الصفحة الرئيسية > انتخابات الرئاسة الفرنسية 2007 > فرنسا جمهورية ساركوزي... مصطفى نور الدين

فرنسا جمهورية ساركوزي... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) العدد 1311 - 24 يناير 2007

الأربعاء 24 كانون الثاني (يناير) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

فرنسا جمهورية ساركوزي... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) العدد 1311 - 24 يناير 2007

"جمهوريتي.. ديموقراطيتي.. فرنساي" أغنية جديدة أو تكاد.. "كلمات" تكررت عشرات المرات على لسان نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية، طوال خطابة (35 صفحة) في احتفال تكريس حزب "تجمع الحركة الشعبية" له كمرشح لرئاسة الجمهورية يوم 14 يناير. حفل لم تشهد فرنسا له مثيلا في البذخ وتبديد الثروات (تكلف نحو 3.6 مليون يورو فقط ). علاوة على ادعاء بتواجد 110 ألف حزبي في حين أن أفضل التقديرات، من مصادر جادة، تقول بثلث هذا الرقم.. وقد استخدمت كل الوسائل لجلب المواطنين من أقصى مناطق فرنسا بتذاكر سفر مدعومة بل ويقال أن من جاءوا من "كورسيكا" حجز لهم الحزب تذاكر الطائرة ذهابا وعودة (100 يورو للفرد) وقضاء ليلة بالفندق بباريس.

كان ساركوزي في حالة من الوجد وهو يلقي خطابه حيث تتابعت من حنجرته المختنقة بالشجن والانشغال بمصير البشرية، كل شعارات اليسار والمدافعين عن البيئة والمطالبين بنظام عالمي بديل.. تتابعت ولكن.. لأنه دائما هناك ولكن. كان مضمون الشعارات هو نقيضها ولم يخدع إلا السذج والأميين سياسيا. فالاستشهاد بعبارات من فيكتور هيجو وجان جوريس والبير كامي أثار السخرية. فهم ليسوا مرجعيته الفكرية بل هم من دافعوا عن الضعفاء وناهضوا الحروب.

قال "ساركو"، أسم الشهرة، أنه تغير .. الآن.. في التو واللحظة أمام هذا الحشد الهائل الذي اختاره.. لم يحلم كمارتن لوثر كينج.. لا.. أنه تحول لحظيا.. معجزة.. لم يعد ما كان ممثلا لحزب اليمين الديجولي الذي اختاره بإجماع، منذ دقائق، بل أصبح ممثلا لكل الفرنسيين من اليمين المتطرف إلى أقصي اليسار !

لعب ساركوزي الدور وكأن لديه قناعة بأن ما يقوله صحيحا.. ولكنها كانت استراتيجية مكشوفة. تحدث وكأنه المحلل النفسي للجماهير فتوجه لليمين المتطرف قائلا بأنه يتفهم انشغالهم بحال الوطن وعدم قدرتهم على التعبير ولذا يلجئون إلى التطرف ويدعوهم بالالتحاق به.. وذات الدعوة وجهها لليسار.. إذ، بحسبه، : "أن تكون جمهوريا يعني ألا تتكلم باسم فرنسا معينة ضد فرنسا أخرى ويعني أن ترفض صراع الطبقات وألا ترى فيمن تتناقض معه خصما بل شخصا يمكن التحاور معه للتوصل للاتفاق.

وبرغم أن جمهوريته الجديدة رحبة الصدر لكل الثقافات فان سهامه أطلقها بخبث على بعض المهاجرين من ثقافة بعينها دون ذكر الكلمة صراحة وفي ذات الوقت ليضرب أكثر من "عصفور بذات الحجر".. يقول: "لا أوافق أن يعيش بفرنسا من لا يحبها.. ومن لا يبذل الجهد ليتكلم لغتها.. ومن لا يحترم قيم وقوانين الجمهورية. فخضوع المرأة يتنافى مع قيمها فلا مكان فيها لمن يريدون أن يهيمنوا على نسائهم أو لمن يمارسون تعدد الزيجات و يمارسون ختان البنات". وتلك حرفيا نفس الكلمات التي يستخدمها اليمين المتطرف وانتقد بشدة ساركوزي لأنه يسرق شعاراته !

وهو في ذات الوقت اختيار لقضية لا يختلف حولها أي متحضر ليتقرب بها من الحركات النسائية المدافعة عن حقوق المرأة والتي تقول بتلك القضايا دون ربطها بعدم حق البقاء بفرنسا.

والجمهورية الحقيقية، وليست الخيالية، بحسب ساركوزي، "لا تمنح كل شيء بالتساوي للجميع ولكن تساعد أكثر من يعمل لإيجاد حل لأوضاعه وأقل لمن لا يريد أن ينشط. فهي لا تقبل من يعيش عالة عليها." وكأن الفقراء اختاروا الفقر حبا فيه. تناسى "الزعيم ساركو" أن أصحاب المشاريع يلقون آلاف منهم على الأرصفة كل عام ويغلقون شركاتهم وينقلون أعمالهم إلى البلدان التي تتوفر فيها العمالة الأرخص.

إن أقل ما يمكن قوله أن ساركوزي أهان مئات الآلاف من المواطنين حينما قال بأن "المساعدة مهانة لكرامة الإنسان".. إذ لا حول لهؤلاء ولا قوة فيما آلت إليه أمورهم. فهل على كل مواطن طرد من عمله أن يبتدع مشروعا رأسماليا ليعيش ؟

فرنسا الملاك :
ساركوزي يقترح : "جمهورية الطبقة الوسطى التي يجب أن تساعدها الدولة لتصبح مالكة لمساكنها بتخفيض الفوائد على القروض.. وان تكون فرنسا بلد ملاك. لأن الملاك يحترمون ملكيتهم وهي تأمين لمستقبلهم"..

التناقض الهائل في هذه القضية هي أن واحدة من مآسي المجتمعات الأوربية بما فيها الفرنسي تقع على ما تشكله مديونية الأسر كنسبة من دخولها. إذ وصلت مديونية الأسرة في فرنسا إلى 64 % من دخلها وتتراكم ألاف ملفات عجز تسديد الديون وتتدخل الدولة لجدولتها لكي لا يذهب الآلاف للسجون. وهي واحدة من المشاكل التي يدفع ثمنها الفقراء بعجزهم عن تسديد إيجار السكن والرمي بهم على الأرصفة. بل الأكثر أهمية أن "بنك البنوك المركزية الأوربية" أعلن عن قلقه من الممارسات البنكية بتسهيل منح القروض بفوائد منخفضة. إذ بعد فترات قصيرة تعجز الأسر عن تسديد الديون. وفي كل مرة تنخفض فيها الفوائد ترتفع أثمان العقارات والأسعار.. فمن المستفيد ؟

فساركوزي يتوجه للشباب بمسألة الملكية الخاصة لأن لها وقعا هاما حيث تتزايد بالفعل شرائح الشباب الذين يشترون عقارات برغم عدم قدرتهم عمليا على تسديد القروض.. وهذا التوجه ذو الطابع الاجتماعي يضيف له ضمان الدولة في ظل رئاسته لمساعدة الطلبة بإعطاء منح شهرية للدراسة للاستقلال عن الأسرة ثم بتقديم قروض بضمان الدولة بدون فوائد يسددونها بعد نجاح مشروعهم.

ففكرة الاستقلال عن الأسرة من هواجس الشباب مع بلوغ سن الرشد إذ تنمو لديهم هذه الرغبة منذ الطفولة في المنزل والمدرسة وتدعمها التشريعات.. ومن هنا يعرف ساركو الأثر الذي سيتركه كلامه عليهم.

لا الديجولية ولا اليسارية :
وهاجم "ساركو" اليمين الديجولي واليسار متهما الأول بإهماله للعمل كقيمة وخيانة الثاني للعمل. ففرنسا تعمل اقل من البلدان الأخرى في حين أن بقدرتها تحقيق العمالة الكاملة وهي الأيديولوجية التي أهملها اليمين. أما اليسار فقد خفض ساعات العمل الأسبوعي من 39 ساعة إلى 35. وخلق ساركو شعاره الجديد" إن الاشتراكيين يريدون أن يعمل الفرنسي أقل أما أنا فأريد أن يكسب أكثر.." ولذا فانه سيسعى لعدم تحميل أصحاب الأعمال نفقات ساعات العمل الإضافية وإعفاء العاملين من دفع ضرائب الدخل على هذه الساعات. ويقول: "أريد أن أكون الرئيس الفرنسي الذي يضمن لكل من يعمل أكثر ويخاطر أكثر ويكسب أكثر أن يحقق المزيد من الكسب". ووعد بقانون لضمان منح القروض لكل من يريد إقامة مشروعه الخاص..

إن انتقاد تخفيض ساعات العمل الأسبوعي تقول به الاشتراكية، سوجلين رويال أيضا. إلا أنه تلزم الإشارة أن أصحاب العمل هم الذين لم يقوموا بزيادة العمالة لتغطية النقص في ساعات العمل التي ترتبت على تطبيق القانون في الوقت الذي لا يمكن لأحد أن يقول بأن أرباح رأس المال لم تتضاعف. وهناك أسباب أخرى ليس هنا مجال التطرق لها.

وليس فيما يقوله ساركوزي أي تناقض فهو منحاز لطبقة يعينها. فجمهوريته سوف تخفف فيها أعباء الضرائب عن من يخلقون العمالة وتفرض الضرائب على الاستهلاك ! أي فرض الضرائب غير المباشرة على الشعب بأكمله دون تمييز لما يستهلك ومدى ضرورته ومستوى دخله.. فهو يحمي رأس المال بتخفيف الضرائب على الربح "لكي لا يهرب للخارج.."

وهدف استراتيجية ساركوزي هو " إضفاء الأخلاق على الرأسمالية التي لا يمكن أن تستمر دونها.. رأسمالية لا تأخذ الدولة كل ما تربحه ولا يكسب الفاشل فيها أكثر من الناجح."

جمهورية النخبة :
والجمهورية الحقيقية هي التي يحترم فيها التلميذ المعلم ويقف عندما يدخل صالة الدرس وألا ترتدي الفتاة الحجاب ولا الصبي الكاسكيت ! وهي الجمهورية التي تقدم التعليم لكل شخص ولا تخشى إتباع سياسة الانتقاء ولا النخبة التي تشكل ثمن النجاح الاجتماعي. فهي مدرسة التفوق بامتياز وليست مدرسة المساواة بين الجميع.

والجمهورية ليست المطالبة بحقوق فقط وإنما الالتزام بواجبات أيضا.. وبأنه سيقترح ألا تمنح أي مساعدات اجتماعية دون أن يقابلها عمل للنفع العام ممن يتلقاها. ويقترح أن تحسب في فترة المعاش الشهور التي أعطتها الأم في المنزل لتربية الأطفال. وأن تتكفل الدولة بتربية الأطفال الذين يصعب على أسرهم تربيتهم.

والقطيعة التي يسعى لها ساركوزي يبلورها بانتقاد لفرنسا الراهنة مستغلا كل الأزمات وكأنه لم يشارك فيها بشكل أو أخر كجزء من النظام الحاكم. فينتقد قائلا: "الجمهورية الخيالية هي التي تقول بحق كل إنسان في مسكن ولا تشيد المساكن وتقول بحق كل شخص في عمل وتتنازل عن فكرة العمالة الكاملة وتتكلم عن العمل كقيمة وتحبطه وتتكلم عن ضرورة الخدمات العامة وتترك المواطنين كسجناء في قبضة المضربين عن العمل وتتكلم عن حرية حركة المواطنين وتسوق المبررات لمرتكبي الجنح وتتساهل معهم."

فساركوزي يهاجم حق الإضراب عن العمل الذي يكفله الدستور الفرنسي كركن جوهري من حق التعبير النقابي للدفاع عن مصالح العاملين. ويعتبر الإضراب احتجازا للمواطنين كرهائن للمضربين. أي يعتبره وكأنه عمل إرهابي. ويعد بتغيير القانون لفرض حد أدنى من الخدمة العامة لمواجهة الإضراب.

ومن ناحية أخرى فمعركة ساركوزي التي شهرته هي مسألة الأمن الداخلي ومواجهات الأمن المركزي مع أطفال الضواحي وأغلبهم فرنسيين من أولاد المهاجرين ويعيشون في ظروف صعبة. ثم نجاحه أخيرا في تمرير قانونه الجديد لمحاكمة الأطفال الأدنى من 16 سنة كما لو كانوا بالغين وتوقيع العقوبة عليهم في ذات يوم القبض عليهم حتى ولو كانت تلك أول جنحة ترتكب ودون البحث عن الأسباب وتقديم الحلول الإنسانية والاجتماعية لهم.

العالم بحسب ساركو :
صالح ساركوزي من رفضوا الدستور الأوربي بمطالبة من وافقوا عليه بتفهم موقف من رفضوه. فهو بحاجة لهذه الأصوات. ففرنسا بحاجة لأوربا و إلا فقدت كل وزنها في قلب العولمة. وإذا لم يتحقق الاتحاد الأوربي يصبح "صدام الحضارات" أكثر احتمالا ويهدد البشرية برمتها". ويقترح أن يتم اعتماد البرلمان الفرنسي لدستور أوربي مبسط أي لا يعيد إلى الشعب حق إقراره أم لا في استفتاء شعبي. وهو يريد أوربا ذات حدود واضحة وبدون "حصان طرواده".. إذن.. "يرفض انضمام تركيا للاتحاد الأوربي"..

وطالب ساركوزي بوحدة لبلدان حوض البحر المتوسط وإقامة علاقات طيبة معها. أن يكون لتركيا في هذه الوحدة دورا.. ولم يقل هل يعني "شرق أوسط جديد" على النمط الأمريكي أم لا ولكن تلزم الإشارة إلى أن ساركوزي متحيز "قلبا وقالبا" لإسرائيل وإن كان يطالب بحل الصراع هناك فلا يقول تفاصيل. وهو يساند الخط الأمريكي في لبنان وكان "عتبه" للسياسة الإسرائيلية إبان الحرب الأخيرة ضد لبنان مصحوبا "بغمزة عين".. أي واصلي الحرب لأنه حسبما قال "إن إسرائيل تدافع عن نفسها وان حزب الله هو المسئول.". فحزب الله بحسبه تنظيم إرهابي لأنه يقذف صواريخه ضد المدنيين ولارتباطه بإيران".

و"تغير" موقف ساركوزي من الولايات المتحدة..! ففي خطابه الأخير النقيض لما قاله طوال شهور بانتقاده للسياسة الفرنسية ومواقفها المعارضة للولايات المتحدة. وهذا التغير ناتج عن الانتقادات الكثيرة التي تعرض لها من قبل كل القوى السياسية التي تقر بان استقلال القرار الفرنسي من المكاسب التاريخية التي لا يفرط فيه أي توجه حزبي. وكذلك لأن الكثير من الديجوليين يفكرون في الانصراف عنه والالتحاق إما بحزب "يمين الوسط" الذي يتزعمه فرانسوا بايرو أو غيره.

وجاءت كلمات ساركوزي مدهشة للجميع إذ انتقد الولايات المتحدة الصديقة واعتبر حربها ضد العرق غلطة وحيا سياسة جاك شيراك برفض الاشتراك فيها. ولكنه لم يقل إلا كلمة غلطة ولم يذهب في النقد بعيدا مثلما فعل شيراك في خطابه الأخير يدعمه في موقفه تقرير بيكر- هاملتون.

وكاد ساركوزي أن يصبح من المدافعين عن العالم الثالث وشرط نجاح العولمة الاقتصادية بتحقيق التنمية المستديمة في البلدان الفقيرة والتنمية المشتركة والحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية وتوزيع المياه واستخدام التكنولوجيات النظيفة وفرض الضرائب على الملوثين للبيئة.

وليس بموقف إيديولوجي القول بان وسائل الإعلام، المملوكة لتكتلات صناعية كبرى، تساند ساركوزي ورويال كاختيار. فالهيئة الرسمية التي تراقب توزيع مدة كلام كل مرشح في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية تقر في التقرير الأخير أن 38 % من الوقت يعطى لساركوزي و 25 % لرويال و 8 % فقط لمرشحة الحزب الشيوعي. ويمكن إضافة أن المواطنين لم يشاهدوا إلا وجوه بضعة مرشحين مألوفة تاريخيا بينما الغالبية من 38 مرشحا لا يعرف عنها أي شيء.

ويضاف أنه تكفي نظرة سريعة على المواقع الخاصة على انترنيت للمرشحين لاكتشاف الاختلاف الهائل بين موقعي ساركوزي ورويال ومواقع باقي المرشحين إذ وراء هذين الموقعين إنفاق هائل ونوعية ممتازة بينما الآخرين لهم مواقع بدائية.

وإذا كانت جمهورية ساركوزي الرأسمالية الفاضلة تغذي أحلام من يطمعون في أن يتحول الشباب من "الحلم الأمريكي" إلى "الحلم الفرنسي". فماذا تقدم الأحزاب الأخرى في برامجها لمواجهته؟ ولماذا يستمر تمزق اليسار الفرنسي ؟ وما الاختيار المقبل للمواطنين هل هو تداول السلطة وعودة الحزب الإشتراكي ؟ أسئلة كثيرة !


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك