الصفحة الرئيسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > رئيس إمبراطور وحكومة فرنسية مهجنة... مصطفى نور الدين

رئيس إمبراطور وحكومة فرنسية مهجنة... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي - القاهرة في تحديد التاريخ لاحقا 2007

2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

رئيس إمبراطور وحكومة فرنسية مهجنة... مصطفى نور الدين

للمفكر الفرنسي هنري لوفيفر كتاب قديم بعنوان "بقاء الرأسمالية : إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية للإنتاج". وما يدور بفرنسا اليوم بعد تشكيل الحكومة الجديدة (32 وزيرا وسكرتير وزير) برئاسة فرنسوا فيون، يعيد للذاكرة ما يطرحه هذا الكتاب من قضايا بخصوص تأقلم النظام الرأسمالي ليعيد تجديد وجوده ويقاوم للبقاء. والسبب بسيط إذ الرأسمالية تعيش وتجدد وجودها بحل تناقضاتها وبتبني الأفكار التي ينادي بها من يريدون تجاوزها بنظام جديد. وهذا التبني ليس بالضرورة فعليا ويتجسد في الواقع ولكن يرفع كشعارات مدوية ثم يطبق الشعار جزئيا والوعد بإكماله لاحقا. إلى جانب سياسة ماكرة تتجلى في تطبيق مبدأ ما تعطيه بيد تأخذه بالأخرى. وفي ذات الوقت فان الفائدة الأساسية من المحافظة على الذات تعود بالنفع أولا على أصحاب الدخول المرتفعة وأصحاب الأعمال باعتبارهم العمود الفقري لوجود النظام. وسوف تتضح تلك المقدمة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجديدة وتلك التي سوف تتخذها في الشهور القادمة.

ولكن أولا يلزم التنويه إلى أن ما حدث مع الحكومة الفرنسية الثانية والتالية على الحصول على الأغلبية البرلمانية لليمين الفرنسي الجديد لمدة خمس سنوات اخذ طابعه من فكرة براجماتية تمثلت بتسليم بعض الوزارات الكبرى لشخصيات لا تنتمي لليمين. أو ما سمي بالانفتاح لإظهار أن الحكم يتم بعدم هيمنة اليمين وحده على السلطة بتشكيل حكومة مهجنة من تيارات سياسية ليست فقط مختلفة وإنما فوق ذلك متناقضة. الصورة خلابة وتدهش المراقب خاصة بوجود : راما يادي، وكيلة وزير الشئون الخارجية، من أصل سنغالي. ورشيدة داتي، وزيرة العدل، من اصل جزائري ومغربي. وفاضلة عمارة، وكيلة وزيرة الإسكان والمدينة، من أصل جزائري، بجانب آخرين من تيار اليسار ويمين الوسط الفرنسي.

والمتناقضات كثيرة ولعل أكبرها شكليا تجسد في وزارة الإسكان والمدينة الذي تشغل مركز الوزيرة فيه كريستين بوتان المعروفة سياسيا بأنها تشكل التيار المسيحي المتشدد وتعارض الإجهاض وقيم تحررية أخرى يقرها القانون الفرنسي. إذ أن فاضلة عمارة، التي تعمل تحت إمرة هذه الوزيرة، تناقضها على طول الخط في تلك لأفكار فهي مؤسسة ورئيسة جمعية " لا عاهرات ولا خاضعات" التي تدافع عن تحرر المرأة وفكريا تنتمي للحزب الاشتراكي.

والانتظار ضروريا لرؤية ما ستعطي التجربة. فهي فخ مزدوج للحكومة وللوزراء الذين التحقوا بها وليسوا منها أيديولوجيا ويصل عددهم إلى 6 وزراء أو وكلاء وزارة أو مكلفين بمهام وزارية كبرى. وبطبيعة الحال فالانتقاد لهذه الاستراتيجية اليمينية لا يتوقف بالحديث عن "الحلوى الإعلامية" و"ستارة الدخان". وفي تفسير آخر يرى البعض أن هذه الشخصيات لقت حسن معاملة واعتراف بها وتقدير لدي اليمين وهو ما لم يقدمه لها اليسار الذي خرجت من أحشائه. أو بأنها شخصيات قفزت على الفرصة لنيل منصب ما كانت لتحلم به. وبعض هذا صحيح بطبيعة الحال على الأقل فيما يخص المهاجرين والشخصيات الجديدة على العمل السياسي بالمعنى الحكومي والمؤسساتي ودون خبرات غير النضال اليومي عبر الجمعيات الأهلية مثل "النجدة.. العنصرية" أو "لا عاهرات ولا خاضعات" أو العناية بمن لا سكن لهم... فالممارسات التي تتم في تلك الجمعيات ذات طابع جماهيري ولتعبئة الرأي العام لموجهة تعديات ضد الأخر بحسب الجنس أو الدين أو العرق أو الفقر.

وما يثير المخاوف لدى بعض المحللين بشؤون المجتمع هو الفجوة التي تفصل بين الوعي بمشكلة والقدرة على تقديم حلول فعلية. أي امتلاك معرفة وتقنية وخبرة من أسماهم عالم الاجتماع بيير بورديو "نبلاء الدولة".

والخطورة التي تتعرض لها هذه الحكومة العجيبة تتجسد في اختلال أساسي وهو عدم خبرة الغالبية منهم في العمل السياسي المؤسساتي باستثناء كل من رئيس الوزراء، فرنسوا فيون، وجان- لوي بورلو، الشخصية الثانية في الحكومة وزير البيئة، وميشيل - أليو ماري، وزيرة الداخلية. وما عدا ذلك فكلهم جدد في السياسة. والخطورة ستكون في هيمنة شخصية رئيس الجمهورية على الحكومة وعدم قدرة أي من الوزراء الجدد على مخالفة توجيهاته. فساكوزي لم يخف في أي لحظة انه سيكون في كل مكان وهو صاحب القرار ووجوده الإعلامي يكاد يخفي كل الشخصيات المشكلة للحكومة. وفي تلك النقطة يتجسد التناقض الأساسي فكل من لحق باليمين جاء لينفذ برنامجه وليس ليقدم أفاق حلول مختلفة تعارض أيديولوجية اليمين الجديد.

ولا شك أن التوفيق هنا يحالف ساركوزي على الصعيد البراجماتي والدعائي إذ انه نفذ فكرة يدافع عنها منذ شهور عن "عدم التجريم العرقي" التي أخذها عن التجربة الأنجلو - سكسونية وخاصة الأمريكية وتعني أن يكون للمواطنين من أصول مهاجرة نسبة في الوظائف في كل المجالات. ثم فكرة الانفتاح السياسي برغم أن أبعاد اللعبة مكشوفة لأي تحليل موضوعي.

ونيكولا ساركوزي ليس " منظرا ولا مثقفا ولكن رجل عملي" بحسب كلماته. ولكن أن يكون عمليا براجماتي لا يعني أن سياساته سوف تمر بسلام ويتقبلها كل المواطنين للتجريب حسبما يطالب. فالشعوب ليست حقول تجارب وتدرك أن البدء بتنفيذ سياسة ما يعني عدم الرجوع عنها وتقديم التبريرات لاستمرارها تحت دعوى أن الوقت لم يكف للكشف عن عدم صحتها. وهنا سيكون الوعي النقابي والحزبي والجماهيري حاكم في اللعبة السياسية في الشهور المقبلة.

إذن فاليمين لكي ينفذ سياسته وضع لتنفيذ بعضها " من لم يصوتوا لي لا في المرحلة الأولى ولا الثانية من الانتخابات." بحسب كلمات الرئيس. فالتجربة إذن مثيرة ولكن سبق أن تواجد في حكومات أخرى وزير من أصل مهاجر ولم يسمع صوته طوال سنوات ولا استطاع إنجاز أدنى شيء. فما الذي سيختلف اليوم عن البارحة ؟ وكيف سيتعايش وزراء بأفكار متناقضة ولتنفيذ أي سياسة ؟ ومن الذي سيخط السياسة ؟ ساركوزي أعلن منذ البدء أنه هو الذي سيحكم ويقرر وكرر ذلك في أول حديث تلفزيوني له يوم 20 يونيو وأمام أعضاء البرلمان من اليمين. فما هي استراتيجيته؟

بإيجاز نتعرض لأهم ما قدمه منذ أيام كسياسات للسنوات القادمة والتي يعيد في بعضها إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية بشكل فوقي. عاود ساكوزي تأكيد : "أن ما وعد به في برنامجه الانتخابي سيلتزم به وسينفذه". فما الذي سيدخله من تغيرات أو إصلاحات ؟

أولا : "سن قانون بأخلاقيات الممارسات الاقتصادية". ويلزم تفسير. إبان الحملة الانتخابية دوت فضيحة كشفها الإعلام عن نيل احد كبار مديري شركة (ايرو باص الأوربية) لصناعات الطائرات لمبلغ 12,5 مليون يورو (اثنا عشر مليون ونصف المليون) كهدية لنهاية الخدمة. أو بدقة بالتخلي عن خدماته قبل نهاية عقد عمله وذلك لفشله في تنفيذ برنامج الشركة في الالتزام بتسليم الطائرات التي تم التعاقد عليها للدول المشترية في مواعيدها طبقا للعقود. وكلف ذلك الشركة غرامة تأخير، بنفس حجم مبلغ الهدية، لعدم احترام التعاقد.

ثانيا : الإضراب عن العمل. فالنية هي تغيير التشريع بشأنه لكي لا يدفع صاحب العمل للمضربين أجر أيام الإضراب. و التزام النقابات بتوفير خدمة حد أدنى في المواصلات العامة بدءا من يناير العام القادم بشكل إجباري ودون استشارة النقابات. و اللجوء للتصويت ببطاقات سرية، على مستوى القاعدة، لتقرير مواصلة الإضراب أم لا وذلك بعد مرور أسبوع إضراب دون التوصل لاتفاق مع أصحاب العمل. إذ أن التصويت الآن يتم برفع الأيدي. يضاف لذلك المطالبة بالإشعار بنية الإضراب يومين قبل وقوعه وإمكانية وضع عاملين غير مضربين محل المضربين ليستمر العمل. وتثير تلك التغيرات المرتقبة غضب النقابات قبل إصدار التشريع المنظم لها وهددت بالعواقب الناجمة عنها لمعارضتها لقانون العمل والحريات الشخصية التي يكفلها الدستور وإقراره حق الإضراب عن العمل.

ثالثا: نظام المعاشات. إذ يسعى الإجراء الجديد إلى إطالة مدة العمل إلى ما فوق سن الخامسة والستين نظرا لما يشهده المجتمع من طول عمر الإنسان في ظل العناية الصحية والطبية وإمكانية العمل إلى سن متأخرة. إلى جانب إنهاء حق التمتع بمعاش مبكر لبعض المهن المرهقة مثل سائقي القطارات الذين يحق لهم إنهاء الخدمة عند عمر 55 سنة.

رابعا: يدرس تشريع يرمي إلى منح استقلال كامل للجامعات. وهو مصدر للمخاوف المترتبة من خصخصة التعليم. يضاف إلى ذلك سياسة تسعى إلى الاختيار والانتقائية لكي لا يصل للتعليم العالي (بدءا من السنة الرابعة) إلا نخبة الطلاب لتطبيق فكرة ساركوزي عن الامتياز والتفرد لمواصلة الدرجات العليا من التعليم. وبدأ يثير هذا التعديل المحتمل غضب الطلاب وهيئات التدريس إذا تم دون استشارتهم وموافقتهم على التعديلات وحذرت النقابات الطلابية بالفعل من مغبة تطبيق ما يهدد مستقبلهم بالتعديلات الجديدة.

منح لأصحاب الدخول المرتفعة

خامسا : ولأن الشباب هم التربة التي يؤسس ساركوزي جانب من سياسته عليها بتشجيعها على الملكية والثراء فيقدم لها هدية صغيرة بتشريع يعفيها من الضرائب على الدخول للذين يمارسون عملا أثناء الدراسة، بشرط إلا يتجاوز دخلهم السنوي ما يعادل اجر 3 شهور بمعيار الحد الأدنى للأجور (نحو 1250 يورو شهريا).

سادسا : الهدية الكبرى يمنحها لأصحاب الثروات الكبرى والشركات بتشريع يخفض الضرائب على الأرباح إلى 50 % بدلا من 60 % الآن. وكذلك بشأن نقل الملكية في حالة الوفاة إذ يحق نقل ملكية المتوفى دون استقطاع تفرضه الدولة، كما هو الأمر الآن، على الورثة. ويحق للآباء منح كل طفل من أطفالهم 150 ألف يورو كل 6 سنوات وخصم هذا المبلغ من إقرار الدخل أي عدم دفع ضرائب عليه.

سابعا: ثم هناك الهدية الأكبر والتي يمنحها لأصحاب الأعمال بشأن ساعات العمل. إذ أن ساعات العمل الإضافية سوف يدفعها صاحب العمل للعاملين بزيادة 25% عن الأجر العادي. وتعفى ساعات العمل من الضرائب على الدخل للعاملين ولا يسدد صاحب العمل عنها التأمينات الاجتماعية الخاصة بالمعاش والصحية عن العاملين. وهو ما يعني تخفيض الإنفاق على أصحاب الأعمال بعدم تشغيلهم لعمالة جديدة أكثر كلفة. ونظام ساعات العمل الإضافية لن تكون تكلفنه إلا دفع نسبة 25 % بالقياس بالأجر الأساسي.

ثامنا : هناك هدية مباشرة لأصحاب العقارات تتمثل في مساعدة الملاك الجدد لسكنهم. إذ يرمي القانون الجديد إلى تخفيف الضرائب لمدة 5 سنوات وعلى من يشترون سكنهم الأساسي (شقة أو منزل). وهذا التخفيف يتم بخصم، من إقرار الدخل لذي يدفعون عنه الضرائب السنوية، 20% من قيمة الفوائد التي يدفعونها عن القرض المعقود لشراء السكن. ولكن الحد الأقصى للخصم هو 750 يورو سنويا للأعزب والضعف لشخصين يعيشان معا. وهذا الإجراء هو تجسيد لشعار ساركوزي بان يصبح كل فرنسي مالك لسكنه. ويقر الخبراء أن هذا القانون سيؤدي إلى زيادة أسعار أراضي البناء والعقارات وان ملاكها سيستفيدون أكثر من الذين خفضت عليهم الضرائب الجديدة.

تاسعا : وهذه الإعفاءات أو الإصلاحات يقابلها تطبيق فلسفة جديدة تحت شعار الضرائب غير المباشرة الاجتماعية. وهنا تتضح فكرة الأخذ من جميع المواطنين لما منحته الدولة للنخبة الثرية والطبقة المتوسطة. فالضرائب الجديدة أدخلت تحت شعار تشجيع أصحاب العمل على البقاء في فرنسا وعدم نقل أعمالهم إلى البلدان التي تقل فيها تكلفة الإنتاج. وبالتالي فالتشريع يرمي إلى زيادة نسبة الضرائب غير المباشرة على المستهلكين وما يزيده على المستهلكين يتم تخفيفه بذات النسبة عن أصحاب الأعمال لتشجيعهم على زيادة العمالة والبقاء في فرنسا. بحسب الفكرة التي تقولها الحكومة. ولقد حذر رئيس الوزراء اليميني الأسبق، جان بيير رافران، من مغبة تلك الضريبة على مستوى معيشة أصحاب الدخول المنخفضة إذ سيؤدي لانخفاض القوى الشرائية.

تلك باختصار بعض ملامح الليبرالية الفرنسية الجديدة للنظام الذي يؤسسه اليمين الجديد ليعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية في ظل ساركوزي الذي يقر : "المسئول الأول أنا.. انتخبت لأفعل كل شيء..". فهو يحتل كل الأماكن:رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والأغلبية البرلمانية والمعارضة، بحسب ما تنتقده بعض الصحف. وأنه لا داعي أن يقدم رئيس الوزراء برنامج الحكومة فرئيس الجمهورية قدم كل شيء.. ويرى بعض المحللين أن تلك الممارسة سوف تنتهي بالغضب عليه من أتباعه قبل معارضيه.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك