الصفحة الرئيسية > انتخابات الرئاسة الفرنسية 2007 > ساركوزي رئيسا.. انتصار كاسح وهزيمة مشرفة !.. مصطفى نور الدين

ساركوزي رئيسا.. انتصار كاسح وهزيمة مشرفة !.. مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي - القاهرة 9 مايو 2007

الأربعاء 9 أيار (مايو) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

ساركوزي رئيسا.. انتصار كاسح وهزيمة مشرفة !.. مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي - القاهرة 9 مايو 2007


وقعت إذن الواقعة واختارت فرنسا الاستمرارية يمينا. ولكنه اليوم يمينا عنيفا فهو مطعم باليمين المتشدد. إذ لم يتبع من ينتمون لليمين المتشدد دعوة زعيمه، جان ماري لو بن، بالامتناع عن التصويت ولحق ثلثي أتباعه بنيكولا ساركوزي. والأمر ليس برقمي فحسب إذ تقود هذا اليمين الجديد فلسفة اقتصادية واجتماعية وسياسية المحافظين الجدد.

والانتصار كاسح إذ نسبة من اختار ساركوزي (52 سنة) تجاوز 53 ٪ أي نحو 19 مليون مواطنا بينما لحق بالاشتراكية، سوجلين رويال (53 سنة)، نحو 17 مليون وهي ليست خسارة مخزية إذ تقترب من فشل جوسبان عام 1995 ضد جاك شيراك. وهذا لا ينف أن ما حققه ساركوزي من انتصار يتجاوز ما حققه قبله من اليمين الرئيسين جيسكار ديستان عام 1974 وجاك شيراك عام 1995. وما هو جديد فعلا هو وصول ساركوزي كمواطن من أصل مهاجر إلى قمة السلطة بفضل الديمقراطية. يضاف لذلك الصحوة السياسية للمواطنين الذين لم يتغيب منهم عن صناديق الانتخابات إلا نسبة ضئيلة إذ ذهب للاقتراع 84 % من المواطنين وهي سابقة تاريخية لم تحدث في الدورة الثانية منذ 1981.

أما لماذا كسب من كسب فيفسره لماذا خسر من خسر فذلك وجه أساسي من المعادلة التي توضح الواقع السياسي الفرنسي. فمنذ نحو عام كانت بوادر الخسارة واضحة برغم الأمل في عدم حدوثها ولكن ممارسي السياسة لا يقرءون التاريخ بدقة لاستخراج دروس للمستقبل.

فأول خطوات اليسار لدخول المعركة كانت متعثرة بعدم التوصل للتحليل الصحيح لرفض الدستور الأوربي عام 2005 بأغلبية 55 ٪. فلم يتم بناء استراتيجية موحدة لعدم التفريط في هذا الزحف الجماهيري الفريد. فعاد من رفض الدستور ليتصالح مع من دعا للموافقة علية دون حوار حول لماذا العودة ولا لماذا قبل الحزب احتضان من رفض خطه السياسي. إلى جانب أن الخط السياسي للحزب الاشتراكي كان هو نفسه خط اليمين الحاكم بشأن الدستور.

وثاني الأخطاء هو أن اختيار سوجلين رويال كان مغامرة غير محسوبة العواقب إذ وضعت منذ اللحظة الأولى نقاطا يمينية على حروف اشتراكية. فقدمت اطروحات لا تفرقها عن السياسة الليبرالية في الجوهر.

وكان اختيار رويال أو بدقة فرضها لنفسها كمرشحة ضربا من التجاوز لعملية الاختيار المعتادة داخل الحزب الاشتراكي إذ تقليديا سكرتير الحزب هو المرشح الأفضل نظريا.

وكذا جلب هذا الاختيار لرويال صراعا بين الشخصيات التاريخية بالحزب وشعر المواطنون بهذا الصراع إذ كان محسوسا بالغياب الجسدي لمناصرة مرشحة الحزب إبان الحملة الانتخابية. وإذا تواجد بعض من كبار الحزب معها لدعمها عكس وجودهم التناقض بين رفضهم لها ومؤزراتهم الشكلية لبرنامجها.

ولعل أفضل ما يكشف عن العداء المضمر لرويال بين رفاقها انه وبعد دقائق من إعلان الهزيمة تكاثرت السكاكين برغم أن اللحظة ليست المناسبة للانقسام إذ الانتخابات التشريعية يومي 10 و17 يونيو القادم. وجاءت أقسى الكلمات ممن كانا ينافسان رويال للترشيح للرئاسة باسم الحزب الاشتراكي أي لوران فابيوس ودومينيك ستروس- كان. إذ قال الأول: أن علم اليسار سقط أرضا ولابد من البحث عن الشخص القادر على معاودة رفعه. وقال الثاني : تلك هي المرة الثالثة على التوالي التي يفقد فيها الحزب في انتخابات الرئاسة فالهزيمة عظيمة القسوة ولابد من تجديد الحزب فهو ينهار منذ خمس سنوات. أي منذ 2002 وهزيمة جوسبان في الدورة الأولى للانتخابات وتقدم جان ماري لو بن عليه للتصفية مع جاك شيراك. وأضاف ستروس – كان : إن الحزب الاشتراكي لا يمكن أن يستمر بأفكار كان يطرحها من عشرين سنة وعليه النظر للعالم بعيون اليوم ليؤسس حزب يساري معاصر. وقد حاولت شخصيا القيام بثورة ليتحول الحزب إلي حزب اشتراكي ديمقراطي ولم تأت بنتيجة. وستروس- كان بهذا يهاجم ليس فقط رويال وإنما سكرتير الحزب فرنسوا هولاند ورفيقها. ويلوح أن ستروس - كان يطمع في رئاسة الحزب إذ أضاف: إذا أراد الحزب خدماتي فانا مستعد. ويذكر لاستروس – كان عبارة تبين هذا التمزق إبان الحملة الانتخابية عن أسباب مشاركته معها برغم الاختلاف بينهما فأجاب : فقط لان ساركوزي ليس الأفضل لفرنسا.

وكانت كلمات برنار كوشنر، وزير الصحة الاشتراكي سابقا واحد كبار القادة، أكثر مباشرة للتوجه المنشود إذ قال : على الحزب التخلي عن فلسفته البالية بممارسة برنامج مشترك مع اليسار المتطرف ومع ما بقى من الحزب الشيوعي وان يستبدل هذا ببرنامج مشترك مع يمين الوسط !

وكانت رويال قد انفتحت بالفعل على يمين الوسط بعد رفضها في أول الأمر واضطرارها لذلك لاحتياجها لأصوات ناخبيه، التي تبلغ 7 ملاين، في المرحلة الثانية. وبرغم هذا الانفتاح لم يقتنع أغلبية يمين الوسط به ولم يعط صوته لها إلا نحو 36 % منهم في حين أعطت أغلبتهم صوتها لساركوزي.

أما يسار اليسار فقد أغضبه هذا الانفتاح وبرغم دعوة كل قادته لناخبيه، بعد الجولة الأولى، بمساندة رويال امتنع ما يقرب من ثلثهم عن الإدلاء بصوته فتسبب ذلك في حرمانها من دعم هام. ووصفت ماري جورج بيوفيه، سكرتيرة الحزب الشيوعي انتصار ساركوزي بأنه كارثة سياسية. وصرح اوليفيه بيزانسنو، المنظمة الشيوعية الثورية، أن رويال لم تتمكن من أعطاء الأمل للجماهير البسيطة ولذا لم تلتف حولها. وأقترح تشكيل جبهة من كل القوى الديمقراطية لمواجهة مشروع ساركوزي الليبرالي في الانتخابات التشريعية.

والديمقراطية خيار قاس ولكن يلزم احترامه حتى لو أنتج ما لا يطمح فيه من هزم ومن أنتصر يدرك ضرورة التواضع فالدائرة تدور والتاريخ لا نهاية له. وبعد أسابيع قليلة ستبدأ دورة جديدة قد تقلب موازين القوى وتفرض مرة أخرى، كما تعودت فرنسا، تعايشا صعبا بين رئيس يميني وحكومة اشتراكية بعد الانتخابات التشريعية. تلك إمكانية وليست بمستحيلة إذا أستطاع من يندرج تحت لافتة اليسار ابتكار صيغة جديدة تلتف حولها جماهيره فالنتيجة برغم قسوتها تظهر أنها ليست بعد النهاية.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك