الصفحة الرئيسية > انتخابات الرئاسة الفرنسية 2007 > فرنسا الفلاح الفصيح من "العصيان المدني" إلى الرئاسة ؟... بقلم : مصطفى نور (...)

فرنسا الفلاح الفصيح من "العصيان المدني" إلى الرئاسة ؟... بقلم : مصطفى نور الدين

بشر بجريدة التجمع - القاهرة - ٢٤ يونيو ٢٠٠٦

الاثنين 24 تموز (يوليو) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

فرنسا الفلاح الفصيح من "العصيان المدني" إلى الرئاسة ؟... بقلم : مصطفى نور الدين

بشر بجريدة التجمع - القاهرة - ٢٤ يونيو ٢٠٠٦

يواصل "جوزيه بوفيه" عصيانه المدني وهذه المرة بضربة فأس في أرض اليسار إذ أعلن استعداده لقبول مسئولية رئاسة الجمهورية بالترشيح لانتخابات 2007 إذا وافقت أحزاب "يسار اليسار" : أي الحزب الشيوعي والتروتسك (حزب الصراع العمالي والحزب الشيوعي الثوري) والخضر وكل من قالوا "لا" في الاستفتاء على الدستور الأوربي في مايو 2005.

و"بوفيه" هو المتحدث الرسمي باسم "الدولية الفلاحية : الانترناسوينال بيزان: "Via Campesina. وهي منظمة مستقلة تدافع عن متوسطي وصغار الفلاحين على الصعيد العالمي ومقرها الراهن باندونسيا. وتاريخ نضاله طويل في كل القضايا الإنسانية في فرنسا وفي العالم. فهو الرئيس السابق لكونفيدرالية الفلاحين بفرنسا. وشاربه علامة مميزة في وجهه الباسم وهو يقتلع، بصحبة 400 مناضل من المدافعين عن البيئة، مزارع الذرة والأرز"المعدل وراثيا" من الحقول للدفاع عن صحة المواطنين. إذ أن الأبحاث العلمية لم تثبت بعد عدم ضرره على صحة البشر على المدى الطويل ولذا يلزم عدم الخضوع لا لقانون الإنتاجية المرتفعة ولا الربح على حساب الأجيال القادمة..

ونفس البسمة تصاحبه خلف قضبان السجن. إذ حكم عليه، منذ عام 2000، بالسجن مع التنفيذ في العديد من القضايا النضالية وتراوحت الأحكام ما بين 3 و10 شهور (عام 2003) وهو ما لم يحدث من قبل في تاريخ فرنسا، منذ "حكومة فيشي" المتعاونة مع الاحتلال النازي، حيال قائد نقابي. والسجن سببه اقتلاع المحاصيل أو تحطيم أحد مطاعم "ماجدونالد" لمعارضته "للطعام السيئ" في الوجبات السريعة المضرة للصحة. وكذا للاحتجاج على قرار (المنظمة العالمية للتجارة)، تحت الضغط الأمريكي، بزيادة الضرائب على بعض المنتجات الزراعية الأوربية المصدرة للولايات المتحدة بسبب اعتراض أوروبا على استيراد اللحوم الأمريكية التي استخدمت الهرمونات في تغذية ماشيتها.

و"بوفيه" من المؤسسين لحركة "اتاك" (في 1998) المعارضة للعولمة والليبرالية الجديدة. ومن أتباع "الحركة الفرنسية للسلام ومناهضة العنف" وناضل ضد حرب فيتنام ورفض الالتحاق بالجيش. وشارك عام 1974 مع 50 ألف مواطن في حملة "محصول زراعي من اجل العالم الثالث". ويشارك بنشاط في "المنتدى الاجتماعي العالمي" الذي يجمع الحركة العالمية لنظام اقتصادي بديل.

وكان "بوفيه" من قادة معارضة الدستور الأوربي مع باقي الأحزاب اليسارية والانشقاق في الحزب الاشتراكي بقيادة "لوران فابيوس" و"دانيل ميتران (زوجة الرئيس السابق)". وانشقاق من الخضر وحزب "حركة الجمهورية والمواطن".

ويعود نضال "بوفيه" إلى السبعينات في معارك ضارية ضد الجيش من قبل الفلاحين في منطقة "لارزاك" في جنوب فرنسا. إذ قررت الحكومة حينذاك الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية لإنشاء قاعدة عسكرية. وثارت جحافل الفلاحين في مظاهرات واختراق للمعسكر بالجرارات وعرائض توقيعات ونجحت الحركة مع وصول التحالف اليساري مع الحزب الاشتراكي عام 1981 إلى إرجاع الأرض إلى الفلاحين فكان أول انتصار لحركة الفلاحين ضد الدولة.

وأسس "بوفيه" عام 1981 نقابة الفلاحين المنتجين ثم بعدها بسبع سنوات وحدة النقابات الزراعية التي كان أحد من خمسة شغلوا منصب السكرتير العام لها. ودفاع "بوفيه" في نضاله النقابي لصالح المزارعين والمستهلكين على السواء ضد الاحتكارات الزراعية والصناعات الغذائية الكبرى. فهو يناصر المزارعين الصغار لتسويق محاصيلهم وإنتاج الصناعات التحويلية مباشرة من "زبادي وجبن ولحوم.

يضاف إلى ذلك نضاله مع "جرين بيس" ضد التجارب النووية الفرنسية وخاصة بالقرب من المياه الإقليمية للمستعمرات الفرنسية السابقة والتي مازالت تعتبر للان جزء من الجمهورية الفرنسية في أعالي البحار.

وبإعلان "بوفيه" عن نيته للتقدم للترشيح يحدد ضد من يخوض حملته. وبناء على ما يشغله نضاليا يمكن تصور البرنامج الانتخابي له. فهي بطبيعتها ضد الرأسمالية كما يمثلها اليمين الحاكم وضد الجناح اليميني في الحزب الاشتراكي والذي تمثله ليبرالية "سوجلين رويال" وبرنامج الحزب الانتخابي. فهذا الجناح هو الذي توحد خطه مع اليمين بالدعوة للموافقة على الدستور الأوروبي.

وهذا التيار هو الذي ينتقد قانون تخفيض ساعات العمل الأسبوعية من 39 إلى 35. في حين أن "بوفيه" كان يطالب بالتخفيض إلى 32 ساعة عمل أسبوعيا ليجبر أصحاب العمل إلى زيادة التوظيف. بجانب أن ارتفاع الإنتاجية المتزايد وكذا معدلات الربح يبرران ذلك.

ومن هذا المنطلق يحدد "بوفيه" التحالف الممكن قيادته مع كل من رفضوا الدستور الأوربي. أي الناخبون من أحزاب "يسار اليسار" بالإضافة لكل الذين عصوا قيادة الحزب الاشتراكي وخالفوا توجيهاته برفضهم للدستور.

الاختيار الصعب
وعلى ضوء تاريخ الحركة السياسية في فرنسا وما أسفرت عنه نتائج انتخابات الرئاسة عام 2002 يتميز الوضع بحساسية بالغة. بل من الأكيد أن هناك لعبة خطيرة تجري بحيث تلوح اللحظة الراهنة كعنق زجاجة لكل الأحزاب أيا كانت توجهاتها السياسية. ويعتبر "بوفيه" أنه الأكثر قدرة على جمع شمل الكل اليساري أكثر من القادة التاريخيين للأحزاب.

فهناك احتمالات للوحدة أو عدمها ابتدءا من احد التصورات في قلب أحزاب المعارضة له بعد ذاتي للقادة الأحزاب من ناحية وللأحزاب كتوجهات سياسية في محك التاريخ :

أولا: أن الأحزاب التي حققت عام 2002 قفزة تعتبر تاريخية قد تعاود الدخول بمرشحين عن أحزابها في الانتخابات المقبلة لتحقق المزيد من التقدم. أو أن تعتبر مكانتها الراهنة جيدة وتكتفي بهذا وتدعو للوحدة لإزاحة اليمين الحاكم. (الأحزاب اليسارية الجذرية والخضر)

ثانيا: أن تحاول الأحزاب التي تعرضت لانحدار تاريخي لمعاودة المحاولة لتصحيح مركزها في الحياة السياسية. (الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي)

ثالثا: أن تعتبر الأحزاب التي منيت بالضعف والأحزاب التي حققت قفزة أن الأولوية هي لإزاحة اليمين وتقبل بدورها بالجبهة. (أي الأحزاب اليسارية بكل مشاربها مع الحزب الاشتراكي)

وحتى هذه اللحظة يعتبر الاحتمال الثالث مستبعدا من كل الأطراف باستثناء مفاوضات أولية بين الحزب الاشتراكي وجناح من حزب "الخضر" ويرفض "الحزب الشيوعي الثوري" أي حوار أو تحالف مع الحزب الاشتراكي. بينما يرى الحزب الشيوعي انه لا اختيار في الجولة الثانية من الانتخابات إلا بالتعبئة الكاملة لكل الأحزاب اليسارية ضد اليمين. ولكنه يرفض المشاركة في أي حكومة مع الاشتراكين نتيجة التجربة الفاشلة السابقة وكذا بسبب البرنامج الانتخابي "الاشتراكي الليبرالي" الذي اقره الحزب الاشتراكي في الأيام الماضية. وجدير بالإشارة إلى أن "جاك لانج"، وزير الثقافة الاشتراكي السابق وصاحب فكرة عيد الموسيقى، أعلن رسميا نيته للترشيح عن الحزب الاشتراكي.

والدعوة القائمة في صفوف المعارضة من "يسار اليسار" والمئات من الجمعيات المدنية هي التقدم بمرشح واحد لليسار من الدورة الأولى للانتخابات.. ولكن من ؟ إذ في الواقع يشكل اقتراح "بوفيه" بتحمل المسؤولية ليصبح رئيسا للجمهورية "حجرا عكر الأجواء وأثار الأمواج في بركة سياسة المعارضة" ورفض حزب "الخضر" اقتراح "بوفيه" واعلن الحزب الشيوعي عن شكه في صلاحية "بوفيه" كمرشح لتجميع اليسار. وهاجمه قادة الحزب الاشتراكي لما يشكل ترشيحه زيادة تفتت اليسار. وصرح احد المقربين من "لوران فابيوس"، رئيس الوزراء الاشتراكي السابق واحد المرشحين الاحتماليين، أن ذلك سيشكل خطورة أكثر على الحزب الاشتراكي ولتحاشي ذلك يجب أن يكون برنامجه أكثر يسارية ولا يتوجه للعاملين فقط وإنما يركز أيضا على "البؤساء" !

بوفيه عند عرفات


و"بوفيه" أخيرا من المناصرين للقضية الفلسطينية والتقى مع ياسر عرفات في أخر مارس 2002 في رام الله مرتين مع 15 من المناضلين الداعين للسلام والمطالبين بنظام عالمي بديل للذي يفرضه النظام الرأسمالي المهيمن وظل العديد منهم بصحبة عرفات ليحولوا دون ضرب إسرائيل لمركز القيادة الفلسطينية. وكانت الزيارة بدعوة من الفلاحين الفلسطينيين لمنظمة "فيا كامبازينا" للاحتفال "بيوم الأرض". وطردته إسرائيل ورفاقه عقب هذه الزيارة ! وهاجم "بوفيه" إسرائيل بعد عودته لفرنسا واصفا ما يحدث مع الفلسطينيين بأنها "حرب إبادة عرقية". فلقد سجنته إسرائيل، قبل طرده، مع رفاقه في معسكر به نحو 300 فلسطيني قبض عليهم قبلها بساعات. ووصف "بوفيه" المهانة التي يتعرض لها الشعب في رام الله وغزة وغيراهما من المدن والبؤس الذي يعيشون فيه. وطالب بتدخل المجتمع الدولي لإرسال قوة دولية لحماية الشعب الفلسطيني. وأصدر "بوفيه" كتابا بعنوان "العودة من فلسطين" عرض فيها ما شاهده بالتفصيل.

وتعرض "بوفيه" لحملة هجوم شرسة من الصهاينة الفرنسيين منذ لحظة هبوط الطائرة التي أقلته. وتلك ستكون واحدة من النقاط التي ستعاود ظهورها ضده إذا وافقت أحزاب "يسار اليسار" على أن يمثلها. وخاصة أن التيار الصهيوني في فرنسا يعتبر معاديا للسامية والصهيونية كل المناضلين من "يسار اليسار" والمطالبين بعالم بديل لليبرالية الجديد. إذن فسوف تفتح النار عليه من كل صوب، فهل يفلح ؟

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك