الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > غيوم صيف الحزب الاشتراكي الفرنسي... مصطفى نور الدين

غيوم صيف الحزب الاشتراكي الفرنسي... مصطفى نور الدين

نشر في جريدة الأهالي الأسبوعية بالقاهرة يوم 5 سبتمبر 2007

الأربعاء 5 أيلول (سبتمبر) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

غيوم صيف الحزب الاشتراكي الفرنسي... مصطفى نور الدين

نشر في جريدة الأهالي الأسبوعية بالقاهرة يوم 5 سبتمبر 2007

تحت شعار "تشخيص من اجل إعادة التجديد" اجتمع ما تبقى من زعماء الحزب الاشتراكي الفرنسي مع القاعدة من الأعضاء في "جامعة الصيف" طوال ثلاثة أيام انتهت يوم 2 سبتمبر، في مدينة لاروشيل على المحيط الأطلسي. وجامعة الصيف تقليد تمارسه كل الأحزاب السياسية الفرنسية لوضع استراتيجية الموسم السياسي الجديد بعد العطلة الصيفية.

وخيمت غيوم على جامعة صيف الحزب الاشتراكي. أهمها تتابع هزيمته في انتخابات الرئاسة للمرة الثالثة على التوالي وعدم انتصاره في الانتخابات التشريعية ليقيم التوازن مع سلطة اليمين الحاكم. وأكثر الغيوم قتامة تجسدت في الانفصال بين سيجولين رويال، مرشحة الحزب في معركة الرئاسة الماضية، ورفيق حياتها، فرنسوا هولاند، سكرتير أول الحزب منذ 1997.

والغيمة الأكثر تعكيرا للأجواء هي انفراط القادة التاريخيين عن الحزب نتاج الصراع الداخلي على القيادة أو لالتحاقهم باليمين الجديد في الحكومة أو في لجان متخصصة أوكل لها نيكولا ساركوزي، رئيس الجمهورية، مهام لإصلاح مؤسسات الدولة الرأسمالية. فتغيب عن هذا اللقاء الخامس عشر الوزراء الاشتراكيون السابقون الذين لحقوا باليمين أمثال : دومينيك ستروس-كان، المرشح كمدير لصندوق النقد الدولي، وبرنار كوشنر، وزير الخارجية، وجاك لانج، المكلف بلجنة لتحسين مؤسسات الدولة، و هويبر فيدرين، بلجنة البحث في مسألة العولمة وجاك آتالي، رئيس لجنة لدراسة أسباب تباطؤ النمو. وكذا تغيب من رؤساء الوزارة الاشتراكية السابقين ليونيل جوسبان ولوران فابيوس. وعلى النقيض زاد الطين بله حضور ميشيل روكار، رئيس الوزراء الاشتراكي سابقا، فحضوره كان استفزازا إذ أنه قبل عشية الملتقى المساهمة في لجنة رسمية تابعة للحكومة اليمينية لبحث سبل تطوير دور المعلمين.

والملتقى هدفه بحث في أسباب الفشل المتتابع للحزب في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وتحديد سياسته المستقبلية. وجاء النقد الذاتي على لسان فرنسوا هولاند كتجسيد للمعضلة الإيديولوجية بالعجز عن تعبيرها عن هموم المواطنين. وعبر عن ذلك في عبارة قاسية في ختام أعمال الجامعة:"لم تعد تستمع الغالبية من المواطنين لما يقوله الحزب لأنه لا يقول شيئا دقيقا ولا واضحا ولا مفهوما" ! وعارض هولاند تغيير اسم الحزب باستبدال كلمة اشتراكي بيساري قائلا بأنه "حينما نحمل شعلة الحزب لا نحافظ عليها فقط وإنما أيضا نحملها." وأن الضروري "أن تكون الاشتراكية في علاقة بتحديات العالم ومجتمع اليوم ولمواجهة العولمة التي أصبحت واقعا لا رجعة فيه."

والضربات تحت الحزام لم تأت للحزب الاشتراكي من اليمين فقط الذي سخر في تصريح رسمي من حال الحزب وقدم أفكاره بل جاءت أيضا من الرفاق في ذات الحزب. إذ أن كلود آليجر، وزير التعليم الاشتراكي السابق، أصدر كتابا وأدلى بأحاديث أكال فيها الصفعات لفرنسوا هولاند بعنف منقطع النظير واستخدام تعبيرات نابية ضده واعتبره المسئول عن الوضع الراهن في فشل مرشحته في انتخابات الرئاسة منذ أربعة شهور. وأكال انتقادات لكل قادة الحزب الاشتراكي من قدامى رفاقه وأعلن انه لن يجدد بطاقته الحزبية.

والصراع داخل الحزب هو بين الراغبين في احتلال مواقع القيادة والقول بأن القيادة القديمة فشلت. وهذه الرغبة ترتبط باختلاف إيديولوجي. وذلك يعني تحديدا أن التيار المعارض يريد تجديد الحزب فكريا ولكنه تجديد مساره الاتجاه نحو التحالف مع يمين الوسط الذي يمثله فرنسوا بايرو، المرشح السابق لرئاسة الجمهورية. وتلخص "لاهومانيتيه"، صحيفة الحزب الشيوعي، صورة الصراع على أنه "انقسام بين المجددين الليبراليين وبين المدافعين عن خط اليسار. وأن هذا الانقسام يعمق الهوة بين التيارين بشكل غير مسبق".

وداخل تيار المجددين تحتل رويال مركزا هاما برغم شك الكثير في أن شباب الحزب سوف يعاود الالتفاف حولها وأنهم سيفضلون خط الاشتراكية الديموقراطية. وبرغم ذلك ففي تصريحات رويال انفتاح تام على يمين الوسط الذي مارسته عشية الدورة الانتخابية الثانية لرئاسة الجمهورية بالتقرب من فرنسوا بايرو. وهي ذات الاستراتيجية التي تنادي بها للمستقبل القريب في الانتخابات المحلية في مارس القادم. إذ تقول بأنه: "لا توجد مواضيع خاصة باليمين وأخرى باليسار وان الاتفاق يمكن أن يتم بين الجميع بغض النظر عن حزبه السياسي وكذا ضرورة أن يتم التحالف بين يسار عريض والمطالبين بنظام دولي جديد ويمين الوسط.". ويعبر برنار بونيان، عضو البرلمان الأوربي عن الحزب الاشتراكي، بعبارة أخرى لتبرير تلك الاستراتيجية بقوله :"اليسار المتشدد لا يريد المشاركة في الحكم والحزب الشيوعي يعيش سنواته الأخيرة والخضر لا يتقدمون منذ ثلاثين سنة.. فليس أمام الحزب الاشتراكي إلا التحالف مع قوى أخرى وخاصة يمين الوسط."
ويصل فيليب جوولد، المحلل السياسي البريطاني، إلى خلاصة الوضع السياسي الفرنسي والذي يتلخص في أن اليمين هو ما يقود حاليا عملية الإصلاح التي كان من المفترض أن يقوم بها اليسار بينما يتجه الحزب الاشتراكي نحو السياسة المحافظة.
ويزيد التعقيد أن رئاسة الحزب لن يتحدد لها المرشح إلا بعد الانتخابات المحلية في مارس المقبل وهو ما يفتح الباب للمزيد من الصراع الداخلي الذي قد يضعف من صورة الحزب جماهيريا ويقود لهزيمة إضافية.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك