الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > دارفور .. تشاد... أفريقيا بين العنصرية والبترول... مصطفى نور الدين

دارفور .. تشاد... أفريقيا بين العنصرية والبترول... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) 21 نوفمبر 2007

الأربعاء 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

دارفور .. تشاد... أفريقيا بين العنصرية والبترول... مصطفى نور الدين


نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) 21 نوفمبر 2007

كلما زادت الأضواء على عملية محاولة اختطاف أطفال دارفور ازدادت سوادا. فأغلبية الأكثر من مائة طفل الذين حاولت جمعية "ارش دي زيوي" الفرنسية نقلهم لفرنسا، في 25 أكتوبر، من تشاد وليسوا بأيتام. فالعملية إذن أكثر خطورة إذ الادعاء كان "إنقاذ أطفال دارفور من الموت المبرمج من قبل حكومة السودان" بحسب ادعاءات المنظمة التي أعلنت أن مشروعها يرمي إلى جلب ألف طفل. وكانت العملية منظمة بدقة ودفعت كل أسرة من المفترض استقبالها لواحد من الأطفال ما بين ألفين وثمانية آلاف يورو. ولا يمكن فهم هذا الحادث الجزئي في انفصال عن مجمل السياسة الغربية التي تقودها في القارة السوداء فهي مزدوجة تجمع بين النظرة المتعالية والمصالح الاستراتيجية ويأتي الحادث كتجسيد له.

ووجهه القضاء التشادي تهم "سرقة أطفال قصر وعملية ونصب إلى 6 من الفرنسيين وأتهام أربعة تشاديين بالاشتراك في العملية. وأخلى سبيل ثلاثة صحفيين فرنسيين رافقوا الجمعية للتغطية الإعلامية وسبعة من الأسبانيين (طاقم الطائرة) وقائد الطائرة البلجيكي. ولكن مازال وضع من أفرج عنهم على ذمة التحقيق بتهمة المشاركة في العملية. وقد تؤدي محاكمة الفرنسيين الباقين في السجن في تشاد للحكم عليهم بالسجن من 5 إلى 20 سنة.

وبحسب شهادة بعض الأطفال، في التلفزيون الفرنسي، كان بعض الأشخاص يتوجهون لهم بالعربية ويقدمون لهم الحلوى والنقود ثم يقودوهم إلى العربة. بينما أقر بعض الآباء بأنهم تركوا أطفالهم لأعضاء الجمعية لأنهم قالوا لهم بأنهم سيقضون بعض الأيام في معسكر تعليمي وسيعودن لهم بعدها.

وكشف فيديو بثه التلفزيون الفرنسي وصوره أحد الصحفيين من المفرج عنهم، عن النية المبيتة لإحضار الأطفال لفرنسا برغم مخالفة القانون الفرنسي والتشادي على السواء. وكشف التمويه المقصود بوضع ضمادات على رؤوس الأطفال والأذرع والأقدام ووضع لون أحمر للوهم بإصابتهم بجروح وبأن العملية إنقاذ إنساني."

وكان إدريس ديبي، رئيس تشاد، قد أتهم الجمعية بسرقة الأطفال من أجل "الحصول على أعضاء من أجسادهم لزرعها لمرضى وكذا من أجل الاستغلال الجنسي بجانب حرمانهم من ديانتهم (الإسلام).

وأدانت السلطات الفرنسية العملية. وكانت وزارة الخارجية قد حاولت إقناع الجمعية بعدم القيام بالعملية وفتحت قضية ضدها منذ شهر أكتوبر. وتكونت لجنة تحقيق برلمانية لمعرفة الأسباب في عدم منع عملية قبل اكتشافها وتبين أن وزارة الخارجية لم تبلغ وزارة الدفاع بالحذر من سلوكيات الجمعية المتهمة. فاللبس في موقف السلطة الفرنسية يسببه أن القوات الفرنسية المتواجدة في تشاد ساعدت جمعية "ارش دي زوي" في 21 أغسطس و 9 سبتمبر بنقل أفرادها وطنين من المعدات بطائرات حربية". وأنه سبق لأفراد من الجمعية باللقاء ثلاث مرات مع مسئولين في مكتب وزارة الخارجية بباريس وحددوا هدف العملية دون إعطاء التفاصيل. فالسلطة الفرنسية لم تكن على جهل كامل. وكان القضاء الفرنسي قد استمع، في الشهور الماضية، لأقوال رئيس الجمعية بشأن ممارسته لأنشطة تتعلق بتبني أطفال دون أن تكون لها الصلاحية القانونية لممارسة هذا النشاط ولكن أخلى سبيله في حينها.

ولابد من الإشارة إلى أن موقع الجمعية على انترنيت يهاجم الصين ويعتبرها المسئولة عن مأساة دارفور التي تسميها "جريمة ضد الإنسانية". وهذا الهجوم راجع لتهديد الصين باستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن ضد التدخل العسكري الذي تريده الولايات المتحدة ضد السودان.

بقول آخر فان خطاب الجمعية وهو نفسه الذي تنشره المنظمات الصهيونية الغربية التي تمول الكثير من المنظمات العاملة في الأراضي السودانية. وهي التي ترعى المؤتمرات الدولية للمطالبة بالتدخل العسكري في دارفور منذ سنوات. وهو نفس الخطاب الذي يكرره النجوم الإعلاميين من المثقفين من المحافظين الجدد في فرنسا وكذا برنار كوشنر، وزير الخارجية الراهن منذ سنوات، إذ هو من أتباع "واجب التدخل الدولي في شئون الدول الأخرى" تحت دعوى الدفاع عن حقوق الإنسان.

ولا يمكن فهم ما يروج عن مأساة دارفور بانفصال عن العمل على السيطرة على مصادر البترول في تلك المنطقة. فالوعي بالعلاقة بين أنشطة المنظمات الصهيونية العالمية والجمعيات الكنسية الأمريكية المتشددة وإسرائيل والولايات المتحدة تعكسه كتابات المتخصصين في المسألة الأفريقية والتي تربط بين ترويج الضرورة للتدخل السريع في دارفور والسيطرة على منابع البترول في أفريقيا في صراع مع الصين التي تتواجد كمنافس.

وفي صحيفة "الرأي العام" السودانية، في 30 أكتوبر، صرح وزير العدل السوداني محمد على المرضي أن "هناك علامات استفهام كبيرة حول موقف تشاد. فكيف سمحت السلطات التشادية بوقوف طائرة ضخمة في مدرج المطار لنقل ركاب بطريقة مخالفة للقوانين المتبعة في حركة الطائرات؟.." و"كيف كانت ستسمح فرنسا بهبوط طائرة في أرضها تحمل أطفالا بلا هوية وبدون إجراءات قانونية؟"

وقال الدكتور كمال عبيد مسئول العلاقات الخارجية السودانية "إن سلوك المنظمة الإجرامي يشير إلى مدى ما وصلت إليه عقلية الدول الغربية في التعاطي مع قضية دارفور وإنسانها مبيناً أن إيواء الفرنسيين لقيادات الحركات المسلحة غالباً ما يكون ثمنه هو أطفال دارفور. وشكك عبيد في أن لا تكون هذه المرة الأولى التي تقوم بها المنظمة بممارسة الاتجار بأطفال دارفور."

وعقد أكثر من العلاقة مع السلطة في تشاد تصريح نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي، بأنه "سيذهب شخصيا في كل الأحوال لإحضار الفرنسيين أيا كان الفعل الذي ارتكبوه" مثلما ذهب لإحضار الصحفيين الثلاثة وطاقم الطائرة الأسبانية بعد الإفراج عنهم. إذ اعتبرت السلطات التشادية تصريح ساركوزي عدوانا على سلطة القضاء التشادي وتدخلا في الشئون الداخلية حيث وقعت الجريمة على أرضها وضد بعض من مواطنيها. وقرر رجال القضاء التشاديين الخروج في مظاهرة في العاصمة التشادية يوم 12 نوفمبر ضد التصريحات الفرنسية التي "تدوس بالأقدام على القضاء التشادي".

ويزيد من حدة المشكلة مع أفريقيا، بشكل عام، الخطاب الذي القاه ساركوزي في دكار في 26 يوليو الماضي أمام الطلبة والمثقفيين الأفريقيين. ففي كلمته قال الرئيس :"إن مأساة أفريقيا تتجلى في أن الإنسان الإفريقي لم يستطع أن يدخل التاريخ بما فيه الكفاية... وأن مشكلة أفريقيا هي في العيش كلية في الحاضر والانشغال بالحنين لعصر الطفولة الذهبي المفقود. أي أنها تعيش في هذا الخيال في العودة المتكررة أبدا وحيث لا مكان لا للمغامرة الإنسانية ولا لفكرة التقدم." !

وجلب ما قاله الرئيس سيلا من الاحتجاج في فرنسا وفي أفريقيا في عشرات المقالات. وجاءت الضربة المؤلمة من تصريح دودو ديين، المقرر الخاص بالأمم المتحدة المكلف بدراسة "الأشكال المعاصرة للعنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب". إذ صرح، في 7 نوفمبر، في تقريره أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن خطاب ساركوزي: "يضفي الشرعية على العنصرية الثقافية" وربط دودو ديين بين كلمات ساركوزي وبين ما أثاره عالم الوراثة الأمريكي جيمس واطسون، جائزة نوبل في الطب عام 1962 وهو الذي شارك في اكتشاف بنية الوراثة (د.ن.ا.).

إذ صرح واطسون في حديث لجريدة "ساندي تايم" يوم 14 أكتوبر الماضي : "أنا متشائم جدا بشأن مستقبل أفريقيا لأن كل سياستنا الاجتماعية مبنية على فكرة أن عبقرية الإفريقيين هي نفس عبقريتنا وهو غير صحيح حسبما تثبته كل الأبحاث." وطرد العالم من منصبه في المعمل الذي كان يعمل به وأدانته الجمعية العلمية الأمريكية لأفكاره العنصرية.

فالمقرر الخاص للأمم المتحدة يقيم الموازاة بين هذا التصريح وخطاب ساركوزي بالإضافة لقانون الهجرة الجديد في فرنسا الذي يطالب من يريد الحضور لفرنسا للحاق بفرد من أسرته بعمل تحليل جينتيك لإثبات صلة القرابة المباشرة. وأدان المسئول الفرنسي بجلسة الجمعية العامة تصريح دودو ديين بالقول بأنها اتهامات "غير مؤسسة وغير مسئولة" وأن الرئيس ساركوزي في خطبه وممارسته أعطى الأولية لمناهض العنصرية" !

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك