الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > فرنسا الشعب سيد الدولة.. بفلم : مصطفى نورالدين

فرنسا الشعب سيد الدولة.. بفلم : مصطفى نورالدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) 15 ابريل 2006

السبت 15 نيسان (أبريل) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

فرنسا الشعب سيد الدولة.. بفلم : مصطفى نورالدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) 15 ابريل 2006

في كلمات قليلة مباشرة سلم دو فيلبان، رئيس الوزراء الفرنسي يوم 10 ابريل، بالهزيمة : "كانت رغبتي متجسدة في حل قوي. وبجانب قناعتي بمسؤولية الدولة، لاح لي أن السبيل الوحيد يتمثل في ضرورة إيجاد توازن بين مزيد من الليونة لأصحاب العمل ومزيد من الأمان الوظيفي للشباب لكي يتم كسر مسألة البطالة. ولكن هذا لم يقابل بالفهم من الجميع. للأسف" !

وأضاف أن الأسابيع الماضية شهدت أحداثا هائلة تهدد الشباب بعدم خوض الامتحانات في مواعيدها وبخروج تلاميذ المدارس للشارع يتعرضون للعنف. إذن لزم اتخاذ القرار الأكثر حكمة باستبدال نص القانون بنص أخر سيتم الحوار حوله في البرلمان ومع النقابات دون أفكار مسبقة !!

وفي حوار في نشرة الأخبار المسائية بالتليفزيون، صرح بأنه ليس له طموحات في دخول الصراع على رئاسة الجمهورية في الانتخابات القادمة ! بالطبع إذ لا خيار أخر أمامه ! واعترف "بأنها كانت محنة ومر بإعصار عاصف ولكنه تعلم من التجربة."

والأكيد أن شيراك الذي اتخذ القرار ونقيضه في غضون عشرة أيام باعتماد القانون وإيقاف تنفيذه ثم إلغائه في حالة لا يحسد عليها! وكذلك الأمر بالنسبة للحكومة التي لم تتدخل لكيلا يتفرد رئيس الوزراء بالقرار السياسي في أمر خطير. ونفس الشيء يقال عن الأغلبية اليمنية الحاكمة كلها في البرلمان التي تتقاسم مع رئيس الوزراء مرارة العجز السياسي على أعلى مستوى.

سياسة البؤس

فلقد كان الدرس قاسيا لدولة تفخر بالتمتع بالعقلانية الديكارتية (نسبة للفيلسوف رونيه ديكارت) حيث يلزم الشك كطريق لليقين. ولكن خاب يقين البرلمان والمجلس الدستوري ورئيس الجمهورية الذين وافقوا على قانون ترفضه حكمة المواطنين وحسن إحساسهم الفطري !

فهي أزمة خطيرة باعتراف الجميع ولم يكن لها أي مخرج أخر لتحاشي التمزق الاجتماعي. ولكن إطالة وقت الصراع خلق شروخا هائلة بين الدولة والمواطنين الذين فقدوا الثقة في السلطة. ومن ناحية أخرى كشفت الأزمة عن "سياسة البؤس" في قلب الطبقة اليمنية الحاكمة التي لاحت في الصراع السياسي الداخلي وتمثلت في الضربات "تحت الحزام" من قبل الكثير من الشامتين من اليمين نفسه مثل الرئيس السابق جيسكار دستان. ولكن أكثر المواقف فجاجة جاءت من ساركوزي ،وزير الداخلية، بضربات وجهها في أحاديث ليهاجم فيها رئيس الجمهورية الذي لا يتحرك سياسيا وعن رئيس الوزراء الذي لا يشاور قبل اتخاذ القرارات. وإن كان ذلك ليس بسلوك جديد منه فقد لاح وكأنه يزيد من الانتقاد ليعد الظروف لخروجه من الحكومة وتكريس الشهور القادمة لحملته من اجل الرئاسة.

وفي التصريح الرسمي للدولة قيل : "سيتم استبدال قانون الوظيفة الأولى بنص أخر" ! أي تم تحاشي كلمات موت العقد الجديد للعمل أو سحبه أو تأجيله حتى يلوح الأمر اقل مرارة في حلق دو فيلبان رئيس الوزراء الفرنسي ولا يعتبر انتصارا لوزير الداخلية ساركوزي ! ولكن المرارة لم يخفيها تصريح رئيس الوزراء الذي تأسف "لعدم فهم حسن نيته بتقديم تسهيلات لأصحاب العمل لتشجيعهم على توظيف الشباب." ولكن حسن النية ليس وسيلة لحل مشكلة جذرية في الرأسمالية. فلماذا يحمي التشريع صاحب العمل الذي يحتل مركز القوة ولا يعمل على حماية الشباب في موقفهم الأضعف ؟

هل الطبقة المتوسطة ثورية ؟

جوهر المأساة تمثل في أن رأس اليمين الحاكم (شيراك) وصل للرئاسة بأصوات أكثر من 80 في المائة من الناخبين. ولكن هذه الأصوات ليست أصوات الاتجاه السياسي اليميني وإنما كانت تعبئة من كل التوجهات بما فيها اليسار للحيلولة دون وصول اليمين المتطرف الفاشي والعنصري للسلطة في دورة التصفية النهائية عام 2002.

ولم يستطع اليمين الديجولي بعد الانتصار إلى إقامة التوازن السياسي والاقتصادي لصالح المواطنين جميعا بكل توجهاتهم السياسية ليخلق نمطا مستحدثا في السياسة الاقتصادية لإرضاء كل التوجهات. أي انه أستمر حبيسا لأيديولوجيته الليبرالية التي تتسبب في المزيد من البؤس.

ومن المنطقي التساؤل لماذا يقلق الطلبة على المستقبل وفي أيديهم مؤهلات تفتح لهم أفاق المستقبل ؟ سؤال وجيه ولكن قراءة للواقع الفرنسي لا تعكس هذه الصورة الوردية. فبجانب الفقراء الذين يعيشون بالكاد تعان فئة الكوادر من الطبقة المتوسطة. وهذا البؤس لم يعد محصورا في الفقراء الذين لا عمل لهم بل في الملايين من العاملين الذين لا يكفي دخلهم لإشباع حاجتهم الاجتماعية الأساسية. والنتيجة هو التزايد الذي لا يتوقف في مديونية الأسر وعدم قدرتها على سداد ديونها لدرجة جعلت الدولة تتدخل كضامن للسداد وإلا تعرضت ألاف الأسر للطرد من منازلها بل والسجن.

ففي كتاب "الاستعمال الأنجع للحرب الأهلية في فرنسا"، الصادر في مارس 2006 لأستاذ التاريخ الاقتصادي بجامعة السوربون، جاك مارسي، نرى أن عدد الكوادر الذين ينتمون للنقابات يفوق عدد العمال. إذ تتعرض حياتهم المهنية لمخاطر متزايدة وكذا تتسارع معدلات الذين يعانون منهم من الفقر بحيث يمكن القول انه بما بين العشرة في المئة من السكان في أسفل السلم الاقتصادي والعشرة في المئة في القمة توجد النسبة من السكان التي تقترب من الفقراء أكثر من اقترابها من الأثرياء. وهو ما يولد ظاهرة غضب الطبقة المتوسطة.

لقد حدث ما يسمى بالخيانة السياسية للطبقة الفرنسية الحاكمة. خيانة معهودة بالتخلي عن البرامج المعلنة في الحملات الانتخابية وتطبيق نقيضها بعد الوصول للسلطة. وهو معهود منذ وصل الحزب الاشتراكي الليبرالي للسلطة عام 1981. حيث وعد بالكثير من العدالة الاجتماعية والحفاظ على القطاع العام. ولكن النتيجة كانت نقيضا الوعود بخصخصة أكبر مشاريع الدولة. ومن ناحية أخرى ارتفعت البطالة من مليون ونصف عشية وصوله للحكم لتزيد عن الثلاثة ملايين في 1994. وابتدع لتسكين ألام البطالة نوعا من المساعدة لا تكاد تكفى لدفع إيجار حجرة لسكن أسرة في أفقر أحياء المدن وهدفها تهدئة الصراع الطبقي كنمط جديد لمواجهة الرأسمالية للتناقض بالتسكين وليس العلاج الجذري.

إذن جاء اليمين الديجولي مرة أخرى للحكم كعقاب للحزب الاشتراكي الليبرالي ولكن هذا اليمين لم يكف عن اخذ بيد ما يقول انه يمنحه باليد الأخرى.

وبينما حيا اليسار والتيارات الأخرى الانتصار والوحدة بين الجماهير والنقابات فان اعنف نقد لتراجع الدولة جاء من اليمين المتطرف "لتقهقر الدولة أمام قلة من المشاغبين أي انتصار الشارع على الدولة". وينسى اليمين المتطرف بدوره أن الشارع هو صاحب البلد وان كلمته هي العليا وان الدولة جهاز لخدمة المواطنين وليس لقهرهم.

ماء الورد و "مية" النار

الأمانة تحتم النظر لما يحدث في المهجر بموضوعية. وبالتأكيد لكل اجتهاده في التحليل. نخطئ كبشر ونحاول تحاشي الخطأ في المرات القادمة. و الملاحظ فيما كتب للمقارنة بين عنف حوادث الضواحي الفقيرة في الشهور السابقة ونظام وجمالية مظاهرات الطلبة (بقلم من عاشوا في فرنسا لسنوات أو من المراسلين) ما أسميه دون حرج "بالعنصرية المصرية" حيال المهاجرين العرب في فرنسا. فكرت في استخدام كلمات أخرى ولكن وجدتها اعنف من "عنصرية" ولذا استخدمها كحل أدنى. فالأمن رش الطلبة "بماء الورد" بينما كانت المواجهة عنيفة مع المهاجرين "البربر" ؟

أما لماذا هي عنصرية ؟ ببساطة لأن ما كتب في جريدة مصرية كبيرة هو اقتباس للتحليلات العنصرية التي نشرت في فرنسا من قبل التيار اليميني الجديد الذي يتزعمه مجموعة من الكتاب ومن يسمون أنفسهم "الفلاسفة الجدد". أي القيام بترديد وتبني تحليلاتهم دون وقفة موضوعية ونقدية لهذه التحليلات. ومعظم من كتب عن المهجرين بشكل عنصري هم من اليهود أو الصهاينة. وعند القول يهود ليس لإشعال حرب دينية ! ولكن لأنهم يصرون عندما يكتبون على القول بأنهم يهود ويقفون بالمرصاد لمن ينتقد إسرائيل والصهيونية ويتهمونه بمعادة السامية. إذن لا افتراء عليهم فهم يعلنون إيديولوجيتهم ويفخرون بها ويدافعون بشراسة عنها. ومن بين المهاجمين نذكر فقط الان فينكينكروت وباسكال بروكنر وبرنار هنري ليفي وكذلك داني جامبير رئيس تحرير المجلة الأسبوعية "الاكسبريس" الذي يصرخ في افتتاحياته "بالخطر الأكيد من المهاجرين الذين يكرهون فرنسا" !

فما يدعو للأسف أن كاتب التقرير (قي الجريدة المصرية يوم 7 ابريل الجاري) لم يأخذ إلا بأطروحة التوجه العنصري في التحليل متهما المهاجرين والعرب "بكراهية فرنسا لماضيها الاستعماري وبالتالي القيام بالتخريب لأنهم لا يشعرون بالانتماء لهذا البلد بينما لم يمارس الطلاب التخريب لإحساسهم بان البلد بلدهم" !

ولقد صدر العديد من الكتب حول ظاهرة عنف المناطق الحساسة وكذلك كتبت مئات المقالات وعقدت عشرات الندوات لمحاولة تحليل الظاهرة من قبل المتخصصين في كل فروع المعرفة. ولم يتوصل أي من هؤلاء الباحثين في أي لحظة أن سلوك المهاجرين نتاج كراهية لفرنسا. فهو غضب ضد الأوضاع التي تركوا فيها بإهمال مطلق دون بارقة أمل لحاضرهم أو مستقبلهم. وهو غياب تنظيم وهو انعدام وعي سياسي.

فالحركة الطلابية منظمة في نقابات ولدى الطلاب في العشرين من العمر مستوى ثقافي مرتفع ومستوى من التسييس هام. فهم جماعات تتحاور بحرية مطلقة وتنقد وتمارس النقد الذاتي وليس من اليسير التلاعب بها في مخطط من اجل أهداف تبعدهم عن مصالحهم.

أما سكان المناطق الفقيرة فلا يتمتعون بأية أشكال تنظيمية على مستوى المدن التي يعيشون فيها. فهم جماعات أو شلل أحياء. وما يجمع بينهم كعامل موحد هو الضياع والصعوبات الجمة التي يمرون بها. ولم يهتم بأحوالهم الأحزاب السياسية في غالبيتها. وإذا كان الطلاب قد اخذوا حظهم من اهتمام الأعلام بكل وسائلة من إذاعة وتلفزيون و صحافة فذهب الجميع ليسمع لهم ويحاورهم ويعمل لنشر مطالبهم فان أولاد الضواحي الفقيرة لم يذهب لها الإعلام إلا ليصور الحرائق والعنف في مواجهة الأمن. بل تجاوز مصوري بعض وكالات الأنباء أخلاقيات المهنة عندما أعطوا لرجال البوليس صور أطفال الأحياء الذين شاركوا في العنف بدون أن يطلب القضاء لتقديم شهادة من المصورين مما أدى إلى استقالة مدير اكبر وكالة أنباء في فرنسا.

والصعوبات التي يعيشها هؤلاء لا تحتاج لبرهان أكبر من أسم القانون الذي يثير الضجة الآن. فالقانون يسمى "مشروع الفرص المتكافئة" وجزأ منه (الفقرة 8 ) كانت تخص التعاقد على أول فرصة عمل الذي أثار الشباب والعاملين.

فعندما تضطر دولة رأسمالية متقدمة و متحضرة لوضع قانونين لعلاج "انعدام العدالة" نتيجة العنصرية، وليس نتيجة تفاوت طبقي، ويقر بها الجميع فماذا يعني هذا إلا العار الذي يستشعرونه من العنصرية التي تمارس بالفعل تجاه المهاجرين. فمن خطب رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية إلى تقارير اللجان البرلمانية والجمعيات الأهلية المهتمة بحقوق الإنسان ودراسات الباحثين بشأن هذه الأوضاع لم يعترف إلا بأن الأوضاع غاية في التدهور وتدعو للقلق.

فمشروع نص القانون الجديد الذي سوف يناقش في الأيام القادمة يخص فقط الشباب الذي لا يحمل إلا الشهادة الثانوية كحد أقصى أو الذي يسكن بالمناطق الفقيرة الحساسة وعمره اقل من 26 سنة. و تتعهد الدولة بمضاعفة المساعدة الممنوحة لأصحاب المشاريع لمدة سنتين إذا منحوا وظيفة بعقد عمل غير محدود المدة للشباب.

ووصل الأمر بسن قانون يسمح بإخفاء الهوية للتوصل لعمل أو استئجار سكن. فعلى المهاجر أن يتقدم بطلب يحتوي على المعلومات الخاصة بقدرته على دفع الإيجار أو حيازته على مؤهلات صالحة لفرصة العمل المعروضة في سوق العمل تحت "رقم سري" لا يكشف عن هويته ليفحص الطلب كأوراق الامتحانات حيث لا يعرف المصحح اسم التلميذ.

فما هي الأحاسيس التي تتولد عند شخص يشعر أن مجرد كشف هويته تحرمه مما يستحقه أو يمكنه القيام به ؟ الاندهاش والمرارة والمهانة والغضب.. وله في ذلك حق. وكشف تقرير رسمي للحكومة أن ثلثي الفرنسيين يعترفون بميولهم العنصرية !

نقطة أخيرة بجانب ما يمكن قوله عن ظاهرة العنف الحضري تتعلق بالعنف كشكل للاحتجاج للتعبير عن فراغ الصبر وكذلك عن قلة الوعي السياسي. فلقد احتل نحو 400 من الطلاب جامعة السوريون وقام بعضهم بتحطيم أجهزة كومبيوتر وقذف الأمن بالمقاعد بل بالكتب. فهل يمكن القول أنهم لا يحبون فرنسا ؟ وفي العديد من الاحتجاجات الجماهيرية قد يحطم البعض مباني كرموز للدولة أو تحطيم السلع المستوردة من بلدان أجنبية وتهدد السلع المحلية وهو ما نشهده كثيرا في احتجاج المزارعين الفرنسيين. فهل يستنتج أن هذا كراهية لوطنهم ؟

وفي الختام يمكن إيجاز أن الوحدة النقابية للطلاب والعاملين كانت على درجة راقية من التنظيم والمسؤولية وأجمعت كل التيارات السياسية اليسارية على تفرد اللحظة الراهنة بالوعي السياسي القومي وضرورة استمرار التعبئة. أو كما يقول الراحل فؤاد قاعود : "طريقنا لسه في أوله ومدام بدئنا نكمله."

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك