الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > من الفاتيكان الى الخليج : تساؤلات فرنسية حول العلمانية وعسكرة المنطقة .. مصطفى نور (...)

من الفاتيكان الى الخليج : تساؤلات فرنسية حول العلمانية وعسكرة المنطقة .. مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي - القاهرة في 23 يناير 2008

الأربعاء 23 كانون الثاني (يناير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

من الفاتيكان الى الخليج : تساؤلات فرنسية حول العلمانية وعسكرة المنطقة

د. مصطفى نور الدين

فجرت زيارة الرئيس نيكولا ساركوزي(بين 13 و15 يناير) لدول الخليج الكثير من التساؤلات بفرنسا تقلق الرأي العام فيما يخص العلمانية ودور فرنسا في الاستراتيجية الدولية.

فالعلمانية هي ترك الدولة لأمور العقيدة بيد المحافل الخاصة بها وضمان حرية الممارسة دون تدخل منها من قريب أو بعيد.

ومنذ الحملة الانتخابية لم يخف ساركوزي تصورا خاصا بالأديان أكمل تجسيد له كان في زيارته للفاتيكان، في أواخر ديسمبر، ثم للسعودية في 13 يناير. ففي كل من المكانين الرمزيين بلور خطابا إيديولوجيا لم يحدث من قبل من رئيس فرنسا التي ينص دستورها على أنه حارس للعلمانية.

ففي الفاتيكان تحدث الرئيس عن "الجذور المسيحية لفرنسا.. وضرورة أن تلعب الديانة الكاثوليكية والتيارات الروحية الأخرى دورا في إرشاد المجتمع في اختياراته المستقبلية لغياب القيم مع التغيرات السريعة التي حدثت بالمجتمعات المتقدمة". وفي يوم 18 يناير في لقاء ساركوزي بسفراء الدول الأجنبية بباريس أعاد قوله بصورة جديدة فأشار أن البشرية تواجه تحديين كبريين هما البيئة وعودة الدين للغالبية من المجتمعات. "وأن المفهوم الذي يتصوره للعلمانية يعطي مكانة للدين بشكل ايجابي". وفي السعودية أفاض بالكلام عن المؤمنين بالديانات كحماية من "الضلال" والإرهاب. و"أن الله لا يستعبد البشر بل يحررهم".

وهذا الخطاب لا يمر في الغرب مر الكرام لأسباب متعددة. وأهمها أن الحضارة الغربية نتاج لثقافات متعددة وأديان أخرى غير الكاثوليكية إذ ساهمت فيها اليهودية والبروتستانتية والإسلام ... وكذا لأن التاريخ الإنساني عندما اخرج الأديان من "القمقم" ولم يتركها كعقيدة، يؤمن بها من يؤمن، واسلم لها الأمر لتقود سياسة الدول لم ينتج عن ذلك إلا الحروب الداخلية والخارجية.

في حديثه تناقض ساركوزي مع واقعه الشخصي فهو مطلق مرتين وهو ما ترفضه الكنيسة. وكثير من القوانين بالمجتمع تتنافى مع مبادئ الكنيسة مثل الإجهاض والعيش المشترك دون زواج ناهيك عن قانونيته بين شخصين من ذات الجنس وتشريع الموت الرحيم الذي يتطور في اتجاه إقراره كحق لمن يطلبه عند المعاناة الشديدة وغياب إمكانية الشفاء.

وسخرت جريدة "لو كنار انشينيه"، يوم 16 يناير، من الرئيس قائلة : "إذا كانت الحضارة الغربية مسيحية إلى هذه الدرجة فلم يبق أمام ساركوزي إلا حل جذري بتحويل الجمهورية إلى إمارة". وكتبت جريدة ليبراسيون "ساركوزي يحضر الكنيسة إلى الدولة". ففي حديثه عن الأديان يتناسى أنه رئيس لدولة علمانية ولا شأن له بالدين. فأن يمارس عقيدته كمواطن فهو حقه ولكن كرئيس دولة لا يجب عليه أن يستعين بالدين في السياسة إذ أن الفصل بينهما حدث منذ 1905.

ومنذ عيد الميلاد بدأ ساكوزي يستخدم مفهوما يدعو لتطبيقه عالميا وهو :"السياسة الحضارية" ويضع بداخله كل ما يتفق حوله كل إنسان سوي. فالمفهوم سطا عليه من كتاب يحمل نفس الاسم للمفكر الفرنسي ادجار موران. وتناولت عشرات المقالات من المفكرين والسياسيين تحليل أفكار الرئيس والرد عليها. ففي مقال ايريك لو بوشيه في جريدة لوموند يوم 19 يناير، تحت عنوان "ساركوزي، الحضارة و الاتساق" يقول :"إن ساركوزي أكثر الحكام مادية شهدته فرنسا فهو يحب المال ولا يخجله ذلك ثم يطلع علينا ليحدثنا عن الحب والرب.. وتكلم على أنه المرشح الذي يحقق الانقطاع عن الليبرالية واليوم يحدثنا عن القوة الشرائية وضرورة إضفاء الأخلاق على الرأسمالية المالية.. فلماذا الرأسمالية المالية فقط ؟ والرئيس عندما يتكلم عن الحضارة يتكلم عن المدينة والمدرسة والحس بالمسئولية والاحترام والتعاضد.. ومن يختلف حول ذلك ؟" ويقول الرئيس "إن فرنسا ستقوم بنهضة جديدة".. ليس أقل من ذلك.. هيا بنا لنبين الطريق ! إن فرنسا ليست بحاجة لنهضة جديدة ولكن إلى إصلاح قوي ومتسق."

إذ في الواقع ماذا يحدث كمثال للتناقض بين الخطاب والممارسة؟ شهد يوم 19 يناير مظاهرات من آلاف الفرنسيين في كل المدن الكبرى للدفاع عن المهاجرين الذين لا أوراق إقامة رسمية لهم بينما طرد وزير الهجرة والهوية الوطنية 25 ألف مهاجر هذا العام والهدف أن يصل الطرد السنوي إلى 28 ألفا وسوف يتم تقويم عمل الوزير على تحقيق هذا. فأين التعاضد ؟ وإبان الحملة الانتخابية بلغت نفقات ماكياج الرئيس أكثر من 34 ألف يورو. وساعة عمل "الكوافير" 450 يورو في حين أن الحد الأدنى للأجور 1250 يورو شهريا.. وكانت هذه التكاليف لسوجلين رويال، مرشحة الحزب الإشتراكي 52 ألف يورو. فإضفاء الأخلاق على ماذا ؟

واضطر هنري جواينو، المستشار الخاص للرئيس والذي يكتب خطبه، أن ينتقد الإعلام، في التلفزيون يوم 17 يناير، لهجومهم على ساركوزي ويتهم الصحافة بأنها لم تقتبس كما ينبغي وأن الرئيس علماني. ولكن قراءة دقيقة للعبارة التالية لجواينو هامة لرؤية ما الحضارة بدقة بالنسبة له إذ يقول :"إن خطاب الرئيس في الرياض كان ضرورة سياسية.. فالسعودية تلعب دورا في استقرار العالم، في سلام العالم، في العلاقة بين الغرب والإسلام... لأنه لو قامت غدا حرب دين وحضارة بين الإسلام والغرب فأنها ستكون كارثة كبرى للحضارة."

فرنسا الأمريكية

أما البعد الآخر الذي أثار الإعلام والسياسيين في زيارة الرئيس لدول الخليج فكان قضية بيع المفاعلات النووية للبلدان العربية وخاصة مسألة إنشاء قاعدة عسكرية دائمة في أبوظبي. فهذه الاتفاقية ردت على سؤال : ما دور فرنسا في السياسة العالمية اليوم ؟ فهي سياسة تحددت كما يريدها الرئيس بالتواجد حيث تتواجد الولايات المتحدة في بؤر الصراع في الشرق الأوسط وكذا حيثما يتواجد البترول كشريان للحياة الاقتصادية في الغرب. فساكوزي يعبر من شهور عن نيته عن تغير جوهري في العلاقة الفرنسية الأمريكية وإصلاح سلبيات الماضي بمعارضة الحرب ضد العراق بعنف في الخطاب السياسي مما ترك جرحا لم يلتئم. فالعلاج هو تلك الصداقة من جديد بين البلدين.

وهذا المعطى تجسد أولا في التقارب بشأن أفغانستان وبأن الفرنسيين هناك "يشاركون في حرب ضد الإرهاب لا يجب خسارتها". بحسب كلمات ساركوزي. وكذا فيما يخص المسألة اللبنانية بإيقاف التفاوض مع سوريا ووحدة الموقف متواجدة أيضا بشأن المسألة النووية الإيرانية وبشأن قضية دارفور.. ولأن كل تلك علامات صحة بين الدولتين فإن السماح لفرنسا لوضع قدم لها في الخليج العربي يصبح التتويج لعودة فرنسا إلى الحضن الأمريكي لتشاركه لما يعد له من حرب ممكنة ضد إيران وسوريا لتصفية أهم القوي المناوئة، من وجهة النظر الغربية، لاستقرار إسرائيل والحفاظ على سلامة منابع البترول في الدول العربية الحليفة في المنطقة.

ولا يختلف الكثير من المحللين في أن إقامة قاعدة عسكرية حدث فريد لم يحدث منذ فترة الاستعمار المباشر ففرنسا تحتفظ بقواعدها القديمة في بعض الدول الإفريقية الإستراتيجية.. ويلخص المخاوف من القاعدة الجديدة ما كتبه فليب لويماري، يوم 17 يناير، في موقع جريدة "لوموند دبلوماتيك" على انترنيت تحت عنوان :"قوة فرنسية في الخليج". ويتساءل :" هل اختار ساركوزي سياسة الحرب بتبني التصادم المباشر في أكثر بقع العالم "سخونة" ؟ ويضيف بأن :"البحرية الفرنسية ترسي قطعها الحربية 30 مرة في السنة بمواني الإمارات وأن القوة الجوية تنظم دورتين تدريبيتين بها كل سنة وأن المشاة يمارسون التدريب 25 مرة سنويا أيضا بالإمارات."

ويشار إلى أن بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة اتفاقية دفاع مشترك منذ 1994. يضاف لذلك وجود اتفاقيتين للدفاع المشترك بين فرنسا وكل من قطر والكويت.

ويعبر فرنسوا بايرو، زعيم يمين الوسط، عن تخوفه "إذ كانت فرنسا حتى الآن قوة توازن دبلوماسي وليست قوة عسكرية". وبحسب التصريحات الفرنسية الرسمية إن "الإمارات العربية هي التي تقدمت بطلب أن تقيم فرنسا قاعدة عسكرية دائمة على أرضها". وسيصل عدد الفرنسيين الدائمين بها نحو 500 جندي.
ومشكلة إضافية هو أن رئيس الجمهورية ليس من حقه تقرير ذلك انفراديا فلابد من موافقة البرلمان بعد مناقشة المسألة.

وفي 16 يناير كتب جان بيير بيران، مراسل جريدة ليبراسيون في أبوظبي :"أنه بحسب مصادر دبلوماسية (لم يحدد من أي دولة) هدف زيارة بوش وتوقيع تعاقد على شراء أسلحة بمبلغ 136 مليار دولار هو تقوية للجبهة المضادة لإيران. مع خلفية احتمال القيام بعمليات عسكرية ضد طهران."

فالسعودية قطب، بحسب ساركوزي، للاعتدال والاستقرار وحليف لا غنى عنه في المنطقة وجسر ضروري بين العالم العربي - الإسلامي والغرب". يضاف أن السعودية شريك اقتصادي هام وسبق أن وقعت، في أكتوبر الماضي، على عقود لشراء معدات دفاع جوي من فرنسا مع شركة (تاليس) بما قيمته 650 مليون يورو بالإضافة لشراء 72 طائرة مقاتلة من طراز (ايروفايتر) بنحو 7 مليار يورو مع شركة (ايدس) الأوربية. والقائمة لا تنتهي..

والمعروف أن للسعودية مشروع استثماري كبير ولذا اصطحب ساركوزي عشرات من رجال الأعمال "ليأخذوا نصيبهم مما تخصصه السعودية من أموال للعشرين سنة القادمة والمقدر بنحو 500 مليار دولار." بحسب جريدة لوموند يوم 13 يناير.

إذ تسعى فرنسا لتنفيذ مشروع تشييد خط حديدي للقطار سريع السرعة (300 كم في الساعة) بين مكة والمدينة بجانب مشروعات تخص الطاقة واستخدام الطاقة النووية السلمية والمياه. وليس هناك مشروعات اقتصادية متفق عليها مسبقا وسوف تتواصل المباحثات في المستقبل. فقط يتم اعتماد اتفاقيات تعاون لتدريب فنيين سعوديين وزيادة عدد المبعوثين للدراسة بفرنسا بجانب اتفاقيات ذات طابع سياسي بين الحكومتين. وانتهت الزيارة بوعود دون توقيع عقود و"عاد ساركوزي بيدين خاليتين" كما عنونت جريدة ليبراسيون افتتاحية يوم 14 يناير.

ولكن السعودية تهتم أيضا بفرنسا كمحل للاستثمار إذ "اجتمع مع ساركوزي 400 رجل وسيدة أعمال سعوديين.. لطرح الأسئلة حول مجالات الاستثمار بفرنسا ومعوقاتها وسبل تنميتها.

ولقد غابت اعتبارات الحساسية العربية-العربية عن تصرفات الدبلوماسية الفرنسية إذ بعد وصول ساركوزي للسلطة استقبل أمير قطر قبل ملك السعودية. ويعلق جان-بول بيرييه، المدير العام لشركة (تاليس) للمعدات الاليكترونية والدفاع الجوي: "أن السعودية سوق صعب نسبيا الآن لأنها تأثرت من العلاقة الحارة مع قطر والتي أبداها ساركوزي بعد انتخابه بأن يكون أميرها أول حاكم يستقبله من دول الخليج مع ما هو معروف بأن قطر تنافس السعودية في زعامة المنطقة. وزاد الأمر تعقيدا أن أمير قطر كان ضيف شرف فرنسا في احتفالات 14 يوليو."

وإن كان ساركوزي لم يعاود الحديث بتفصيل عن إيران إبان تواجده بالمملكة فقد كتبت صحيفة "الرياض" السعودية، في 13 يناير، بشأن الحوار الخليجي الإيراني إنه : " يقوم على الهدوء والواقعية بخلاف ما هو عليه الأمر لدى الطرحين الأمريكي والفرنسي... بل إن بلدان مجلس التعاون الخليجي اقترحت مؤخرا على إيران التعاون في مجال استخدام الذرة استخداما مدنيا... وإن زيارة الرئيس الفرنسي للمملكة وقطر والإمارات قد تسمح له بتغيير موقفه من الملف النووي الإيراني والتعامل معه من زاوية أخرى غير الزاوية الأمريكية.".

والسؤال هو كيف تستمر البلدان العربية في معارضة المخطط العدواني في المنطقة مع كل التسهيلات التي تتمتع بها من قواعد وإمداد بالبترول وبعد ما صرح به بوش لشبكة التلفزيون الأمريكية (إن. بي. سي.) يوم 11 يناير، بأن التواجد العسكري سيظل في المنطقة على الأقل عشرة سنوات أخرى ؟

والتقارب الفرنسي مع الخليج قديم وبعض المؤشرات تكفي لإظهار عمق العلاقة بين دول الخليج وفرنسا وأهمها أن 80 % من المعدات العسكرية بقطر فرنسية وأن شركة توتال مساهم أساسي في شركة قطر للغاز. ومن بين المشروعات العملاقة مع قطر كوبري طوله 40 كيلومتر يصل بين قطر والبحرين بتكلفة تصل لأكثر من ملياري دولار. وكذا شراء 60 طائرة مدنية من شركة ايروباص العام الماضي والذي اعتبرت أعظم صفقة تحققها الشركة في تاريخها في وقت كانت تمر فيها بصعوبات عالمية شديدة لعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بتسليم الصفقات المتفق عليها لبعض الدول الأسيوية.

ويقدر الخبراء بأن دول مجلس التعاون سوف تحتاج لاستثمار 50 مليار دولار في الطاقة نظرا للاستخدام المتزايد بها.

إن ما كتبه ساركوزي حول مفهومه للعالم العربي مفيد. ففي كتاب "شهادة" وهو أول برنامج في حملته الانتخابية لرئاسة الجمهورية في عام 2006 يقول عن هذا العالم بأن "سياسة فرنسية عربية كلام عديم المعنى" و "علينا تطبيق سياسة تتوافق مع كل منطقة من هذا العالم ولا نسقط في ضلال التوهم أنه عالم موحد لأنها وحدة خيالية". فهل يبني ساركوزي تصوره على وهم أم على واقع عجز الدول العربية على حل أي من مشاكلها في السودان وفلسطين ولبنان والعراق والصحراء الغربية ؟ والمأساة أن العرب يعاودن زرع القواعد الأجنبية على أرضهم في الوقت الذي تناضل فيه الشعوب للتخلص منها.. فهل حل الاستعمار الجديد نهائيا محل القديم وضاع نضال الشعوب من أجل مفاعل نووي كثمن بخس ؟

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك