الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > في المسألة النووية العربية : هل يدخل العرب في حلقة تبعية جديدة ؟ د. مصطفى نور (...)

في المسألة النووية العربية : هل يدخل العرب في حلقة تبعية جديدة ؟ د. مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي بالقاهرة يوم 16 يناير 2008

الأربعاء 16 كانون الثاني (يناير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

في المسألة النووية العربية : هل يدخل العرب في حلقة تبعية جديدة ؟ د. مصطفى نور الدين

من السذاجة التهليل في كل مرة يوقع فيها بلد عربي على تعاقد مع الغرب للسماح له بتشيد مفاعلات نووية سلمية. فالأمر بحاجة لطرح عشرات الأسئلة كلها حرجة. وكشفت جريدة "ليزيكو" الاقتصادية الفرنسية، في 13 يناير، عن أن الشركات الفرنسية ( توتال واريفا وسويس) سوف تتعاقد على إنشاء وتشغيل مفاعلين نوويين من "الجيل الثالث" في أبوظبى إبان زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لدول الخليج. وبذلك تصبح الإمارات الزبون الجديد لفرنسا في هذا المجال النووي بعد الجزائر وليبيا.

ومن ضمن الأسئلة لماذا يوافق الغرب الآن على المسألة ويلين موقفه؟ وما الثمن الذي يطلبه في المقابل؟ وهل بالبلدان العربية الكوادر الفنية القادرة على تحمل عبء هذه التكنولوجيات التي يتم استيرادها جاهزة والتعامل معها كما لو كانت لعبة بزنبلك ؟ وهل يقدم الغرب الضمانات الأمنية والفنية للتشييد والصيانة دون التلاعب بالدول العربية وقهرها سياسيا بإتباع استراتيجيته ؟ وهل درست البلدان العربية إمكانيات التقنيات الأخرى لإنتاج الطاقة البديلة من الطاقة الشمسية واستخدام ظاهرتي المد والجزر واستخدام طواحين الريح .. ؟

إن التداخل بين رأس المال العربي والدولي هو تعبير عن توافق طويل الأمد. فالاستثمارات الخليجية في الغرب هائلة، ولا يمكن التعرض لها هنا بإيجاز، ولكن نعرف كيف يتصرف الغرب إذا ما غضب على دولة لا تتبع استراتيجيته. وشهد التاريخ المعاصر ومازال يبين مخاطر تواجد رأس مال الشرق الأوسط في الغرب. فالأمثلة كثيرة على قدرة الغرب على تجميد الأرصدة في بنوكه وعدم الوفاء بالتزامات بصيانة المعدات والتكنولوجيات التي صدرها لهذه المجتمعات. والأمثلة ليست بعيدة عن الذاكرة فهي متجسدة في إيران وسوريا وليبيا والسودان والعراق وفلسطين المحتلة..
ففي كل مرة قدر الغرب أن درجة الخلاف مع استراتيجيته تجاوز حدا معينا تحول الصديق لعدو واستخدم هذا السلاح وفرضه على الدول العربية التي مارسته ضد أشقائها تحت دعوى تطبيق قرارات "مجلس الأمن الغربي".

والغرب ليس من السذاجة ليمنح تكنولوجيا دون مقابلها السياسي المسبق. فهي بطبيعة الأمر إدماج للبلدان العربية في واحدة من أكثر حلقات العولمة تعقيدا ولا يمكن السعادة والفخر بامتلاك المفاعلات النووية حبا في اسمها ولتصبح المجتمعات العربية أخيرا متقدمة !!

فستكون خطيئة فصل التكنولوجيات عن السياسة .. عن الدبلوماسية. فهي سلاح مثلها مثل سلاح الغذاء الذي استخدم ويستخدم لإخضاع الدول التي تعتبرها الغرب مارقة ومازال استخدم بالأمس ضد العراق ويستخدم اليوم ضد الفلسطينيين وغدا لم عصى. وهي سلاح يمنح كجزرة للجر وراء سياسات قد لا تكون في صالح بلدان المنطقة.

وربما السؤال الذي يطرح نفسه كبداية هو : هل علمت وأهلت المجتمعات العربية أجيالا من الكوادر ودربت الطاقات اللازمة من الفنيين الذين بمقدرتهم السيطرة الكاملة على تشغيل المفاعلات النووية حتى ولو كانت سلمية أم أنها ستترك هذه المهام بيد عمالة من الهند وباكستان والصين وروسيا بجانب الدول الغربية؟ هذا سؤال جوهري وإهماله يعني السقوط في تبعية من نوع جديد وإمساك البلدان العربية من رقبتها. إذ لن تكون تبعية فقط للتكنولوجيات ولكن أيضا للمعرفة والممارسة. أي تبعية لا فكاك منها. ففي الزراعة من الممكن إحلال محصول محل القطن إذا تدهورت أسواقه أما الاعتماد على النووي فالأمر يختلف.

ولإدراك أحد مظاهر البعد السياسي في التفكير الغربي يكفي تأمل هذا السؤال وتلك الإجابة. عندما سأل صحفي ساركوزي : هل هناك ضمانة بقدرة العرب على استخدام الطاقة النووية السلمية والدفاع عنها في حالة اعتداء خارجي عليهم ؟ أجاب الرئيس : "الهدف الهام هو ألا تقوم حرب بين الغرب والشرق. وإذا قلت للعرب والمسلمين بأنه ليس لكم الحق في امتلاك الطاقة النووية حينئذ تقدم هدية كبيرة لإيران وتلك هي القضية الأساسية" !!

هذه الإجابة لا تخفي أن الخط السياسي هو ذاته الذي تقوده الولايات المتحدة ويلحق به كدليل أن التراجع الذي حدث بإيقاف فرنسا المفاوضات مع سوريا بشأن الملف اللبناني والذي أعلنه ساركوزي في القاهرة يوم 30 ديسمبر وعنى أن فرنسا "تسير قدما بقدم مع الولايات المتحدة" كما ذكرنا في مقال سابق (نشر بجريدة الأهالي يوم 9 يناير). وتأكد هذا الحدس بما كشفت عنه جريدة لوموند يوم 12 يناير تحت عنوان "لبنان : "خفايا المحاولات العقيمة للإليزية لإعادة الحوار مع دمشق" وتقول المحللة نتالي نوجايرد "إن الإدارة الأمريكية اعتبرت أن فرنسا ذهبت أبعد مما يجب في اتصالاتها بسوريا... وأن واشنطن أصبحت عصبية (تنرفزت) من إرسال باريس للمبعوث كلود جويان، يوم 4 نوفمبر 2007،لمقابلة الأسد وكذا من المحادثة الهاتفية المباشرة التي قام بها ساركوزي للأسد... وأنه في لقاء خاص بالمسألة اللبنانية عقد في باريس مع الأمريكان في منتصف ديسمبر تفجر غضب الإدارة الأمريكية وطالبت رايس ومستشار الأمن القومي الأمريكي ستيفان هادلي، أن توقف باريس اتصالاتها مع سوريا.. وقد كان.

هذه التفاصيل للوعي بأن التاريخ الذي يصاغ للشرق الأوسط خطوطه ممتدة في الخفاء ويلزم التمحيص في خلفية كل تصرف إلى أن تعود الثقة بحل مشاكل المنطقة جذريا.

فبدون شك سوف يعقب التعاون الفرنسي العربي النووي تعاون مماثل مع إسرائيل التي تعيش "شهر عسل مع فرنسا في ظل ساركوزي" بحسب تعبير دافيد مارتنيون، المتحدث باسم قصر الرئاسة، أمام 400 من الجالية اليهودية في 22 نوفمبر الماضي.

والمخاطر هي الاستمرار بالسماح للولايات المتحدة ببث العداء فيما بين الدول العربية وبينها وبين جيرانها. فخطاب بوش في الخليج كان التجسيد للصلافة والحماقة السياسية لدولة لا تريد إلا هدم هذا الجزء من العالم على رؤوس شعوبه بل وأن يقوموا هم أنفسهم بذلك. وللأسف استطاعت الديماجوجية الأمريكية أن تجد لها أعونا من بين من يسمون أنفسهم بالليبراليين بل أحيانا بالتقدميين (أشعر بالخجل لذكر أسمهم) فكتب البعض يقيم العلاقة بين حزب الله في لبنان وتنظيم القاعدة ويشيع بأن هناك اتفاقات بين الطرفين. وهي نفس المقولات التي يقول بها بوش في دعوته لإشعال الحروب في الشرق الأوسط عندما وضع في ذات السلة القاعدة وحماس وحزب الله وكل الحركات المناضلة وربط كل ذلك بإيران كشرير مثلما قال عندما أشعل الحرب على العراق. وإذا كانت بعض دول الغرب خطرة في مخططاتها فان الأخطر هو الداعية الداخلي لها من قبل أهل البلد فهم حصان طروادة الغرب.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك