الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > عشرة أيام هزت فرنسا : قالها وزير الداخلية : سوف نخلصكم من هذه الحثالة.. مصطفى نور (...)

عشرة أيام هزت فرنسا : قالها وزير الداخلية : سوف نخلصكم من هذه الحثالة.. مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) 12 نوفمبر 2005

السبت 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005, بقلم مصطفى نور الدين عطية

عشرة أيام هزت فرنسا : قالها وزير الداخلية : سوف نخلصكم من هذه الحثالة !..

بقلم : مصطفى نورالدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) 12 نوفمبر 2005

" سوف نخلصكم من هذه الحثالة " ! عبارة وزير الداخلية الفرنسي، نيكولا ساركوزي، التي أشعلت النيران في الضواحي الباريسية. كانت عباراته لسكان مدينة "كليشي سو بو" التي شاهدت موت طفلين صعقا بالكهرباء اثر دخلوهما محطة توليد كهرباء محظورة. احتج الأهالي على الحادث في مظاهرة. كان شكل الاحتجاج الشعبي معتادا في بدايته كرد... هل كان البوليس يطارد الطفلين فذهبا للاختباء ؟ وكيف يمكن دخول مثل هذا المكان الخطر ؟ لما لم تكن هناك عوائق أو حراسة تمنع ذلك ؟ أسئلة لم يصل التحقيق فيها بعد لإجابات نهائية.

وتحول الحزن إلى غضب من الإهانة البالغة من عبارة الوزير. بدأت حركة العنف ليلة 27 أغسطس الماضي وتتجاوز الضواحي الباريسية وتزداد وتنتشر في عشرات من المدن في الشمال في منطقة الالزاس مالهوس وفي مديتي ستراسبورج وليل. وفي وسط فرنسا في ديجون ونحو الجنوب في بوردو، نيس، كان، مرسيليا، رين، روان، ليل، اورليان.. ثم أخيرا باريس...

مازال الوقت مبكرا لإعطاء صورة للخسائر لاستمرار الحوادث. فلقد بلغ عدد السيارات الخاصة (الملاكي) التي حرقت نحو 5 آلاف وعشرات الأتوبيسات والمحلات التجارية كبرى وصغيري ومطاعم ومراكز الشرطة ومباني مجلس مدينة بل حدث إحراق بعض المدارس واستاد رياضي واحد مكاتب مقر حزب نيكولا ساركوزي....

وقبض البوليس على نحو 1300 شاب في مدن فرنسا وصدرت أحكام بشهر سجن مع التنفيذ على 200 منهم وآخرين مع إيقاف التنفيذ لعدم القبض عليهم متلبسين وإنما للشك نتيجة تواجدهم في أماكن الحوادث. وسيحاكم الباقي خلال أيام بينما تم حولت ملفات أكثر من 50 من الأطفال القصر (اقل من 16 سنة ) إلى قاضي الأطفال ليرسلهم إلى مؤسسات متخصصة وربما معاقبة أولياء الأمور لمسؤوليتهم غير المباشرة. وهناك العديد من الأطفال المشاركين في الحادية عشر من العمر.

ويلزم ذكر أن بعض الاعتداءات أخذت طابعا إجراميا مثل إلقاء قنبلة مولتوف في أتوبيس يقل ركاب تسببت في حروق من الدرجة الثالثة لراكبة عربية معاقة. وكذلك إطلاق سيارة مشتعلة على مطعم به عشرات من المواطنين.

وإذا كان الفقر احد الأسباب وراء الأحداث فمقياس تعريفه يستند إلى حجم الدخل الشهري. فإذا كان دخل الفرد الذي يعيش وحده نحو 700 يورو شهريا يعتبر فقيرا. فهذا الدخل يعادل 60 في المئة من الحد الأدنى للأجور. وبناء على هذا المقياس ففي فرنسا ما يتجاوز 12 مليون شخص في حالة فقر منهم نحو 2 مليون ونصف المليون يعيشون تحت حد الفقر.

ومن الحالات التي تم الحكم عليها في محاكمات عاجلة نرى بعض نماذج من المشاركين في العنف.. فهم شباب في نحو العشرين من العمر من اسر فقيرة. وفي العديد من الحالات من اسر مطلقة وإعادة تكوين اسر مع زوجة أخرى أو زوج أخر أو العيش في اسر أحادية العائل (الأب أو الأم). وبعضهم أطفال تم وضعهم لدي اسر تبني أو في مؤسسات أطفال لفترة لفقر أسرهم أو لأسباب أخرى. وغالبيتهم لم ينه التعليم الثانوي ويبحثون عن عمل أو يعملون في وظائف مؤقتة.

عنصرية في التعليم والعمل

وهذه هي الصورة الممثلة لطبيعة الأسر الفقيرة بشكل عام في فرنسا. ويضاف عامل البطالة التي يتعرض لها قدر كبير من المهاجرين من كل الجنسيات بالقياس بغير المهاجرين فمتوسط نسبة البطالة في المناطق التي يعيش بها الغالبية منهم تصل إلى 21 في المئة من السكان في سن العمل أي ضعف المعدل القومي وضعف المعدل الذي يتعرض له غير المهاجرين. ولكن هذه النسبة تصل إلى نحو 20 في المئة للمهاجرين من البلدان إفريقيا السوداء ونحو 22 في المئة بالنسبة للمهاجر من تونس و25 من المغرب وتركيا و27 في المئة من الجزائر في حين أنها 6 في المئة فقط للمهاجرين من البرتغال وأسبانيا وايطاليا. يضاف لذلك أن أكثر من 52 في المئة من المهاجرين عمال أو في مهن متواضعة بأجور منخفضة مقابل 37 في المئة يحتلون نفس العمل من غير المهاجرين.

وفي ظل هذه الظروف الصعبة تكشف الدراسات عن أن معدل الفشل الدراسي يضرب نصف الأطفال من المهاجرين منذ مراحل التعليم الأولي في حين أن هذا الفشل يخص الخمس فقط في حاله الأطفال من غير المهاجرين أو من أسرة الأب أو الأم فيها من غير المهاجرين. وفيما يتعلق بالتعليم في أن أغلبية الأطفال من أبناء المهاجرين لا يتمكنون من إتمام تعليمهم. فالتعليم إجباري حتى السادسة عشر من العمر وفي غالب الأحوال يتوجه معظمهم إلى المدارس الفنية للتوصل إلى مكان في سوق العمل سريعا وبالتالي لا يتجه معظمهم إلى التعليم العالي لاستحالته ماديا على الآباء. واخطر السياسات التي حدثت تمثلت في خلق مدارس "عنصرية" إذ لا يوجد اختلاط فيها بين الفرنسيين والمهاجرين. فالمدارس في هذه المناطق بحكم طبيعة تركز المهاجرين فيها هي مدارس من المهاجرين في الأغلبية المطلقة. يضاف لذلك أن البطالة ترتفع بنسبة 45 في المئة بالنسبة للشباب في سن 15 سنة إلى 25 سنة هذه المناطق التي تسمى " حساسة ".

وفي ظل هذه الظروف فقدت السلطة الأبوية لمحلها في مجتمع لا يستطيع الأب أن يحقق فيه مكانته الاجتماعية ويعيش عالة على معونات البطالة. فأولاد العاطلين عن العمل تتكون لديهم أحاسيس مزدوجة من الغضب ضد هذا المجتمع اللافظ للآباء وضد هؤلاء الآباء لعدم قدرتهم لتحدي هذا المجتمع والحصول فيه على مكانة اجتماعية. ويفقد كل من الآباء والمجتمع سلطتهما على هؤلاء.

الضواحي " مريضة الجمهورية "

وجدير بالإشارة إلى أن الفقراء ليسوا جميعا عاطلين عن العمل بل يعملون بأجور لا توفر لهم إمكانيات الحياة المتوازنة اجتماعيا فهم محرمون من كل متع الحياة الثقافية والاقتصادية التي تشكل عصب المجتمع المتقدم. فكل دخلوهم للحفاظ على البقاء الجسدي فحسب ولا تسمح لهم بالولوج إلى الحياة الثقافية.

ولإعطاء صورة تقريبية عن الأوضاع الفعلية في الضواحي الباريسية وهوامش المدن الكبرى حيث تشتعل النيران الآن يكفي القيام بزيارتها. فبزيارة أقصى القرى الفرنسية في أعماق المناطق الجبلية حيث لا يعيش إلا عشرات من العائلات تولد الانبهار بالجمال والنظافة وتوفر كل الخدمات الأساسية لهذه القلة من الأفراد على الأقل على مقربة.

وزيارة بعض الأحياء المهمشة في فرنسا يولد القشعريرة والرعب والاندهاش كأحاسيس فلا نعرف في أي ارض هبطنا ووسط أي كائنات. فلقد كانت السياسة العمرانية لهذه المناطق حماقة سياسية. ففي بعض المدن الهامشية لا توجد إلا عمارات عملاقة يعش في بعضها أربعة آلاف شخص. فهي كالزنازين يتكدس فيها السكان الفقراء ويصلون إليها بعد السير أحيانا نصف الساعة من محطة قطار الضواحي الباريسية إلي حيث يقطنون والسير في ارض خراب حيث القمامة والنباتات البرية أو في أحسن الأحوال في شوارع خاوية من أي حياة اجتماعية من أي نوع.

وفرص العمل التي لا تتاح مثلها مثل البحث عن سكن فصاحب العمل يفضل إعطائها لمواطنين من غير الأصول المهاجرة برغم أنهم ولدوا بفرنسا وآبائهم أيضا وذات الشيء فيما يخص شقة للإيجار. فالمساواة في مستوى التعليم والتأهيل لا تضمن نفس الحظ في شغل الوظيفة التي تذهب بأفضلية لمواطن من غير ذوي الأصول المهاجرة. وذات الشيء بالنسبة لفرصة استئجار شقة للسكن إذا تساوت أوضاع من يتقدمون فالشقة من حظ غير المهاجر. وبرغم تحريم هذه الممارسات قانونيا إلا أنها في الواقع القاعدة التي يعرفها الجميع.

فلا توجد في معظم هذه المناطق أي من مظاهر المجتمع المتقدم فلا دور السينما ولا المسارح ولا حمامات سباحة ولا نوادي بل في الكثير تخلو من المحلات التجارية والمقاهي. فهي جزر منعزلة حيث لا حياة تخلب الألباب مماثلة لما تتواجد على بعد عدة كيلومترات في باريس حيث توجد " الخضرة والماء والوجه الحسن " ووجهات محلات أحدث صيحات المودة من ملابس وعربات وتكنولوجيات حديثة. أي نوع من الإثارة لما يحض المجتمع الاستهلاكي لشرائه أمام بشر لا تتمكن من الحفاظ على حياتها إلا بمساعدة جمعيات " الرفق بالإنسان " ومطاعم الفقراء.

سياسة النعامة الليبرالية

يتكلم ممثلو الرأسمالية منذ ربع قرن في فرنسا عن نوايا الإصلاح وعن " والحرية والمساواة والإخاء" وفي الواقع تقلص الرأسمالية المكاسب التاريخية للعاملين كذا حجم مساعدات للملايين الذين تلقي بهم الشركات في الطرقات بعد غلقها وتصنيع المنتجات في البلدان الآسيوية حيث الأيدي العاملة ارخص.

ولكن الأكيد أن هذه الحوادث لن تدعمها أي حركة سياسية من أي توجه لأنها تثير الغضب الشعبي المتضرر الفعلي منها إذ يخسر الكثير من المواطنين سيارتهم الشخصية الضرورية للذهاب للعمل أو محلاتهم. ولكن سوف يستفيد كل تيار سياسي من الأحداث لانتقاد سياسة الدولة وتقديم بديلة الأكثر إنسانية أو الأكثر عنفا بحسب التيار السياسي.

وفي استطلاع للرأي اعتبر أكثر من 63 في المئة من الذين أجابوا أن ساركوزي يقول في الكثير من الأحيان تعبيرات جارحة لا تليق بوزير داخلية. ويكاد يكون هناك إجماع من القوى السياسية انه وراء الأزمة الراهنة وطالب العديد بان يستقيل ومن بين هؤلاء الاحزاب اليسارية والخضر.

وقد قامت مظاهرة من عمد المدن ورؤساء المجالس المحلية الفرنسية من اجل وضع خطة قومية من اجل توفير فرص العمل والتعليم والتأهيل الوظيفي والكف عن الأساليب العنيفة في مواجهة المشاكل الاجتماعية عبر الطرد المكثف للمهاجرين في وضع غير قانوني.

ولان هذه الحوادث هي أفضل الظروف لبدأ الدعاية الانتخابية للرئاسة عام 2007 فإن التوجهات اليمنية المتطرفة بدأت المزايدة في مواجهة وزير الداخلية. فلقد استخدم لوصف الشباب في هذه المناطق ألفاظ مثل "الرعاع " و" الحثالة " و انه سيقوم بعملية "سحق وتطهير". وإذا أراد ساركوزي، وزير الداخلية، الاحتفاظ بقدر من الأمل في مستقبله السياسي فليس أمامه خيارات إلا التراجع عن الألفاظ شديدة العنف أو على الأقل الكف عن استخدام المزيد.

ومن إدراك هذا الحد الذي لا يمكن أن يتجاوزه ساركوزي تأتي المزايدة من قبل احد قيادات التيار اليميني المتطرف فقد ذهبت إلى ابعد فلقد قال " فليب دي فيليه " أن ما يحدث في الضواحي هو " حرب مدن عرقية " أي إسلامية وان ذلك دليل على فشل سياسة الدولة بشأن الهجرة المتزايدة دون روابط" فالذين لا يتمتعون بوجود شرعي في فرنسا يفرضون قوانينهم علينا وانه قرر إنشاء رابطة لمناهضة الحق الراهن للمهاجرين في التصويت في الانتخابات الفرنسية.

وجدير بالتنبيه إلى أن هذه واحدة من القضايا التي يحاول اليمين المتطرف إرعاب المواطنين بها منذ ربع قرن. إذ سينتج من معدلات الإنجاب المرتفعة بين المهاجرين من كل الجنسيات تأثير في موازين القوى في المستقبل.

ولكنها مغالطات للواقع فالذين يقومون بأعمال العنف ليسوا في غالبيتهم من المهاجرين الجدد وإنما هم الجيل الثالث من المهاجرين فلقد ولدوا في فرنسا وكذلك آبائهم أيضا. بجانب ذلك فهم خليط من المهاجرين من أجناس مختلفة وليسوا كلهم من المغاربة. بالإضافة أنهم لم يكفوا عن إشعال النار برغم الدعوة المتكررة من كبار رجال الإسلام في فرنسا.

فهم لا ينطلقون على أساس أية إيديولوجية لا سياسية ولا دينية فقط نتيجة المهانات اليومية التي يتعرضون لها من البوليس بسبب مبرر أو غير مبرر وبسبب الصعوبات التي لا يجدون لها مخرجا بالحصول على عمل نتيجة سياسات عنصرية حقيقية في الاختيار برغم المساواة في الكفاءة من الآخرين.

وهناك إجماع من كل المسئولين عن مشاكل الفقراء يعيشون في حالة من اليأس والمهانة من انعدام العدالة الاجتماعية تجاههم واستخدام سياسة العنف البوليسي وحده كأسلوب للتعامل معهم.

ولا يمكن القول بان هناك استراتيجية في التخريب فهو يمس أيضا المدارس والملاعب الرياضية وكل ما يمثل ثروة أي لما هم محرومون منه. وكذلك فلا يمكن القول بان هناك تنظيم ما خلف الحوادث من الشمال إلى الجنوب ولكن محاكة لما يفعله الغير في المناطق الأخرى. فهم في النهاية أفراد لا يملكون ما يفقدونه. ولعل المخاطر تأتي من تحول الحركة من العشوائية إلى الحركة المنظمة وينضم إليها فئات كثيرة في حالة غليان.

ومن المخاطر أيضا زيادة الإساءة إلى صورة العربي المهاجر بالإضافة إلى الصورة المتكونة منذ 11 سبتمبر والتفجيرات التالية. ولذا فالجهات المهتمة بشؤون المهاجرين من جمعيات ومساجد تبذل جهودا ونداءا للكف عن العنف ولكن دون جدوى. ولقد أصدرت السلطة الإسلامية فتوى: " تحريم الإسلام للاعتداء على الآخرين حياتهم وممتلكاتهم" ولكن هذه الجماعات لا تعترف إلا بقوانينها الخاصة ولا تعترف بمثل هذه السلطات. إلى جانب أن أعدادا كبيرة منهم من غير العرب.

والخطر الآخر هو انتشار العدوى إلى الدول الأوربية التي ليست في أحسن حالا من فرنسا مثل المانيا وخاصة إلى كل من ايطاليا وأسبانيا. فقد تجد الفئات المهمشة في هذا النوع من العنف وسيلة لإيصال صوتها إلى المجتمع الذي لا يلتفت لمعاناتها.

وفي تدخله بعد عشر أيام من بدء الأحداث قال الرئيس شيراك " أن الجمهورية بطبيعتها أقوى من هؤلاء والأولوية هي لإعادة النظام والأمن وان العقاب لابد من تنفيذه على المتسببين في هذه الحوادث وان ذلك لا ينفي أن الجمهورية ستعمل على تحقيق شعارها في المساواة بين المواطنين.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك