الصفحة الرئيسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > ساركوزي في مصر وخلط الشخصي بالعام... د. مصطفى نور الدين

ساركوزي في مصر وخلط الشخصي بالعام... د. مصطفى نور الدين

بشر بجريدة التجمع - القاهرة - 9 يناير 2008

الأربعاء 9 كانون الثاني (يناير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

ساركوزي في مصر وخلط الشخصي بالعام... د. مصطفى نور الدين

جاء العيد على فرنسا بتجديد. ليبرالية جديدة يقودها يمين صارم. فحصاد العام السالف كشف عن نية السلطة الحاكمة بمواصلة الحد من حقوق الغالبية من المواطنين في معظم نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية ومواصلة منح رأس المال المزيد من المزايا. وانتهى العام بغرام جديد لرئيس الجمهورية من كارلا بروني (عارضة الأزياء سابقا ومطربة حتى إشعار آخر). أو بالاحرى انتهى العام بحداد قصير على سيسليا بعد حب عشرين سنة كزوجته الثانية وساعده الأيمن حتى عشية وصوله للسلطة ثم إعلان طلاقهما في 18 أغسطس الماضي. وهذا الحدث جعل من مصر بؤرة التفت الإعلام إليها بصورة فوق العادة. ليس للتطرق للمشاكل الاقتصادية أو الاجتماعية أو حرية الصحافة أو حقوق الإنسان... لا. فالفرنسيون يعشقون مصر ولا يرون إلا محاسنها فكل شيء على ما يرام في المحروسة. فالاهتمام كان على شكل يوميات سياحية للرئيس وصديقته الجديدة من الأقصر إلى شرم الشيخ ومن وادي الملكات إلى وادي الملوك...

وما يستمر مثيرا للتساؤل في الصحافة هو مدى صلابة علاقة الرئيس وكارلا بروني. فإبان انتخابات الرئاسة في يونيو الماضي كانت ميولها نحو انتخاب الاشتراكية سوجلين رويال برغم أنها لم تنتخب لأنها إيطالية. وعارضت كارلا سياسة ساركوزي إذ شاركت في حملة التوقيعات ضد قانون فحص الجينتيك للمهاجرين. علاوة على "إحساسها بالملل من أحادية الزوج" بحسب مقابلة تمت معها منذ فترة بجريدة الفيجارو الفرنسي.

والهجوم الأساسي الذي شغل وسائل الإعلام والسياسيين تركز على خلط الرئيس لما هو شخصي وما هو عام. إذ من تكفل برحلته السياحية لمصر هو صديقه "فانسان بولوريه" (الملياردير رقم 451 على المستوى العالمي وثروته تقدر بأكثر من 6 مليار يورو). فهذا الملياردير هو الذي وضع تحت تصرف الرئيس طائرته الخاصة (طراز فالكون 900). وهو نفس الملياردير الذي سبق ونقل الرئيس وزوجته السابقة سيسليا وابنهما لوي، بنفس الطائرة إلى مالطا ثم قضاء عدة أيام على يخته الخاص غداة انتصار ساركوزي في انتخابات الرئاسة.

والسؤال وما المشكلة ؟ الإجابة هي أن الدولة زبون لرجل الأعمال الكبير فهي تتعاقد معه على إنجاز الكثير من الأعمال. وان رئيس الدولة ليس بشخصية عادية في الاعتماد على خدمات رجل أعمال حتى لو كان صديقه. فبقدرته شراء تذكرة سفر مثل أي مواطن أو استخدام طائرة الرئاسة التابعة للقوات المسلحة. وأكثر فهذا الملياردير يسيطر على جزأ هام من الشركات في العالم في صناعة السيارات الكهربائية والسينما وورق السجاير اللف ودور نشر ووسائل الإعلام من صحف قومية وصحف مجانية وشبكات تلفزيونية وراديو وله تأثير في طرد صحافيين من جرائده لتناولهم لأمر يخص الرئيس وكذا عدم نشر أخبار تتعلق به. وتلك قضية تناضل ضدها النقابات الصحفية بالمطالبة بعدم استمرار سقوط كل وسائل الإعلام في أيدي كبار أصحاب الأعمال وتجار السلاح كما هو الحال الآن لما لذلك من مساس بحرية الصحافة.

وجاء النقد حادا من المعارضة بشأن زيارة مصر. إذ قالت سوجلين رويال أن "ساركوزي يشكك في استقلال وظيفة الرئيس وشرفها" وقال فرنسوا هولاند سكرتير الحزب الاشتراكي : "إن الساركوزية نرجسية وأن السنة تنتهي بانحدار في الديمقراطية فلم يسبق لرئيس أن أستغل الإعلام كما يفعل ساركوزي" وأضاف أرنو مونتبور شخصية قيادية وبرلماني من نفس الحزب بان "الساركوزية شمولية". وعلق الحزب الشيوعي بأنه "على الرئيس أن "يتحفظ قليلا. فسلوكه غير لائق". وقالت المنظمة الشيوعية الثورية أن هذا التصرف "إثارة" و"ساركوزي يطبق سياسة الملياردير طول السنة وفي المقابل يدفع له الملياردير رحلة لمصر".

ويثير سلوك الرئيس في الحكم وعلى الصعيد الشخصي المعلقين والسياسيين إذ يسبق اسمه في المقالات سمات متعددة منها : (الرئيس دائم التواجد) و (نيكولا الأول) وفي جريدة "لوموند" يوم 5 يناير الجاري، كتب المحلل "باتريك جارو" تحت عنوان : (نرجسي خادم الدولة) يقول: "إن الساركوزية نرجسية دون شك ومن الصعب احتمالها". فالرئيس يتواجد في كل كبيرة وصغيرة من الشؤون ولا يكاد يترك للوزراء دورا يلعبونه في أمر يخص مجالهم. وفي تسجيل غير مقصود، انتشر على انترنيت، لحديث شخصي مع رئيس الوزراء، فرنسوا فيون، سأله الصحفي :"لماذا لم تذهب أنت لمعالجة المسألة الفلانية؟ فأجاب :"أحيانا أقرر ذلك فيكون هو (الرئيس) قد ذهب وفي كثير من الأحيان لا يريد أن يذهب شخص آخر غيره". فهذه الأسلوب الملكي كما يسميه البعض والوجود الدائم في كل شيء دفع الصحف أن تعلن اتخاذ موقفا بإصدار الصحف يوما "بدون ساركوزي".

أما التعرض لمصر إبان الزيارة فكان للإثارة ولذكر بعض نوادرها ومنها ما إثارة النائب جمال زهران عن "الإباحية" في حضور الرئيس الفرنسي في ارض الأزهر مع صديقة ليست زوجته. وكذا ذكرت جريدة لوموند، "إن الإعلام المصري اكتفى مثل العالمي بنشر صور الرئيس وخطيبته كما يطلق عليها في مصر. ولم تنس ذكر تعليق الشيخ طنطاوي بقوله إن: "كانت فرنسا فرضت عدم لبس الحجاب على المسلمات لأنه اغتصاب المؤسسات العامة فان ساركوزي يغتصب مصر بحضوره مع سيدة ليست زوجته". ولكن الجريدة أشارات إلى "أن المصريين متحفظون حيال سياسة ساركوزي العربية نتيجة مواقفه المنحازة للولايات المتحدة وإسرائيل".

وشدد الإعلام على نادرة إطلاق الرصاص في الهواء على مصوري الصحافة في قارب بالبحر حاول الاقتراب من المركب الذي يستقله ساركوزي وصديقته في شرم الشيخ وكذا سوء حظ مصور من وكالة الأنباء الفرنسية بكسر شرطي سري لزراعه لاقترابه 10 أمتار خلف ساركوزي وكوشنر، وزير الخارجية، أثناء ممارسة العدو (الجري) في شرم الشيخ. ولم يذكر في الصحافة كلمة عن الأوضاع في مصر وربما الاستثناء كان في برنامج إذاعي بث الساعة الرابعة صباحا إبان الزيارة في "راديو فرنسا الثقافي" فيه تعرض بعض المراسلين في مصر والباحثين عما يدور بشأن الحكم بسجن الصحفيين والإضرابات واعتقالات لبعض الأخوان المسلمين وما يثار حول الأقباط والمسلمين من مشاكل. ويلحظ أن زيارة ساركوزي للأردن يومي 5 و6 يناير لم تثر مشاكل بينما بدأت تثور مشاكل في الهند التي سيذهب الرئيس إليها في 26 يناير في زيارة لمدة خمسة أيام. فوزارة الخارجية الهندية لا تعرف كيف تتصرف حيال كارلا بروني في الاحتفالات الرسمية بإصدار الدستور الهندي عام 1950 والتي سيكون ساركوزي ضيف الشرف بها.

ويمكن القول بأن الزيارة لمصر لم تتمتع بتغطية مكثفة في الإعلام على صعيد الأوضاع الداخلية اقتصاديا، كما كان الأمر في زيارة ساركوزي لبلدان المغرب العربي، لان لفرنسا مكانة هامة في مصر إذ تعتبر المستثمر الأجنبي الخامس من حيث الكبر بعد الولايات المتحدة وبريطانيا والإمارات العربية والسعودية. فيقدر أن لفرنسا 95 شركة بمصر برأس مال يقدر بنحو 3 مليار يورو وعمالة تصل إلى 40 ألفا.. وان كان التعرض لمسألة التعاون النووي طرح فالخبراء بحسب جريدة "لوموند"، يوم 7 ديسمبر، يقدرون بان التعاون سيكون اقل نفقة لمصر لو تم مع روسيا أو الصين واليابان. وكذا لم ينشغل الإعلام بالمسألة لأنه مجرد حوار ولم يصل بعد إلى تعاقد. وكشفت جريدة "شالانج" الاقتصادية الأسبوعية الفرنسية، يوم 3 يناير الجاري، أن "شركة اريفا" المتخصصة في الصناعة النووية، تنوي تطوير المفاعلات النووية "الجيل الثالث" والتي تحلم بتصديرها إلى دول أوربا الشرقية وبريطانيا والجزائر ومصر". وجدير بالإشارة أن بعض دول الاتحاد الأوربي أعلنت اعتراضها وتخوفها من إدخال الاستخدام النووي السلمي للبلدان العربية ونفس الموقف جاء من بعض المنظمات المدافعة عن البيئة التي ترى فيها تهديدا للبيئة وأخرى أنها تفتح الباب لامتلاك السلاح النووي.

فالزيارة لمصر كان لها طابع سياسي أكثر بانشغال ساركوزي بحلمه في "اتحاد حوض البحر المتوسط" ويرى أن مصر يمكن أن تلعب الدور الأساسي خاصة بتسهيل تقبل إسرائيل في قلب المشروع نظرا لسياسة التطبيع الرسمية وبالتالي مواجهة الرفض الليبي بثقل اكبر تأثيرا.

والجانب الآخر من الطبيعة السياسية كان الهجوم على سوريا وقطع جسور الحوار معها لحين إثباتها تسهيل حل مسألة الرئاسة اللبنانية. وهذا الموقف يتناقض مع ما يصرح به ساركوزي بأنه يتحاور مع جميع الأطراف. فكأن من يحاوره عليه بقبول وجهة نظره مسبقا أو أن العلاقات الدولية بين دولتين تحددها علاقة كل بلد بجيرانه. فقراره الأخير يعيده إلى الموقف الذي كان قد اتخذه الرئيس السابق، جاك شيراك، الذي قطع الحوار مع سوريا غداة اغتيال صديقه الرئيس رفيق الحريري. وهذا التردد في السياسة الفرنسية نجده حيال المسألة الإيرانية التي كانت فرنسا في ظل شيراك من أتباع الحوار الأوربي مع إيران (بصحبة بريطانيا وألمانيا وروسيا). ثم حدث تغير بقطع الحوار بعد المصالحة الأوربية الأمريكية بشأن الحرب ضد العراق والتي عارضتها سابقا فرنسا وألمانيا وروسيا. وساركوزي بهذا الموقف الجديد يسير قدما بقدم مع السياسة الأمريكية فإذا شدت شد وإذا أرخت أرخى ومثال عودة العلاقات الفرنسية - الليبية احد الأدلة.

وفي السياسة الخارجية المتضاربة يمكن ذكر أن الأفكار التي شدد عليها ساركوزي عشية وصوله لرئاسة الجمهورية هو انسحاب القوة الفرنسية من أفغانستان. وبعد زيارته للبيت الأبيض كرئيس غير موقفه وقال بان الفرنسيين باقون في أفغانستان طالما كان الأمر ضروريا. وكذا في زيارة ساركوزي لأفغانستان عشية عيد الميلاد أكد على "استمرار الوجود الفرنسي إلى اجل غير مسمى."

وجاء توقيت زيارة ساركوزي لمصر مصادفة حسنة له في وقت الحكم بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة 8 سنوات على الستة فرنسيين المتهمين بنقل 103 طفلا من تشاد ودارفور بدعوى إنقاذهم الإنساني ولكن كان ليتم تبنيهم من اسر فرنسية. فمصادفة تواجد ساركوزي بمصر سمحت له بعدم الالتزام بتعهده بالذهاب بنفسه لمصاحبة الفرنسيين لإعادتهم في أي الأحوال. فمن غير المنطقي أن يصحبهم كسجان. لكن كشفت صحيفة "لو كنار انشينيه"، يوم 26 ديسمبر، عن أن الحكومة الفرنسية وافقت يوم 20 ديسمبر على تصدير عدة مئات من صواريخ (ميلان) التي تصنعها شركة تابعة لشركة "اديس" الأوربية لتشاد. فهل لهذا علاقة بسرعة محاكمة المتهمين من جمعية "ارش دو زوي" ونقلهم لفرنسا قبل أعياد نهاية السنة ولقضاء فترة العقوبة في ارض الوطن ؟ ويشار إلى أن المساجين سوف تعقد لهم محاكمة أخرى في هذه المرة من قبل الأسر التي تضررت من العملية بدفع مبالغ كبيرة للحصول على طفل. ويحتمل أن يتعقد الأمر أيضا إذا قدرت الدولة انه تم تجاوزات للقانون بهذه العملية والإساءة إلى سمعة فرنسا عالميا.

وفي خطاب ساركوزي، يوم 31 ديسمبر الماضي، للتهنئة بالعام الجديد أعاد التأكيد على مواصلة ما يسميه "الإصلاح" الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي الذي بدأ. وأن العالم ينتظر عودة فرنسا إلى المسرح العالمي بقوة. وان هذا الإصلاح ضروري لان "عالمنا القديم (أوربا) بحاجة إلى نهضة" !


عرض مباشر : الاهالي

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك