصول إلى أي حل ؟ هل ستعاد صياغة الدستور ؟ أسئلة لا يقدم أي مسئول أوروبي الحل السحري الممكن لها. والكلمة الأخيرة ستكون مع نهاية 2006 حينما تقول كل الدول كلمتها النهائية. فرفض 6 دول يعني أن الدستور تم رفضه نهائيا وهو ما يلوح كاحتمال بل أكثر من احتمال.

فصعوبة المخرج تتمثل في أن طرفا من اليمين واليمين المتطرف يرفض الوحدة الأوربية أساسا بينما لا تعترض باقي القوى السياسية على فكرة الوحدة الأوربية وإنما تعترض على محتوى الدستور الليبرالي وغياب الجانب الاجتماعي فيه. فبين من يرفضون أوروبا ومن يريدون الذهاب إلى ما هو ابعد من النص الراهن يستحيل الحوار.

فهل ستعاد صياغة دستور جديد وهو ما يلوح شديد الصعوبة أم يعاد طرح الاستفتاء مرة أخرى بعد توسيع حملات تفسير وإقناع الجماهير ولكن هذا الحل مستبعد تماما نظرا لارتفاع نسبة الرافضين ويعد حينئذ سخرية من الإرادة الجماهيرية.

والغريب في السياسة ليس بغريب فبعد الهزيمة قال شيراك بأنه سمع رسالة الشعب وسوف تحدث إصلاحات داخلية. ويأتي اختيار وزير الداخلية دومنيك دي فيلبان صديق الرئيس شيراك الوفي والذي نصحه عام 1997 بحل البرلمان وكانت غلطة شيراك الأولى. جاء ليتولى الحكومة بعد غلطة شيراك الثانية فهل سيجد مخرجا من أزمة الحكم ويضمن إعادة انتخاب رجل من اليمين الديجولي عام 2007 في رئاسة الجمهورية أم سيكون فقط الخطيب اللبق الذي اشتهر بخطابه ضد الحرب على العراق في مجلس الأمن في فبراير 2003عندما شغل منصب وزير الخارجية.. ؟

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك