الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > على أي قدم ترقص السياسة الفرنسية الشرقية ؟ مصطفى نور الدين

على أي قدم ترقص السياسة الفرنسية الشرقية ؟ مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة)، السبت 2 سبتمبر 2006

السبت 2 أيلول (سبتمبر) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

على أي قدم ترقص السياسة الفرنسية الشرقية ؟

مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة)، السبت 2 سبتمبر 2006

التنبؤ بالسياسة الفرنسية حيال الشرق الأوسط مسألة لا يحكمها منطق متسق. وحدوث ما لم يتوقعه الكثير بصمود المقاومة اللبنانية في وجه "الجيش الذي لا يقهر" غير كثير من المعطيات والحسابات على الصعيد الإستراتيجي. ولحفظ ماء الوجه لزم اللعب "بالبيضة والحجر" للتخطيط للمسخ الشرق أوسطي الجديد باعتماد أكثر من سيناريو بعد فشل سيناريو واثق من سحق المقاومة.

والسياسة الفرنسية مثلها مثل الأمريكية والإسرائيلية بدأت تفقد التوازن على الحبل الذي نصبته. وتحاول الآن تمرير استراتيجيتها ولكن بإعادة خلط الأوراق وتوزيعها بشكل مختلف للوصول لذات الغاية.

فعدم انتصار إسرائيل اثبت فشل فكرة الحدود الآمنة في مواجهة مقاومة شعبية. واثبت أنها ليست كلب شرس بما فيه الكفاية لحراسة مصالح الغرب إذ لم تستطع القضاء على المقاومة حسبما كانت تطمح الولايات المتحدة. فالتهديد سيظل بل ربما يزداد نتيجة المهانات التي تلحق بشعوب المنطقة منذ أكثر من نصف قرن وعدم حصولها على حقوقها المشروعة ومنعها من استقلال القرار بشأن تطور مجتمعاتها.

فبجانب المقاومة المستقلة التي تتفجر توجد دول في المنطقة مازلت ترفض الدخول في الاستراتيجية الأمريكية. وعليه فان الحلول محدودة. فإما إعطاء الاختيار للنار على جبهات متعددة أو التوصل أولا إلى تفكيك التحالفات وعزل كل طرف والاستفراد بمن لا يقبل الانصياع. أي نفس الاستراتيجية الفعالة التي تم إتباعها باتفاقية "كامب دافيد" مع مصر. فبعدها تم الاستفراد بالمقاومة الفلسطينية في لبنان ثم بالعراق مرتين. والآن حان الموعد مع كل من سوريا وإيران. ويلوح أن المحاولة الغربية والإسرائيلية تتوجه نحو هذا الاختيار الأخير عاجلا أو أجلا.

وعد و وعيد


وجاء في يوم 28 أغسطس خطاب جاك شيراك السنوي والأخير قبل نهاية فترة رئاسته، أمام سفراء الدول الأجنبية في فرنسا ليترجم هذه الاستراتيجية بلغة تمزج الوعد والوعيد.

والتوقف عند ما يخص الشرق الأوسط في هذا الخطاب يظهر محوره الأساسي : أي لبنان وسوريا وإيران وفلسطين.

فإبان العدوان الصهيوني الأخير على لبنان تخبطت السياسة الفرنسية بين تبني وجهة نظر قريبة من المطالب اللبنانية ثم التحول لنقيضها بتبني الخط الأمريكي ثم العودة مرة أخرى لخط توازني. وذات الأمر بشأن مساهمتها في قوات الأمم المتحدة فأولا قالت بإرسال عدة ألاف جندي وقيادة القوة ثم فقط إرسال 200 جندي ثم أخيرا ازداد العدد لألفين وقيادة قوة الأمم المتحدة ثم إعطاء القيادة لايطاليا من العام القادم.

ومن ناحية أخرى، فالخطاب الذي مازال يستخدمه جاك شيراك لم يتغير في محتواه بشأن المقاومة اللبنانية وكأن التاريخ لم يقدم جديدا على ضوئه تعاود القوى الإمبريالية استيعابه بفهم أن الشعوب من الممكن ومن حقها إن تقاوم وتفرض علاقات قوى جديدة على ساحة النضال من أجل نيل حقوقها.

فشيراك الذي "ينوح" على: "ما أصحاب لبنان من تخريب لاقتصاده وتقتيل لشعبه" يرجع ذلك "للجماعات المغالية وانعدام مسؤوليتها وردود الفعل التي كانت "أحيانا" مبالغا فيها (يقصد من قبل إسرائيل دون ذكر الكلمة) وقادت المنطقة لحافة الهاوية."

وطالب شيراك أن تنهي إسرائيل محاصرتها للبنان جوا وبحرا وهو ما ترفضه إسرائيل بدعوى انه يلزمها أولا ضمان عدم وصول الأسلحة لحزب الله. والتناقض الدولي يظهر في ذلك الأمر بشكل سافر. فالحرب التي تشنها إسرائيل ضد لبنان مازلت مستمرة بسلاح الحصار كاستمرارية للعدوان المسلح ولا يعكس إنعدام احترامها لتطبيق الشرعية الدولية، كما هي عادتها، بتطبيق قرار الأمم المتحدة 1701 الذي قد لصالح إسرائيل بضغوط أمريكية وضعف عربي.

صمت مريب


أما بشأن القضية الفلسطينية فحماس بالنسبة لشيراك "لم تستفد من دخولها العمل السياسي وقبول وجود إسرائيل والكف عن العنف". و"أمن إسرائيل مسألة لا نقاش حولها ولكن لابد أن تكون مرتبطة بعدالة وخلق دولة فلسطينية. وأنه من الضروري عودة الثقة المفقودة حاليا وأن تلعب جامعة الدول العربية دورا بناء على مقررات بيروت عام 2002 التي تعترف بوجود إسرائيل وإقامة علاقات طبيعية معها".

والتناقض "الثابت" في الخطاب السياسي الفرنسي والغربي هو أنه لا توجد فقرة واحدة تذكر بعدم احترام إسرائيل للشرعية الدولية طوال تاريخها البعيد والراهن. ولم يذكر شيراك في خطابة عدوان إسرائيل المتواصل على الشعب الفلسطيني واختطاف واغتيال القادة الفلسطينيين. وكذا لم يتعرض لاحتلال إسرائيل للجولان.

إيران دولة كبرى ولكن !


وبشأن المسألة الإيرانية طرأ تحول من الحوار الأوربي (بالاشتراك مع ألمانيا وانجلترا) إلى النقيض بتبني الخط الأمريكي لطرح المسألة أمام مجلس الأمن لاستصدار قرار للعقاب لو تمسكت بحقها في تطوير الطاقة النووية.

وشيراك يغازل إيران وكأنه يدرك الخطأ الذي وقعت فيه فرنسا بانحيازها للاستراتيجية الأمريكية. فيقول:"أن إيران لن تجد السلام في تطوير برامج سرية ولكن بالاندماج الكامل في المجتمع الدولي. وأدعو مرة أخرى طهران أن تقوم بالإشارة الواضحة لتوفير الشروط لكسب الثقة. فهناك دائما محل للحوار. فإيران بلد كبير. ولكن الاعتراف بدورها يحتم عليها الالتزام بإبعاد سؤ الفهم والشكوك والعمل على الاستقرار في المنطقة كما تستدعيه مسؤولية دولة كبرى."

سوريا انعزال أم عزل ؟

ومنذ سنوات يتبدل الخط السياسي الفرنسي من توجه إلى نقيضه ففيما يخص سوريا بتحوله من دبلوماسية الحوار الهادئ بشأن الوجود السوري في لبنان إلى تبني نقيضه باستصدار قرار 1559 مع الولايات المتحدة لإجبار سوريا على سحب جيشها فورا وتجريد المقاومة من سلاحها.

والأن تلوح في الأفق حركة ذات مغزى. والحركة مركبة فيما بعد صمود المقاومة اللبنانية للعدوان الأمريكي الإسرائيلي والعربي بإدانة المقاومة وبالصمت. فبعد سكوت المدافع تعالت أصوات مطالبة بفتح الحوار مع سوريا. والحوار مع سوريا له أبعاد متعددة. فإسرائيل تقول بضرورته بعدما حدث لها على يد المقاومة وكذا بدأت الولايات المتحدة والأمم المتحدة وفرنسا يقولون بضرورة الحوار مع سوريا!

فمن عملوا على عزل سوريا عالميا اكتشفوا فجأة أنه تجب عودتها. وبحسب كلمات شيراك : " إن على سوريا أن تخرج من الانغلاق الذي فرضته على نفسها. فأن لها من الأهلية ما يسمح لها بالعودة للمشاركة على طاولة الأمم بشرط احترامها للشرعية الدولية واحترام مقررات الأمم المتحدة (إشارة للتحقيق بشأن اغتيال رفيق الحريري) واحترام سلطة جيرانها (يعني لبنان)". و"أن الشرق الأوسط بحاجة لسوريا نشطة."

غياب أوربي معتاد


وانتقد شيراك بشدة "غياب الاتحاد الأوربي في التدخل لوقف الحرب ضد لبنان برغم مناشدته المتكررة للقادة الأوربيين باتخاذ موقفا حاسما." وهو ما لم يتم فالدول الكبرى من ألمانيا إلى انجلترا، بل فرنسا برغم ادعاءه، كانت موافقة على الاعتداء الإسرائيلي. بينما كان موقف معظم الدول الأوربية الأخرى منحازا للموقف الأمريكي أو في أحسن الأمور صامت. وربما يسبب ذلك مرارة خاصة لفرنسا باعتبارها من المؤسسين للاتحاد الأوربي ولكن رفض الدستور من قبل الفرنسيين أضعف من دورها بداخله فهي "كمن يؤذن في مالطة".

فرق تسد


فمجمل هذه التحولات تحدد، على نحو ما، الهدف المرتقب بالسعي إلى عزل كل طرف للتعامل معهم حالة بحالة. فعزل إيران قد يتم بتقديم "تنازل" لسوريا بفتح حوار معها بشأن الجولان لكي تقدم من جانبها خطا منفصلا عن السياسة الإيرانية إذ بين البلدين اتفاقية دفاع مشترك. فهناك أصوات، رسمية وغير رسمية، في إسرائيل بدأت تطالب بفتح حوار مع سوريا. والشرط الأخر هو أن على سوريا التخلي عن مناصرة المقاومة اللبنانية التي يتم بالتالي إجبارها على التخلي عن أسلحتها بعد فقدانها لحلفيها.

أي في النتيجة النهائية هناك محاولة لعزل إيران والانفراد بها في حرب لا تشارك فيها سوريا من جبهة الجولان ضد إسرائيل التي تنادي قوى سياسية فيها بالاستعداد لهذه الحرب بالتحالف مع الولايات المتحدة وان كان هناك توجه أخر يرى أن الحرب يجب أن تتم أيضا مع سوريا وعينت السلطات الإسرائيلية قيادة خاصة لهذه الحرب المحتملة.

ولعل الزيارة التاريخية التي قام بها ملك السعودية لتركيا، إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان، تدخل في ذات السيناريو كإشارة تحذير لإيران من المحور "السني" في مواجهة ما أطلق عليه عاهل الأردن "الهلال الشيعي" وذلك لكي تكف إيران عن التدخل الذي تقول الولايات المتحدة بأنها تقوم به في شؤون العراق وكذا لترفع يدها عن مناصرة حزب الله. علاوة على ذلك ففي هذه الزيارة رسالة سياسية موجهة لكل من سوريا وحزب الله ويدعمها الانتقادات السعودية الأخيرة للعلاقات التي تقيمها دول عربية مع دول أجنبية تهدد "الهوية العربية" ! وهو ما يعني حتما العلاقة مع إيران.

وما يستأهل البحث حوله من المحللين هو دراسة أبعاد المخاطر في المنطقة وهل هو بالفعل من إيران ؟ وألا يمكن اعتبار إيران مركز قوة للأمة العربية والإسلامية بعد فقدان كل من مصر والعراق لموقعهما في المنطقة نتيجة معاهدة كامب دافيد وتحطيم العراق وتمزيق نسيجه الاجتماعي إلى 132 جماعة قبلية وعشائرية وإثنية؟

من حرب التضليل إلى حرب الجهل ؟


وتأتي هذه الاستراتيجية الأمريكية الملامح بإشارة بوش في خطاب أخير إلى "الدور الحيوي والاستراتيجي" لفرنسا في لبنان والمنطقة. أي إعطاء فرنسا الضوء الأخضر لتكف عن التردد والى الذهاب إلى لبنان بناء على خط أمريكي مرسوم ومدعوم بتوجه إسرائيلي وبضمان عدم عودة المعارك وبالتالي عدم إحراج قوات الأمم المتحدة.

وبرغم ذلك فان قناعة فرنسا ليست كاملة في هذه النقطة إذ أشار شيراك إلى مخاطر "عودة العمليات العسكرية". فهل هذه العودة الاحتمالية للحرب مرتبطة بالصراع فقط بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل أم متعلقة بتعقيدات المسألة الإيرانية وعواقبها؟

إن تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي الصادر يوم 23 أغسطس بعنوان "الخطر الإستراتيجي الإيراني" يعترف "بجهل المخابرات الأمريكية ببرنامج إيران النووي وتطوير أسلحة بيولوجية وكيماوية". وكان تقرير لنفس المخابرات قد لفق مع المخابرات البريطانية الوجود الأكيد لأسلحة "الدمار الشامل" في العراق وبناء على تلك المعلومات الملفقة بررت أمريكا حربها ضد العراق. فهل سيقود جهل المخابرات الأمريكية بحالة تطوير "أسلحة الدمار الشامل" في إيران الآن إلى نفس نتائج تلفيقها بوجود هذه الأسلحة في العراق وبالتالي إعلان الحرب على إيران؟

وإذا كانت الحرب لن تحدث فورا نتيجة الأزمة الداخلية الإسرائيلية لكي لا تسمح بكشف كامل لعدم قدرتها على مواجهة مع إيران، بعد عجزها على القضاء على المقاومة اللبنانية، فهل سيتم الاكتفاء بفرض حصار اقتصادي وعقوبات جزئية فقط عليها بين حلفاء أمريكا فقط ؟

إن التباعد الفرنسي النسبي مع الإدارة الأمريكية حدث في هذه النقطة التي تذكر بالحرب الثانية ضد العراق واختلاف فرنسا وألمانيا وروسيا مع الولايات المتحدة. فمن المعروف أن هناك أصوات أمريكية تنادي بعدم انتظار فرض عقوبات من مجلس الأمن وتشكيل تحالف مع الولايات المتحدة لفرض عقوبات وحصار اقتصادي على إيران. ولكن شيراك يرفض أن يكون الحل خارج إطار شرعية مجلس الأمن والأمم المتحدة. بل ويطالب في ذات الوقت بضرورة إحداث إصلاحات للأمم المتحدة.

ختام القول لعب شيراك "ملك وكتابة" حيث "الملك" فيها هو استراتيجية أمريكية عسكرية آتية أما "الكتابة" فشعارات لتغذية الوهم باستقلال القرار الفرنسي والميل للحوار والحديث عن ديمقراطية وحرية وعولمة وحقوق إنسان وإن كان قد تناسى في خطابه الأخير كل تقارير الإدانة لإسرائيل لانتهاكها لحقوق الإنسان من كل الجمعيات العالمية المستقلة. فالانتخابات الرئاسية على الأبواب و"الصمت من ذهب"...

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك