موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الهجرة > ساركوزي يتعهد بمطاردة المهاجرين...مصطفى نور الدين

ساركوزي يتعهد بمطاردة المهاجرين...مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي - القاهرة 14 مارس 2007

الأربعاء 14 آذار (مارس) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

ساركوزي يتعهد بمطاردة المهاجرين...مصطفى نور الدين

النص الكامل.. نشر قسم فقط بالاهالي :

نشر بجريدة الاهالي - القاهرة 14 مارس 2007

الحرب الضروس على رئاسة الجمهورية الفرنسية بلغت حد المأساة والخجل بتصريح نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية ومرشح اليمين الجديد، بأنه بوصوله للرئاسة سيعين وزيرا للهجرة والهوية الوطنية. فلو كان الأمر توقف عند تسمية وزير للهجرة لمر الأمر إذ قد يفهم أنه سينظمها ويخطط لها بحسب حاجات الاقتصاد الفرنسي حسب نظرية ساركوزي عن الهجرة المختارة. وجاءت إضافة كلمتي هوية وطنية لتعيد للذاكرة كل تاريخ الماضي العنصري الذي يميز بين الفرنسيين على أساس الجنس أو الدين..

وفتح ساركوزي على نفسها نار الغضب من كل صوب. من كل الأحزاب وجمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان ومناهضة العنصرية. وأجمع الكل على إدانته. فقال منافسه من يمين الوسط، فرنسوا بايرو، أن ساركوزي تجاوز الحدود. وأضاف فرنسوا هولاند، سكرتير الحزب الاشتراكي، انه تبنى بالكامل أطروحة الحزب اليميني المتطرف، الجبهة الوطنية، ويغازل ناخبيه.

ووصفت سوجلين رويال، مرشحة الحزب الاشتراكي، فكرة ساركوزي بأنها حقيرة. إذ كيف يتم التمييز بين المواطنين وهويتهم الفرنسية ولماذا يحرم منها العمال المهاجرين الذين يقومون بأعمال يرفض الفرنسيون القيام بها. فهم ككل مواطن يساهمون في زيادة النمو الاقتصادي. وأن المهاجرين لم يتسببوا في تهديد للهوية الفرنسية في أي لحظة تاريخية.

و جاء تعليق ماري جورح بيوفيه، سكرتيرة الحزب الشيوعي ومرشحته للرئاسة، أن فكرة ساركوزي انزلاق جديد من قبله وأنه يعطي سندا لشعارات اليمين المتطرف. وأنه عار أن يأتي على لسان مرشح لرئاسة لجمهورية الفرنسية إذ يعيد للذاكرة أحلك صفحات تاريخ فرنسا المعاصر إبان الحرب العالمية الثانية. أي حينما سلمت فرق الجستابو والبوليس اليهود إلى الاحتلال النازي وكأنهم ليسوا بمواطنين يحملون الهوية الفرنسية. وأن أفكار ساركوزي تدلل على أنه شخصية سياسية خطرة على الجمهورية.

وأدانت جمعيات حقوق الإنسان ساركوزي الذي تناسى أن واحد من كل أربعه من الفرنسيين ينحدر من أب أو جد مهاجر.

وليست تلك هي المرة الأولى التي يتبنى فيها ساركوزي أطروحات نقلها حرفيا من اليمين المتطرف فيما يتعلق بالمهاجرين ومشاكل الأطفال الذين ارتكبوا الجنح أو العنف.
فشعاراته التي رفعها منذ شهور مثل : نحب فرنسا أو نغادرها.. لا مكان في فرنسا لمن يذبحون الخرفان في البنوار.. ولا لمتعددي الزيجات أو من يمارسون ختان الفتيات.. أو من يريدون فرض هيمنتهم على النساء الخ كل هذه الشعارات هي حرفيا التي ترددها أحزاب اليمين المتطرف العنصري بزعامة جان ماري لوبن وفيليب دو فيليه.

فما ينساه من يرفعون تلك الشعارات العنصرية هو أن سكان فرنسا خليط من بلدان أخرى مثل ايطاليا والبرتغال وأسبانيا بلدان أوربا الشمالية ... بجانب أن نسبة كبيرة من الفرنسيين نساء ورجال تزوجوا من مهاجرين أتوا من تلك البلدان بجانب من أتوا من البلدان العربية والأفريقية والآسيوية. فالأجيال الأولى من المهاجرين وأولادهم وأحفادهم لا يجدون أن تلك الشعارات تعكس فلسفتهم في الحياة. فالعنصرية المتواجدة بالفعل تمارسها مؤسسات أو ملاك عقارات وليس الشعب العادي الذي يتجاور يوميا مع الآخرين. فالعنصرية خلقتها الدولة بالإهمال لشؤون هؤلاء المواطنين وبالطرد المركزي الناجم عن حالات الفقر وما تؤدي إليه من تركز السكان الفقراء والمهاجرين في هوامش المدن التي أهملتها الحكومات من كل التيارات السياسية.

وتأتي تصريحات ساركوزي لتواكب الصعود الذي أدهش كل وسائل الإعلام لمكانة فرنسوا بايرو، يمين الوسط، في استطلاع الرأي العام بحيث لم يعد يبعده عن رويال وساركوزي إلا صوت أو اثنين وليحتل المرتبة الثالثة. وسبب هذا الصعود المفاجئ إرباكا لدي كل من الحزب الاشتراكي واليميني.

ويلزم هنا التذكير بافتراضية إبعاد يسار اليسار عن دخول المنافسة وما قد يؤدي إليه من امتناع جمهوره عن التصويت و انتصار ساركوزي الأكيد في هذه الحال.. ولكن استطلاعات الرأي العام الدورية أعطت افتراضية أخرى وهي ممارسة فرنسية أصيلة بعقاب الأحزاب التي تتخلى عن المطلب الجماهيري. وكل تاريخ فرنسا يثبت ذلك منذ حركة الطلبة عام 1968 عندما فقد الجنرال ديجول الحكم بعد الاستفتاء الشعبي الذي طرحه ليستمر في السلطة أم لا. وتوصلت سياسة العقاب للأحزاب السياسية من كل التوجهات حينما لا تعكس ممارستها مطالب المواطنين وكان أخرها رفض الدستور الأوربي.

فالقفزة التي يحققها فرنسوا بايرو تبرهن على حالة الغضب العام على اليمين الجديد والحزب الاشتراكي ويسار اليسار.

يمكن وضع هذا التلخيص تحت عنوان تغير المواقف من النقيض للنقيض لدى التيارات السياسية المذكورة بحسب الجمهور الذي تريد جذبه. ففي الشهور الأولى من الحملة الانتخابية ركز كل من نيكولا ساركوزي وسوجلين رويال على جذب أصوات اليمين المتطرف.

وركز ساركوزي على مهاجمة السياسة الفرنسية الديجولية كورقة أساسية في حملته وتقديم نفسه كتجديد مطلق وقطيعة تامة مع ماضي وحاضر الجمهورية الفرنسية في السياسة الداخلية والخارجية. وبلور تجديده بنقد حاد لسياسة الحكومة التي يحتل فيها منصب وزير الداخلية. وأطلق سهام النقد لرئيس الجمهورية جاك شيراك بصورة مستمرة وكذا ضد دومينيك دو فيلبان، رئيس الوزراء . وكانت انتقاداته حادة بشأن الخلاف الفرنسي مع السياسة الأمريكية.

واليوم استبدل ساركوزي أطروحاته بنقيضها. فبدأ يغازل سياسة شيراك الخارجية وحكمة قراره بعدم السير وراء أخطاء الولايات المتحدة في حرب العراق التي كان يراها بالأمس ايجابية.

هذا التردد مرجعه احتياجه للمصالحة مع التيار الديجولي الذي يمثله كرئيس للحزب اليميني الحاكم إذ ليس بمقدرته أن يمح تاريخ طويل وعميق بجرة قلم أو صرخة من فوق منبر. فسلوكه الأول هدد بانفراط الحزب من حوله بتقدم مرشحين آخرين وذهاب غيرهم للأحزاب الأخرى خاصة يمين الوسط الذي يشارك في التحالف اليميني الحاكم.

فالتبدل من برنامج سياسي إلى نقيضه أو على الأقل التراجع عما ردده طوال شهور كخصوصية انقلابية فوقية ضد اليمين الذي يشكل جزءا منه هز صورته التي كانت تلوح كتفرد متعجرف في بعض مظاهره.

ويمكن قول أشياء مماثلة بشأن سوجلين رويال التي استهدفت جماهير اليمين المتطرف في أول شهور الحملة ثم عاودت طرح قضايا متوازنة وتتميز بالنسبية لتجلب أصوات اليسار بكل فرقه في ظل تشتت يسار اليسار.

ومن السلبيات التي ارتكبها الحزب الاشتراكي انه لم يتعلم الدرس من فشله في تعبئة جماهيره إبان الاستقتاء على الدستور الأوربي. وظلت عودة من انشقوا عنه إليه غير مفهومة لان شيئا لم يستجد لتتم مصالحة بين الطرفين.

وكان أحرى بالمنشقين باستمرار حفاظهم على هويتهم الجديدة بتحالف واسع مع قوى يسار اليسار الأخرى وابتداع حزب سياسي يتبنى الفلسفة الجديدة التي تمخضت عنها موجة رفض الدستور. ولكن الأنانية الحزبية والحنين للارتباط بالماضي الحزبي هو ما غلب.

ولكن أهم المتناقضات بداخل الحزب الاشتراكي هي أن من كانوا بالأمس ضد رويال هم اليوم الذين يدافعون عن برنامجها. فمن كان يرفض ترشيحها يناصرها مثل ليونيل جوسبان، رئيس الوزراء سابقا، الذي كان يسعى للترشيح وتراجع. وأكثر سوءا هو وضع كل من لوران فابيوس ودومينيك ستروس- كان. فكلاهما طمحا أن يختاره الحزب كمرشح للرئاسة. وفي المناظرات العامة في التلفزيون بين ثلاثتهم عارضا كلية سياسة رويال وفلسفتها وبرنامجها.. وبعد أن اختارها الحزب انضموا إلى الطاقم الذي يصحبها في الاجتماعات الشعبية ليدافعوا عن البرنامج الذي كانوا يرفضونه بالأمس وتناقضوا مع أنفسهم. فالديموقراطية تعني، من بين ما تعني، أن يدافع شخص بان يكون للخصم رأيه المختلف ولكنها لا تعني أن يتبنى الشخص رأيا ويدافع عن صحة نقيضه. فهذا لم يفت على المواطنين الفرنسيين.

وأخيرا فإن طوال شهور، سادت أمال الغالبية من الجماهير أن يقدم يسار اليسار من يمثله كتعبير عن إرادة من رفضوا الدستور الأوربي أي أغلبية الفرنسيين ولكن زعماء هذه الأحزاب لم يستطيعوا التسامي على اختلافاتهم واختاروا سبيل التمزق والتقدم بشكل انفصالي بممثل لكل حزب على حدة.

من هذه المتناقضات ومن المواقف التي تعارضت مع طموحات الجماهير يلوح إذن احتمال جديد وهو اختيار فرنسوا بايرو تحت شعار الاختيار المجدي الذي يرفعه الكثير من الفرنسيين مع ما يعنيه ذلك من نهاية ليسار اليسار وتحول جمهوره إلى يمين الوسط كتعبير عن غضبه من قادة الأحزاب الأخرى.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك