الصفحة الرئيسية > الشرق وغموض مستقبله > سقوط الدرع العربي و تغير السياسة الأوروبية... بقلم مصطفى نور الدين

سقوط الدرع العربي و تغير السياسة الأوروبية... بقلم مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) سيحدد التاريخ لاحقا

الخميس 17 كانون الثاني (يناير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

سقوط الدرع العربي و تغير السياسة الأوروبية... بقلم مصطفى نور الدين

هل التحول في السياسة الخارجية الفرنسية والأوربية أصبحت "استعمارية"؟ لا يخلو السؤال من سذاجة فكأن الغرب أعلن يوما أنه حمامة سلام ! إذ نعرف من خطابه العلني ومن ممارساته أنه كان ومازال الإمبريالية المجسدة. وإذا كان قد تخلى في فترة عن مستعمراته، بعد حركة التحرر الوطني، فلأنه كان يملك معظم الوسائل اللازمة لمواصلة استغلالها دون وجود عسكري مباشر. بجانب أن جيوشه وقواعده العسكرية كانت ومازالت على معظم الحدود لتضمن مصالحه ووضع نظم موالية له تهرب أموال شعوبها إلى بنوكه.

ولكن ربما يكون السؤال الأقل سذاجة هو : هل يمكن أن نطالب الأخر أن يكون ملكيا أكثر من الملك ؟

وبفحص هذه الأطروحة على ضوء سياسات الغرب الخارجية تجاه الشرق الأوسط عامة لا نجدها متناقضة مع المعطيات الإقليمية ذاتها بل هي متناغمة معها و متكاملة. فما الذي تحول إذن ولماذا ؟

فالسياسة الإقليمية منذ حرب 1967 ثم سبتمبر الأسود واتفاقية كامب دافيد ثم الغزو الإسرائيلي للبنان وتحطيم المقاومة الفلسطينية وإخراجها من لبنان ثم معاودة تحطيمها وحصارها في رام اللة ما هي إلا سياسة إقليمية واحدة وجوهرها هو سقوط الدرع العربي بالتدريج عن القضايا القومية وتتبني أطروحة قبول الأمر الواقع، في تقلصه المستمر، و الحلول المنفصلة.

ثم تم تبني رؤية المقاومة المسلحة كإرهاب وتطبيقها عشوائيا. أي مشاركة وتبني نفس الاستراتيجية الإمبريالية في الخطاب السياسي وبالتالي في تبرير حروبها.

ومن تلك المعطيات غابت نظرة عربية مستقلة للدفاع عن مصالح قومية أو عن المصالح الوطنية في أحيان أحرى.

فكيف إذن يمكن وصف التحول في السياسة الخارجية الأوروبية والعالمية بأنها أصبحت استعمارية ؟ لقد كانت دائما ومازالت تسير على نفس نهجها. فالتحول الذي نطالبها به عبثيا. فنحن نطالبها بعكس النهج الذي تبنيناه منذ عقود بالتخلي عن كل المشروعات التي نادت باستراتيجية تنمية مستقلة وأخرى لاستراتيجية عربية للدفاع المشترك وثالثة للتكامل العربي. ..
فأي من هذه الشعارات لم يتحقق بل لم تتم فيه أي خطوات وكل قطر سعى للتوصل لحلول منفصلة وأحيانا متناقضة مع باقي الكل العربي.

وفي كل مراحل الصراع التي دارت شارك الكل العربي مع "عدوه التاريخي" في تحقيق استراتيجيته أو في أحسن الأحوال شرفا وقفت بعض الأنظمة تراقب عن كثب إلى أن يأتي الدور عليها. ولم تستطع الدول العربية بالتوصل إلى حل خلافاتها حتى التافهة منها داخل جامعة الدول العربية وكان على "المجتمع الدولي" أن يتدخل في كل كبيرة وصغيرة وحينئذ طبقا لاستراتيجيته ومصالحه.

فهل يحق لنا أن نطالب الغرب أن يكون فلسطينيا أكثر من الفلسطينيين أو لبنانيا أكثر من للبنانيين أو عراقيا أكثر من العراقيين أو عربيا أكثر من العرب ؟

لا يحلم الغرب إلا بشرق أوسط ممزق يتعامل معه حالة بحالة على النهج الكسينجري وتقدم له النظم كل السياسات إلي تخدمه في هذه الاستراتيجية. فالسياسة الشرق أوسطية إجمالا تعبد للاستراتيجيات الغربية سبل تحققها دون اعتراضات أو مقاومة. إذ في ذات الوقت الذي كان يحدث فيه ذلك قامت الدول بتقليم أظافر الحركات الوطنية التقدمية برغم أنها كانت ورقة رابحة للنظم للاحتفاظ بقدر من المقاومة للإمبريالية.

وتأتي النتائج الآن في غير صالح الاستراتيجية الغربية حينما لا توجد في الساحة السياسية قوى منظمة إلا القوى الإسلامية التي يخشاها الغرب برغم مزاعم موافقته عليها لنجاحها ديمقراطيا. إلا انه لا ينفك أن ينقلب عليها مطالبا إياها أن تكون معتدلة ومنزوعة السلاح وتقبل الاستسلام بديلا للمقاومة.

الغرب إلى اليمين.. سر

السياسة الغربية سياسة توازن ومصالح لا تخفيها لا في خطابها السياسي ولا في ممارستها الفعلية. والفترة الراهنة تشهد زحفا يمينيا سياسيا يتأكد في الدول الغربية الواحدة تلو الأخرى. وكانت الانتخابات الألمانية الأخيرة ورقة حاسمة في اختلال التوازن الأوروبي الذي ساد إبان فترة رفض فرنسا وروسيا وألمانيا للمشاركة في الحرب ضد العراق.

ثم جاء رفض الدستور الأوربي وتجميده إلى اضطراب "الوحدة الأوربية" فأسرعت كل من المانيا وفرنسا بالعودة للأحضان الأمريكية. وهذه العودة تتم عبر "المسألة الشرقية" حيث كان لابد من وضع نهاية للخلافات بنفيها لتقبل الولايات المتحدة بأن تلعب أوربا في السياسة الدولية. ولكن الدور الذي عليها أن تلعبه هو الدور "القذر".

فبعد أن كانت أوروبا تسعى لحل المسالة اللبنانية السورية بهدوء ولا تريد الدخول في صراع مع النظام السوري تحولت المعادلة ومارست الضغط اللازم بالمشاركة مع الولايات المتحدة لإنهاء الدور السوري بصورة مخزية ووضعت معها فتيل العداء بين الشعبين الشقيقين. بل أخطر من ذلك نثرت بذور حرب أهلية طائفية في لبنان.

وداخل نفس المعادلة وبرغم عدم اعتبار أوروبا "حزب الله" كتنظيم إرهابي، مثلما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة، فإن أوربا، وخاصة فرنسا، تلعب بكل ثقلها لتجريد المقاومة اللبنانية من سلاحها عبر استراتيجية ملتوية تبدأ بإعطاء السلطة للذين ينادون بذات المطلب. أي القوى السياسية "غير الواعية" بأن ذلك سيكون الضربة القاصمة للبنان مستقل ومعرض للخضوع للاستراتيجية الإسرائيلية التوسعية.

والتغير الأوربي الثاني في السياسة الأوربية يخص المسالة الإيرانية. إذ كانت أوربا متمسكة بالتميز في الموقف عن الولايات المتحدة وشارك كل من فرنسا وانجلترا وألمانيا في المفاوضات للتوصل لحل مغاير للطريق الذي تفرضه الولايات المتحدة بعرض المسألة على مجلس الأمن لإيقاع العقاب على إيران.

وهو ذات الموقف الذي تم مع العراق وبرغم النفي الذي قدمته وكالة الطاقة النووية لوجود "أسلحة الدمار الشامل" وبرغم عدم إقرار الأمم المتحدة بالحرب على العراق قامت "دول التحالف" بشن الحرب. وهو ما يترك ذات السبيل كاختيار بالنسبة لإيران وهو ما لا تنفيه الولايات المتحدة.

ويساعد في تطور هذا الموقف تخوف بعض النظم في الشرق الأوسط من إيران أكثر من تخوفها من إسرائيل. فبدلا من المنادة بشرق أوسط خال من الأسلحة النووية بما في ذلك إسرائيل تتركز المطالب والضغوط على إيران. فتلتقي بذلك الاستراتيجية العربية مع الغربية.

فللتحول في السياسة الأوربية متمثل في عودتها للالتحاق هذه المرة "للقوى المتحالفة" ضد إيران إذا لزم الأمر خاصة مع تزايد التمسك الإيراني بحقوقها في السيطرة على الطاقة النووية.

والعوامل الأخرى المساهمة في هذا التحول تمثلت في الخوف من الدور الإيراني المحتمل في العراق. وكذا الاقتراب الإيراني السوري و العلاقة الوطيدة مع "حزب الله" في لبنان.

ويضاف لتلك المعطيات عداء إيران المعلن ضد إسرائيل. وهو عداء كان الغرب يعتبره في سبيله للانتهاء منذ اتفاقيات الحلول المنفردة وشبه نهاية الصراع المسلح مع إسرائيل وتقلصه في عمليات انتحارية وقذف حجارة.

فالمحور الذي يتغير في السياسة الأوربية هو محور الشرق الأوسط والدفاع عن وجود إسرائيل ضد أي تهديد احتمالي. وهو ما نادت به المستشارة الألمانية أنجيلا ماركيل منذ أيام. إذ طالبت حزبها بضرورة إضافة فقرة صريحة في وثائقه تنص صراحة على حق إسرائيل في الوجود.

ولمتابعة ما جرى من تغير في موقف فرنسا برغم عدم تغير السلطة لابد من التطرق إليه انطلاقا من التحول الفرنسي الآتي مع انتخابات الرئاسة المقبلة عام2007. فكل التحولات السابقة تصب في هذه القناة. فالتنافس سيكون أساسا بين اليمن المتطرف و الحزب الاشتراكي و اليمين الديجولي (تيار شيراك) واليمين الجديد الذي يمثله ساركوزي.

ولاستبعاد نجاح اليمين المتطرف يلزم إما تبني داخليا وخارجيا قدرا من برنامج اليمين المتطرف أو التمايز كلية عنه.

ولو توقفنا فقط عند مسألة السياسة الخارجية بالنسبة للشرق الأوسط نجد أن الحزب الاشتراكي هو الأكثر لقاءا مع الولايات المتحدة فلقد كان شريكا في حرب الأمريكية الأولى ضد العراق. وهو كذلك حميم الصلة بإسرائيل ونذكر زيارة جوسبان لإسرائيل عندما كان رئيسا للوزراء وتصريحه بان "حماس" حركة إرهابية وتلقى أثناء زيارته للضفة الغربية "طماطم وحجارة" الفلسطينيين الذين طردوه.

و كان على اليمين "الشيراكي" أن يقوم بخطوة لتحسين الموقف مع إسرائيل إذ غالبا ما يتهم بأنه موال للعرب كخط سياسي. وتمثلت الخطوة في دعوة شارون لزيارة فرنسا في العام الماضي وهو مادهش كل المحللين السياسيين. ومنذ ذاك الحين بدأت زيارات مستمرة لإسرائيل وتأسيس جمعية "فرنسا- إسرائيل" بجانب برامج تبادل ثقافي مكثف..

ولإدراك المغزى البعيد لهذا التحول في موقف سياسة النظام الراهن في مغازلة إسرائيل لابد من معرفة أن المنافس لكل من تيار شيراك وتيار الحزب الاشتراكي الليبرالي و لليمين المتطرف هو نيكولا ساركوزي. وساركوزي ينعم بدعم من الجالية اليهودية الفرنسية ومن المثقفين اليهود ذوي التأثير الهام في الإعلام.

ودعم ساركوزيي ليس فقط لأنه ابن مهاجر يهودي من (المجر) ولكن لأن كل سياساته كوزير للداخلية تمحورت حور محاربة معادة السامية مما جعله يستأهل "جائزة التسامح" لنضاله في هذا الشأن من"مركز سيمون وايسنتال" الشهير الذي يرفع القضايا ضد من يتهمهم بمعادة السامية ويلاحق النازيين القدامى والجدد وتتواجد مكاتبه في نيويورك والعديد من الولايات الأمريكية وكندا وأمريكا الجنوبية وباريس والقدس.

أخيرا فإن ما يحتاج لتحليل ليس فقط التحول في السياسة الغربية حيال الشرق الأوسط ولكن التحولات التي تحدث في الداخل في مجتمعات الشرق. هذه التحولات التي تستعين بالأجنبي لتحطيم الأوطان واغتيال المستقبل. فهنا "مربط الفرس" من العراق إلى لبنان إلى سوريا وباقي الأقطار العربية... فكلام الغرب "المعسول" يبهر بعض النخب في العالم العربي حتى عندما تزحف جيوش الغرب لتدمر حضارتهم ومجتمعاتهم وتبذر الفتنة بينهم بحجة نشر الديمقراطية والاستقلال والليبرالية وحقوق الإنسان ! فهذه النخب لا تقف لحظة للتفكر فيما يحدث لها وبواسطتها ضد مصالح أوطانها. فهل يمكن لأحد أن يدعي أن لبنان أو العراق الآن وغدا أفضل مما كانا عليه طوال القرون الماضية؟

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك