موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الهجرة > زيدان وانفصام شخصية الدولة الفرنسية... بقلم : مصطفى نور الدين

زيدان وانفصام شخصية الدولة الفرنسية... بقلم : مصطفى نور الدين

بشر بجريدة التجمع - القاهرة - ١٥ يوليو ٢٠٠٦

السبت 15 تموز (يوليو) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

"زيدان" وانفصام شخصية الدولة الفرنسية... بقلم : مصطفى نور الدين بشر بجريدة التجمع - القاهرة - ١٥ يوليو ٢٠٠٦

إذ أخذتك الجلالة وهتفت "زيدان.. زيدان" أو "زيزو.. زيزو"، في أي مدينة فرنسية، بداخل مقهى أو أتوبيس أو قطار سيفض كل من بالمكان أحاديثهم ويتبارون في ذكر أخر ما سمعوه من إطراء علي "زين الدين زيدان" من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بل من "القدم الذهبية" نفسه أي "بيليه" الذي قال:"زيدان الساحر".

ولا يمكن تصور مدى الانفعال الذي يسود عند ذكر اسم زيدان مع كل متحدث وترقرق الدموع في العيون واحتباس الصوت وخروج الكلمات التي لا تشعر فيها بأي نبرة كاذبة. ومشاركة من لا يعرف في كرة القدم شيئا ولكنه شاهده مرغما في عشاء لدى أصدقاء فلم يملكك نفسه من القفز والتهليل له.

ولا تصدق عيناك من رؤية عشرات من المواطنين من كل الأعمار يرتدون "فانلة رقم 10" تحمل اسم زيدان ووله النساء به "كفارس أحلام". وإذا تجولت على كورنيش البحر المتوسط في مدينة "مارسليا"، جنوب فرنسا، تشاهد صورة "زيدان" على أفيش عدة أمتار طولا وعرضا لم يتغير منذ سنوات طوال.

ولا تجد جريدة أو مجلة لم تضع صورته في الصفحة الأولى أو على الغلاف وهو في ثورة غضب من خطأ أو يحي بإجلال المشجعين بعد النصر. واحتل اسمه العناوين الرئيسية مع تقدير عشرة على عشرة.. فهو المايسترو.. القائد.. الأصيل. فكما لو كان الكل أصبح زيدان أو زيدان تقمص الكل. فرئيس الوزراء عندما حققت سياسته انخفاضا في عدد العاطلين عن العمل صرح:" أنا سعيد مثل زيدان عندما يسجل هدفا" !

أسود.. أسود.. أسود

وتتساءل بعد خروجك من حالة الوجد والجلالة ماذا يحدث في هذا البلد الجميل ؟ هل أصاب الدولة حالة من انفصام الشخصية ؟

فإذا تعلق الأمر بالكرة فالفخر بزيدان وكل فريق كرة القدم يلوح كأنه بأبطال حرروا فرنسا من المحتل. برغم أن الفريق "أسود.. أسود.. أسود" حسب التعبير العنصري للفيلسوف الصهيوني" آلان فينكيلكروت" وليس "ابيض احمر ازرق" بلون العلم الفرنسي.

ولا يوجد أحد لا يفخر بهذا الفريق والتقريظ الذي يصل للمبالغة في "زيدان" كمفخرة فرنسية دون أن يلتفت للون بشرته أو بشرة رفاقه التي تضيء سوادا. فهم أولاد المهاجرون الأجانب. نفس المهاجرين الذين يتعرضون للمهانة ويشعر ملاين الفرنسيين بالعار لما يحدث لهم هذه الأيام من كبار رجال الحكم في مهبط حقوق الإنسان والمواطنة.

وتكفي نظرة على طوابير المهاجرين المحزنة يتسارعون "كالقطيع" أمام أقسام الشرطة ليقدموا الأوراق التي تثبت حقهم في الحصول على الإقامة أو الجنسية. فهم يتدافعون كما يتدافع ركاب أتوبيس وحيد يقل من يلحق بوضع قدم واحدة داخلة لكي يضمن الوصول قبل الموعد النهائي الذي حدده وزير الداخلية للنظر في حالتهم.

إذ أصدر وزير الداخلية، "ساركوزي" والمرشح للرئاسة المقبلة، فرمانا إلى مأموري المدن يوم 13 يونيو الماضي يأمرهم بطرد الأجانب الذين لا أوراق إقامة لهم بعد أن ينهي أولادهم الامتحانات !!

ويقول "فرمان ساركوزي" : " إن فرنسا تطبق سياسة هجرة تأخذ في الاعتبار احتياجاتها واحتياجات البلدان الأصلية للمهاجرين .. وأن سياسة جمع شمل الأسر قد تغيرت. ولذا فانه تم تبني سياسة تشجيع المهاجرين الذين لا يتمتعون بأوضاع قانونية للعودة إلى بلدانهم الأصلية بعد أن ينهي أولادهم الامتحانات وانتهاء السنة الدراسية..."

وهو ما يعني طرد نحو 50 ألف أسرة. وطردهم لأنهم أسر في أوضاع قانونية غير شرعية. أي ليس لديهم أوراق إقامة رسمية لانتهاء مدة إقامتهم منذ عامين أو أكثر ولذا عليهم مغادرة فرنسا طوعا أو قهرا.

وبدأت حركة اجتماعية تطالب "بالعصيان المدني" يقودها جمعيات حقوق الإنسان والجمعيات الأهلية التي تدافع عن المهاجرين وجمعيات رسامي ومؤلفي كتب الأطفال والآلاف من المدرسين ومواطنين عاديين. وخرجت مظاهرات يوم أول يوليو من عشرات الآلاف من المواطنين ترفض طرد المهاجرين شارك فيها عشرات الجمعيات الأهلية وأحزاب اليسار.

وتهدف الحركة إلى لرفض شحن الأطفال وأسرهم على طائرات "الشارتر" ليعودوا إلى بلادهم لان كل هؤلاء الأطفال ولدوا بفرنسا. إذن فهم يستمتعون بالمواطنة الفرنسية ويحق للآباء أن يحصلوا على الجنسية لأنهم أباء أطفال فرنسيين. إلا أن القانون في تعقيداته المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات نفى أحقية الاستمتاع بالجنسية لمجرد أن الطفل ولد في فرنسا أي الاستمتاع بما يسمى "حق الأرض". فالذي يسود هو أن الطفل ببلوغه سن الرشد يعلن قبوله الجنسية الفرنسية أو يرفضها ولكن كيف يطالب بالجنسية والبوليس يلاحقه ؟

العصيان المدني

وقد خلقت القوانين بتعقيداتها حالات عبثية إذ أن المحاكم قد ترفض قرر الطرد لشخص أو أسرة وبالتالي يستمر وجودهم سنوات طويلة لا يحق للبوليس طردهم ومن الطرف الأخر لا يستمتعون بوجود شرعي في المجتمع. ويترتب على ذلك عدم قدرتهم لإيجاد عمل لأنهم لا يستحوذون على أوراق إقامة رسمية ويكون الحل الوحيد أمامهم في العمل في السوق السوداء والتخفي أو الانحراف نحو الأعمال غير الشرعية الأخرى والجريمة.

وحركة "العصيان المدني" تدعو كل من يقدر ماديا إلى "تبني" طفل وإخفائه حتى لا يتمكن رجال البوليس من القبض عليه وطرده خارج الحدود. وكذا لكي تقوم الأسر أو الأفراد الذي قبلوا التبني يرفع قضايا للمطالبة بالجنسية وتحمل نفقات القضية من تجهيز الأوراق اللازمة التي تثبت أحقية الطفل للجنسية نتيجة حسن السير والسلوك والمواظبة على الذهاب للمدرسة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الإخفاء لطفل أمر يحاسب عليه القانون إذ هو إخفاء لشخص يبحث عنه البوليس وبالتالي فالجانب الفعال له يتمثل في حركة تبني جماهيرية واسعة تجعل من المستحيل القبض على مئات المواطنين الفرنسيين.

وأمام الضغط الشعبي تراجع "ساركوزي" خطوة بتعين محام كوسيط بين المهاجرين بدون أوراق رسمية والجهات الرسمية لدراسة حالاتهم حالة بحالة. وأعلن المحامي أنه لن يتم طرد فوري بحلول العطلة المدرسية بل ربما لا يتم طرد أحد من الخمسين ألف أسرة. ولكن أحدا لا يثق في تصريح لا يلغي "فرمان ساركوزي" إلى جهات الأمن بالطرد.

و"ساركوزي" فرنسي ينحدر من أسرة يهودية هاجرت لفرنسا في أوائل القرن العشرين. وقد سخر "فرنسوا هولاند"، سكرتير عام الحزب الاشتراكي، منه بقلب عبارته الشهيرة التي اقتنصها عن اليمين المتطرف :"فرنسا أحبها أو أغادرها". وحولها "هولاند" : " ساركوزي.. إما أن تحب فرنسا كما هي أو لا تجد حرجا في أن تغادرها."

كادر

زيدان.. إنسان

برغم هزيمة فريق فرنسا وفقدان كأس العالم وبرغم غضب زيدان وعدم سيطرته على مشاعره أمام سبه مرات من اللاعب الإيطالي "ماركو ماترازي" وبرغم حرمان الشعب الفرنسي من ليلة فرح وأربع سنوات تفاخر بالكأس الذهبي.. برغم كل ذلك فإن 61 % من الفرنسيين يغفرون له اعتداءه و27 % لا يغفرون له بينما يقر 78 % اختياره كأحسن لاعب في العالم. ولم يتوجه رئيس الجمهورية بأرق الكلمات إلا إلى زيدان في حفل الغذاء مع الفريق بالقصر الجمهوري.. وبعدها استقبله مع الفريق عشرات الآلاف من المواطنين بميدان "الكونكورد" هاتفين "زيزو.. نحبك".

وكتبت الصحف العالمية كل أنواع التحليل لنوع الإساءة : هل شتمه الإيطالي : "مسلم إرهابي" أو "أختك أو أمك مومس" أو.. أو. وطالبت جمعية حقوق الإنسان أن تقوم الجهات المنظمة للألعاب الاولمبية بفتح تحقيق للوقوف على حقيقة ما قاله اللاعب الإيطالي الذي اقر انه سب زيدان دون أن يذكر الكلمات التي استخدمها. ولم يتكلم زيدان بعد.

ورفض الجميع ما قام به زيدان من سلوك يتنافى مع الروح الرياضية. وتحليل هادئ يعيد الأمر إلى مستواه الإنساني. فصورة "زيدان" في العالم وفي فرنسا جعلت منه "نصف اله" رغما عنه لتواضعه وأدبه وحياءه ولامتلاكه لصنعته بفن قل نظيره. وهذه الصورة قد تولد نقيضها من كثرة ترديد أسمه ليل نهار. إذن وكأنه بخروجه عن طوعه يريد أن يقول : "لست إلها .. أنا إنسان وكرامتي فوق أي هدف تخيلي كان من الممكن أن أسجله في الدقيقة الأخيرة لإعادة الكأس الذهبي لفرنسا". ويقول ذوي الحكمة من المواطنين والمحللين : زيدان بفعلته جعلت حبنا له يزداد لعزة نفسه.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك