الصفحة الرئيسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > حكومة فرنسية ملفقة لكسب الانتخابات التشريعية... مصطفى نور الدين

حكومة فرنسية ملفقة لكسب الانتخابات التشريعية... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي بالقاهرة يوم ٢٣ مايو ٢٠٠٧

الأربعاء 23 أيار (مايو) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

حكومة فرنسية ملفقة لكسب الانتخابات التشريعية... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي بالقاهرة يوم ٢٣ مايو ٢٠٠٧

شكل اليمين الجديد في فرنسا، حكومة مصغرة برئاسة فرنسوا فيون، لكسب الانتخابات التشريعية وضمان أغلبية برلمانية تضمن تنفيذ البرنامج الانتخابي للرئيس المنتخب نيكولا ساركوزي. وفرنسوا فيون، 53 سنة، شغل منذ عام 1993 مناصبا وزارية في العديد من الحكومات. فكان وزيرا للتعليم العالي ثم للاتصالات ثم للشئون الاجتماعية وبعدها وزيرا للتعليم. وشهدت فترة توليه وزارة الشئون الاجتماعية أزمة هامة وغضب شعبي بشأن تعديل نظام المعاشات بمد فترة العمل لاستحقاق معاش كامل من 37 سنة إلى 40 وزيادة الاستقطاع من الأجور. وفي ربيع 2005 مر بأزمة أخرى عندما حاول تعديل نظام التعليم الثانوي رفضه الطلاب وأضطر للتخلي عن الجانب الذي يعترضون عليه. ولم يستمر كوزير في الحكومة دومينيك دو فيلبان،رئيس الوزراء السابق.

والحكومة بها جديد. فأولا تشغل السيدات 7 مناصب وزارية بجانب 8 رجال. وسلم ساركوزي المناصب الوزارية الكبرى للمقربين إليه وساعدوه بتحالفهم أو بعدم ترشحهم للرئاسة كمنافسين له فكانت الوزارة الكبرى من نصيب ألان جوبيه، الصديق المخلص للرئيس السابق جاك شيراك ورئيس وزراءه سابقا. وهي استراتيجية لإبقاء أتباع شيراك بجانبه إذ أصبح جوبيه الشخصية الثانية في الحكومة كوزير دولة تجمع البيئة والتنمية الدائمة. وكذا وزيرة الدفاع السابقة، ميشيل أليو ماري، التي أصبحت وزيرة الداخلية. وكانت الوزيرة قد طرحت لشهور طويلة احتمال تقدمها للترشيح كمنافسة لساركوزي ثم فجأة سحبت الفكرة وانضمت إليه فنالت هديتها وزارة كبيرة.

وعينت المتحدثة الرسمية لساركوزي في الحملة الانتخابية، رشيدة داتي، التي تنحدر من أب مغربي وأم جزائرية، وزيرة العدل وهي وزارة هامة. وسيكون دورها كبيرا إذ ستضع التعديلات الجنائية التي يتوخاها ساركوزي بتخفيض سن المسؤولية الجنائية إلى 16 سنة بدلا من 18. وبهذه التسمية وهذا الدور يكون من اتخذ قرار الإصلاح غير الشعبي شخص شغل حتى وقت قريب منصب القاضي المتخصص بشؤون الطفولة والأطفال الذين ارتكبوا جرائم وجنحا ويعرف سبل مواجهة الانحراف. وبالتالي فاللقاء بين فكرة الرئيس والوزيرة لن تكون مجرد قرار اتخذه اليمين ضد المهاجرين فالتي عدلت التشريع من اصل مهاجر. والتعديل الثاني العاجل هو ما يخص الذين يكررون الاعتداء على الأطفال بعد خروجهم من السجن. فما يتوخاه ساركوزي هو عدم الإفراج عنهم.

ولكي يضمن ساركوزي أصوات اليمين المتطرف في الانتخابات التشريعية احتفظ بفكرته عن الهوية الوطنية كمطلب قديم لليمين المتطرف. واسند الوزارة لصديقه الحميم بوريس هورتوفو، تحت مسمى فضفاض : وزارة الهجرة والاندماج والهوية الوطنية والتنمية المشتركة. وأثار الاحتفاظ بتعبير الهوية الوطنية في علاقته بالهجرة استقالة احتجاج من 8 من 12 من الباحثين في جمعية : المدينة الوطنية لتاريخ الهجرة. وهي جمعية يشارك فيها كبار الباحثين لتحليل الايجابيات التي حملتها حركة الهجرة طوال قرنين من الزمن وترفض التسمية لما تثيره من بلبلة ومغالطة تاريخية بشأن المهاجرين ومخاطر ذلك على خلق معادة للمهاجرين.

وفي الحكومة جديد. إذ بها اليمين الشيراكي والديجولي بجانب وزير من يمين الوسط وثلاثة وزراء كانوا بالحزب الاشتراكي أو يحسبون على اليسار. وتعود فكرة الحكومة الائتلافية في الأساس لفرنسوا بايرو يمين الوسط. وتبناها ساركوزي بهدف إسقاط فكرة أن اليمين يسيطر على الحكم منفردا ويستطيع لعب هذه الورقة الرابحة في الانتخابات التشريعية القادمة بالقول بأنه فتح الحكومة على كل التيارات السياسية. فهي استراتيجية تميزت بالدهاء والمغالطة أيضا. وساعده في استراتيجيته شخصيات هامة ضربت عرض الحائط بأحزابها الأساسية والتفت حوله إما لأنها شخصيات تميزت بتغير قناعتها باستمرار أو لأنها الفرصة الأخيرة المواتية لها لتلعب دورا في الحياة السياسية ويدفعها الشك في احتمال عودة اليسار لاستلام أمور الدولة في القريب.

ولذا فان المعنى الفعلي لهذه الحكومة ليس الانفتاح إذ ذلك كان لابد أن يعني مشاركة إرادية من أحزاب أخرى بمقاسمة الحكم بناء على برنامج حد أدنى. ولذا فان ما يحدث هو استيعاب شخصيات مارقة على أحزابها وانفصلت عنها لمصالحها الخاصة ولم تعد تعبر إيديولوجيا عن فكرها السابق.

فقد لحق بالحكومة جان بيير جويليه كسكرتير دولة للشئون الأوربية. وهو صديق حميم لكل من سوجلين رويال، المرشحة الاشتراكية في الانتخابات الرئاسية السابقة، ورفيقها فرنسوا هولاند سكرتير الحزب الاشتراكي. وكذا انضم للحكومة مارتان هيريش، رئيس مؤسسة ايمايوس التي ترعى الفقراء الذين لا سكن لهم والتي تولى رئاستها بعد وفاة الأب بيير منذ شهور قليلة. وهيرش محسوب في توجهاته على اليسار وحصل على وزارة التعاضد الفعال لمناهضة الفقر.

ولكن الأمثلة الأساسية لما يسمى بالانفتاح اليميني هي حالة العضوين المنتميين سابقا للحزب الاشتراكي ايريك بيسون وبرنار كوشنر إذ طردا من الحزب. فالأول هو الذي وضع الجانب الاقتصادي لبرنامج سوجلين رويال الانتخابي ثم استقال من الحزب نتيجة اختلافات حول وضع التكلفة اللازمة لإنجاز البرنامج وكتب كتابا بعنوان : من يعرف سوجلين رويال، يهاجمها فيه شخصيا ويكشف عن نقاط الضعف في برنامجها. ثم انضم لمنافسها ساركوزي وساهم في حملته الانتخابية. فهو ما تسميه بعض وسائل الإعلام بالخائن بل يمكن تصور انه كان مدسوسا على الحزب الاشتراكي وانه لعب الدور بدقة ليهز من صورة رويال ويسهم في إسقاطها.

ولان من السياسيين من يغيرون الانتماء الفكري كما يغيرون ملابسهم فلم يكن من الصعب العثور على المطلوب التحاقهم باليمين الجديد. ومن بين الذي دعاهم ساركوزي، لمنصب وزير الشؤون الخارجية والأوربية ، هويبر فيدرين، وزير الخارجية الاشتراكي سابقا في ظل حكومة ليونيل جوسبان، وكاد أن يوافق. ولكن المجلس التمثيلي للهيئات اليهودية بفرنسا اعترض بحسب ما نقلته جريدة لو كنار انشينيه الأسبوعية في عدد 16 مايو الجاري ولم يكذب الخبر. إذ رأت الجالية اليهودية، التي دعت لانتخاب ساركوزي، في تعين فيدرين ما هو أكثر ضررا من أعداء إسرائيل. واتصل رئيس المجلس هاتفيا بساركوزي واخبره بان الجالية اليهودية تعتبر تعينه كإعلان حرب. واستقر الأمر على اشتركي أخر تقبله إسرائيل وهو برنار كوشنر الذي شغل منصب وزير الصحة 1992-1993. وهو نجم شعبي لتدخله في القضايا العالمية منذ سبعينات القرن الماضي من بيافرا في أفريقيا إلى كوسوفو حيث كان ممثل الأمم المتحدة. وكوشنر من أنصار حق التدخل في شؤون الدول من اجل الدفاع عما يسميه حقوق الإنسان ولذا ناصر التدخل الأمريكي في العراق. و هو من مؤسسي أطباء بدون حدود وأطباء العالم وهي منظمات غير حكومية تهتم بحال اللاجئين في العالم. و من سماته الأساسية تغير قناعته السياسية من فترة لأخرى إذ كان بالحزب الشيوعي في عام 1960 ثم التحق بالحرب الاشتراكي ثم تحول إلى الحزب اليساري الراديكالي ثم عاد للحزب الاشتراكي عام 1998. وتعينه ليس بصدفة إذ أعلن، في ديسمبر عام 2006، انه يوافق على المشاركة في حكومة وطنية في ظل ساركوزي إذا فاز وطلب منه. وكان حينئذ يشارك في الحملة الانتخابية بجانب الاشتراكية رويال وطالبها مع ميشيل روكار، رئيس الوزراء الاشتراكي السابق، بالتحالف مع يمين الوسط. وها هو يلحق باليمين الجديد. فهي هدية عمرة البالغ 67 سنة و أخر فرصة مضمونة ليعاود الظهور في الإعلام فهو يعشق ذلك. و تجدر الإشارة إلى أن السياسة الخارجية تسمى بالمجال الخاص مثلها مثل وزارة الدفاع. وهو ما يعني أن الواضع للسياسة والكلمة النهائية فيها لرئيس الجمهورية ولذا فالدور الذي سيلعبه كوشنر مثل الدور الذي سيلعبه هيرفي موران، وزير الدفاع، يمين الوسط، عبارة عن تنفيذ لإرادة الرئيس أو بحسب تعبير الرئيس السابق جاك شيراك : أنا أقرر والوزير ينفذ.

وفي ضوء هذه الأوضاع يأمل الحزب الاشتراكي أن يزيد من عدد أعضائه في البرلمان في الانتخابات التشريعية من 141 الآن إلى 200 في أحسن الأحوال وهو ما يعني استمرار اليمين متمتعا بالأغلبية المطلقة إذ يصل أتباعه إلى 351 عضوا. وما يظل غامضا هو ما سيحققه الحزب الشيوعي ويمين الوسط من تقدم أو تقهقر إذ للأول 21 عضوا والثاني 26 إلا أن معظم يمين الوسط لحق بساركوزي وشكل فرنسوا بايرو حزب حركة ديمقراطية ليدخل به هذه الانتخابات ولا يمكن استقراء ما سيحدث من جديد في موازين القوى في اللحظة الراهنة !

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك