الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > فرنسا الضباب !... بقلم : مصطفى نور الدين

فرنسا الضباب !... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) سيحدد التاريخ لاحقا 2006

السبت 3 حزيران (يونيو) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

فرنسا الضباب !... بقلم : مصطفى نور الدين

لا الساسة ولا القضاء ولا الإعلام توصل بعد لفك شفرة الفضيحة الفرنسية الراهنة المسماة بفضيحة "كلير ستريم". وهي فضيحة فساد تتعلق باحتمال تلقي الكثير من كبار رجال السياسة والأعمال لعمولات عن بيع زوارق عسكرية لدولة تايوان.

فكل يوم تنشر الصحف أسرارا تسربت من أجهزة المخابرات أو محتوى مذكرات خاصة لشخصيات رئيسية في القضية أو مقتطفات تسربت من محاضر التحقيق مع البعض. وأدلى معظم المشكوك فيهم بأحاديث صحفية إما لتبرئة أنفسهم أو لاتهام الغير.
وكل الداخلين في القضية هم من قمة الدولة العلنية ورجال الظل من المخابرات وشركات عملاقة لتصنيع الأسلحة.

السؤال الجوهري الذي يبحث عنه الجميع هو من الذي يقف وراء تلك المؤامرة وما الغاية السياسية منها؟ لأنها بالفعل مؤامرة سياسية قصد بها شخصيات سياسية من المفترض أن تلعب دورا سياسيا في الفترة المقبلة كمرشحين لانتخابات رئاسة الجمهورية بعد شهور قليلة.

فمن اليمين يعتبر نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية، المستهدف الأساسي فهو الطامح في كرسي الرئاسة عام 2007. وبرغم ذلك فهناك شخصية هامة أخرى هي الان مدلان،وزير سابق.

ومن الحزب الاشتراكي العديد ممن يطمحون لكرسي الرئاسة استهدفهم التشويه ومنهم "لوران فابيوس"، رئيس الوزراء الاشتراكي السابق، و "دومينيك ستروس كان"، وزير الاقتصاد والمالية والصناعة سابقا.

وكذا "جان بيير شيفينمو" وزير الدفاع الاشتراكي قبل انفصاله عن الحزب واستقالته اعتراضا على مشاركة فرنسا للولايات المتحدة في الحرب الأولى ضد العراق. وشكل "شيفينمو" حزب "حركة الجمهورية والمواطن" عام 1993. ولديه نية الترشيح إذا لم تجمع كل قوى اليسار بالتحالف مع الحزب الاشتراكي بالتقدم بمرشح واحد من الدورة الانتخابية الأولى.
وكل هؤلاء استمع إليهم قاضي التحقيق كمتظلمين من محاولة المساس بسمعتهم السياسية.

انكشاف الغراب

وفي الطرف الأخر من القضية استمع القاضي أيضا لأقوال لرئيس الوزراء، دو فيلبان. بجانب سماع أقوال كبار رجال المخابرات. ورفض الجنرال "روندو"، جيمس بوند المخابرات السرية، المثول أمام قاضي التحقيق طوعا ولكنه اجبر بالقوة على الذهاب مسوقا برجال البوليس غير انه رفض الإجابة على الأسئلة إلا في حضور محاميه. وهو مطلب يحول وضعه القانوني من "متهم احتمالي" إلى شاهد ويعطيه الحق في الإطلاع على تفاصيل ملفات القضية قبل تقديم شهادته ولم يمنحه القضاء بعد هذا الحق في هذه الفترة من الإستجواب.

ويستنتج المحللون أن ذلك يعني أن "روندو" يحاول التغطية على رئيس الوزراء وحمايته إذ أنه هو الذي كلفه بفتح الملف الذي فجر الفضيحة بالتقصي عن الشخصيات التي لها حسابات بنكية ممنوعة قانونيا في "لوكسومبورج".

وفي اللحظة الراهنة تشير الأصابع إلى الشخصيات الرئيسية التي لعبت دورا غامضا ويشك في نواياها واحتمال تآمرها. من بينهم الخبير في الانفورماتيك "عماد لحود" المتخصص في الكشف عن الحسابات المصرفية السرية للجماعات "الإرهابية" في الغرب. و قد اتهم "لحود" سابقا بأنه "الغراب"، أي الشخص الخفي، الذي أرسل إلى أحد القضاة قوائم بأسماء نحو 800 شخصية لها حساب في الخارج. إلا أن "الغراب" قد كشف عن نفسه أخيرا وهو رئيس "لحود" ويدعى "جان لويس جونجران" رئيس الشركة الأوربية للدفاع الجوي والفضائيات الشهيرة.

ولزيادة تعقيد القضية فان القاضي الذي تلقى قائمة الأسماء متهم، هو نفسه الآن، بالتستر على "الغراب" الذي التقى به سرا قبل تلقي القائمة بعدة أيام !! ولذا يقول "جونجران" بأنه ليس بغراب لان القاضي يعرفه. وكل هؤلاء جمدت وظائفهم أو فصلوا منها ويمثلون للتحقيق.

ومعظم الصحف تحمل رئيس الوزراء مسؤولية الفضيحة برغم انه تم التلاعب به. إذ أن ما يلوح حتى الآن انه طلب بفتح التحقيق في مسألة الحسابات الأجنبية للفرنسيين واكتشاف شبكة مافيا روسية تحاول اختراق أسرار الدولة تحت تأثير صديقه الشخصي جنرال "روندو" و "جونجران".

الإعلام في مواجهة الدولة

وما يستحق الإشارة إليه في هذه القضية هو الدور الجوهري الذي تلعبه الصحافة في نشر المعلومات السرية التي وصلتها من قنوات متعددة. وقد بلغت المسألة لدرجة أقلقت السلطة السياسية التي أصدرت الأوامر بالبحث عن مصادر تسرب المعلومات السرية. وهذا يعني إمكانية مطالبة الصحف، من قبل القضاء، بالكشف عن مصادر معلوماتهم وهو ما ترفضه وسائل الإعلام لحماية المصادر من الملاحقة القانونية بل والاغتيال. وبدأت الصحف تندد وتحذر السلطة التنفيذية من مخاطر تدخل البوليس في مكاتب الصحف التي أفشت الأسرار للبحث عن مصادر المعلومات مثلما ما فعل مع كل المشكوك فيهم من الشخصيات المذكورة.

فالصحافة كسلطة إعلامية تعتبر أنها لسان حال الجماهير التي من حقها معرفة الحقيقة التي يحاول رجال السياسة إخفائها. ولكن تجدر الإشارة إلى أن هناك توجه ملموس لتحميل رئيس الوزراء مسؤولية الفضيحة ومطالبته بالاستقالة وهو ما يرفضه. وهذا التوجه من الإعلام يعبر عن تحيز ليس بخفي لوزير الداخلية، ساركوزي، ومهاجمة معلنة للتيار اليميني الذي يمثله رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. ويعود ذلك لأسباب كثيرة منها الأزمات المتتالية التي تعرض لها النظام وتخبطه السياسي.

ومن السابق لأوانه تصور إمكانية وئد الفضيحة كما حدث في فضائح أخرى. ولكنه يظل كاحتمال يلعب فيه التوازن السياسية دورا حاسما وكذلك يدخل فيه البند الشهير بحفظ القضية لحماية مصالح الدولة العليا و"أسرار الدفاع". وربما يغلق الملف بسبب الموت "اللغز" لبعض الشخصيات الأساسية في صورة انتحار أو إنحار.

وفي التاريخ غير البعيد أمثلة ما زالت غامضة وقفلت ملفاتها ووضعت في الأرشيف إلى أن تفجرها يوما ما معلومات تكشفها مصادر ما من اجل الأضرار بطرف ما.

ومن بين هذه الفضائح السياسية تلك التي تفجرت إبان حكم فرانسو ميتران. ففي هذه الفترة كثرت الفضائح المالية خاصة المتعلقة بأحد أبناء ميتران والذي مازال له قضية فساد كبيرة. وكذلك الكثير من الفضائح السياسية إذ مازال غامضا عن الشعب أربع حالات موت عنيف لمسئولين كبار قيل أن موتهم كان انتحارا. ولكن الشك يحوم حول أوامر عليا باغتيالهم خاصة وإنهم كانوا في مواقع حساسة ولديهم من الأسرار ما يهدد الدولة. من بينهم مستشار خاص بالرئيس دبر بأوامر منه وضع الكثير من الصحفيين المعارضين تحت المراقبة التليفونية ووجد مشنوقا في شقته عام 1994 وفي العام نفسه وجد مستشار سابق للرئيس ميتا بطلقة في الرأس في مكتبه في قصر الرئاسة. بالإضافة إلى ما قيل انه انتحار آخر عام 1982 لمدير التأمين الاجتماعي برصاصتين في الرأس !! واخطر الحالات كانت وفاة رئيس الوزراء الفرنسي "بيير بيريجوفوا" برصاصة بالرأس بجانب احدي القنوات في مايو 93.

وأخيرا فان العفن السياسي الراهن لو أسفر التحقيق فيه عن تورط اليمين الديجولي فإن المستفيد الأساسي منه سيكون اليمين المتطرف الذي يلعب دور الواعظ التقي برغم أن فضائحه ليست اقل. فقد حكم على "جان ماري لو بن" في المحاكم الفرنسية منذ عام 1960 بغرامات فادحة والسجن مع إيقاف التنفيذ في نحو عشرين قضية تتراوح بين الاعتداء الجسدي على آخرين ولمواقفه العنصرية والمعادية للسامية والدفاع عن النازية.

والنكتة التي تجوب فرنسا الآن هي: أن الأمل معقود في أن تأتي المباريات العالمية لكرة القدم في ألمانيا، بعد أيام، بانتصار الفريق الفرنسي لتحدث معجزة الوفاق الوطني ونسيان الفضيحة أو على الأقل أن يخف فواحان رائحة العفن السياسي الراهن !

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك