الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > غراب يهدد الدولة الفرنسية بالتفسخ ... بقلم : مصطفى نور الدين

غراب يهدد الدولة الفرنسية بالتفسخ ... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) ٦ مايو 2006

السبت 6 أيار (مايو) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

غراب يهدد الدولة الفرنسية بالتفسخ ... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) ٦ مايو 2006

ترتج الدولة الفرنسية بصورة لا مثيل لها في تاريخها المعاصر تحت وطأة أزمة جديدة كما لو كانت تلاحقها لعنة فرعونية. وهذه المرة "فضيحة". والبعض يطالب دو فيلبان، رئيس الوزراء، بالاستقالة وآخرون بانتخابات رئاسة قبل موعدها المحدد ؟

فلقد أدت التفسيرات المتناقضة لاعترافات "الجاسوس الفرنسي" جنرال روندو، المكلف بمتابعة قضية فساد مالي، عن شك في سلوك دو فيلبان، عام 2004 عندما شغل منصب وزير الداخلية.

والجنرال روندو هو "جيمس بوند" فرنسا في المخابرات السرية. ونجاحاته جعلت منه شخصية إعلامية خاصة بعد أن توصل إلى القبض على "الإرهابي كارلوس" في السودان واعتقاله في فرنسا باتفاق مع حكومة السودان عام 1994. وكان أيضا وراء الإفراج عن العديد من المحتجزين في كل من ليبيا والعراق.

والقضية معقدة والتفسير أكثر : إذ نشرت جريدة لوموند أن الجاسوس قال بتلقيه الأمر حينئذ من دو فيلبان بوحي من شيراك بفحص ذمة ساركوزي، رئيس الحزب اليميني الحاكم حينئذ، المالية لمعرفة هل له ضلع في فضيحة فتح حساب بنكي سري في لوكسمبورج (في شركة مقاصة مالية clearing house تدعى كليرستريم) لتلقي عمولات عن بيع زوارق عسكرية لحكومة تايوان؟ ثم أنكر الجاسوس ما قاله. ولكن بعد فوات الأوان فأسماء هامة اتهمت "بالحق أو الباطل " ! إلى أن يبت القضاء.

أما لماذا هي أزمة ؟ ببساطة لأنه كيف يحق لوزير الداخلية الاستعانة بالمخبرات العامة، التابعة لوزير الدفاع، لتقوم بعمل تقرير عن رئيس الحزب السياسي الحاكم الذي ينتمي له دو فيلبان؟ صراع على السلطة استعدادا للانتخابات الرئاسية؟ أم أن الفضيحة تفجرت لاستبعاد دو فيلبان من المتنافسين على الرئاسة ؟

ويسألون عن الغراب ؟ يسمي الفرنجة "كوربو" أي الغراب شخصية سرية ترسل رسائل كيدية للوسائل الإعلامية تفضح أسرارا خفية !

وتقول بعض الصحف أن الغراب هو خبير انفورماتيك لبناني يدعى "عماد لحود" يعمل مع المخابرات الفرنسية للكشف عن الحسابات البنكية السرية للجماعات الإرهابية في الغرب.

ولأن فرنسا هي من يقود التيار السياسي اللبناني المطالب باستقالة رئيس الجمهورية اللبنانية فإن الرئيس "لحود" أصدر بيانا رسميا يقول أن المدعو "عماد" ليس من أسرته.

فأصل هذه القضية أثارتها عام 2001 رسائل "مجهولة الهوية" تتضمن قائمة أسماء يقال بان لهم حسابات في بنوك أجنبية وهو ما يحرمه القانون الفرنسي على كل المواطنين. إذ يعتبر فتح حساب في بلد أجنبي تهربا من الضرائب ويدخل في بند الفساد وفي تبيض الأموال وتلقي سمسرة وعمولات في عمليات دولية غير شرعية !

وتبحث حول هذه القضية المخابرات الفرنسية، تحت مسئولية الجنرال روندو، بشأن احتمال تورط شخصيات أخرى على مستوى رفيع من رجال السياسة والأعمال.

ولم تنشغل الصحف طوال الأيام الماضية إلا بهذه القضية في صفحاتها الأولى متخذة كل المواقف التي تذهب للمؤامرة ضد ساكوزي أو ضد دو فيلبان أو ضد الدولة ككل.

القضاة فوق الدولة


وفي دورة البرلمان الأسبوعية لمساءلة الحكومة في الأمور الملحة هاجمت، يوم 2 مايو، أحزاب المعارضة وبعض أعضاء التحالف اليميني الحاكم سياسة الدولة حيث توالت الأزمات من تلك التي حدثت في الضواحي الفقيرة ثم أزمة قانون العمل الجديد الذي اضطرت الدولة لإلغائه أمام رفض النقابات الطلابية والمهنية وأحزاب اليسار والغالبية من الشعب.

وها هي أزمة دولة جديدة تزلزل السلطة وأن على رئيس الحكومة الاستقالة. وخاصة أن الأزمة الأخيرة قادت إلى ممارسات غير مسبوقة إذ قام رجال القضاء بتفتيش مكتب وزيرة الدفاع، ميشيل اليو ماري، للبحث والاستيلاء على الأرشيف بما في ذلك الوثائق السرية في "الخزانة المصفحة" وكذا الأجندة الخاصة بوزيرة الدفاع لفحص المعلومات بها.

ولأن لا الوزراء ولا رئيس الوزراء يتمتعون بحصانة تحول دون استدعائهم أمام القضاء، إذ فقط يلزم الحصول على "تصريح" من مجلس الوزراء، فان ذلك سيكون الحل الأسرع لحل الأزمة.

فبرغم التكذيب الرسمي المتكرر من شيراك ودو فيلبان فان الخناق ضاق حول رأسي الدولة إذ استمرت الصحف إخراج اعترافات تناقض تكذيب النظام. وأعلن دو فيلبان أخيرا استعداده للمثول أمام أي جهة لسماع أقواله وهو ما يعني إما المثول أمام لجنة برلمانية مستقلة لتقصي الحقائق وكذا أمام القضاء.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك