الصفحة الرئيسية > فرنسا من الداخل > شيراك متهم والشعب يحتج على أوضاعه... مصطفى نور الدين

شيراك متهم والشعب يحتج على أوضاعه... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) ٢٨ نوفمبر 2007

الأربعاء 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

شيراك متهم والشعب يحتج على أوضاعه... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) ٢٨ نوفمبر 2007

تكاد تصبح عادة فرنسية أن يأت حادث خاص للتشويش على أمر عام. فما أن تخرج جحافل المواطنين بمئات الآلاف في الشارع للدفاع عن حقوقهم حتى تخرج قضية ما لتصرف الرأي العام عما هو جوهري إلى ما هو شخصي.

فمع أول انفجار اجتماعي يوم 18 أغسطس أعلن طلاق سيسيليا والرئيس نيكولا ساركوزي. وبعد ثمانية أيام إضراب ومظاهرات للعاملين في المواصلات العامة، الذي بدأ في 14 نوفمبر، وفي أوج الحركة أعلن القضاة يوم 22 نوفمبر عن توجيه "تهمة اختلاس أموال عامة" إلى جاك شيراك، رئيس الجمهورية السابق، حينما كان عمدة لمدينة باريس.

مصادفة مقصودة أم مجرد تحقق لنظرية الصدفة ؟ بالطبع الحدث فريد إذ لأول مرة يتعرض رئيس لاتهام بهذه الخطورة ولم يمض إلا ستة شهور عن تركه قصر الرئاسة. وتلك هي المرة الثانية منذ سقوط الحصانة عنه ويكبله القضاة بقضية جديدة وليست الأخيرة.

وكما في شهر يوليو، في القضية السابقة التي يعتبر مجرد شاهد، نشر شيراك مقالا في صحيفة لوموند ليفسر للمواطنين تصرفاته حينما كان عمدة لبلدية باريس (1977 – 1995). وبأنه لم يكن هناك قواعد تحرم استخدام أموال عامة. إذ أن الاتهام هو صرف أجور لنحو أربعين شخصا من ميزانية البلدية بينما عملهم الأساسي كان في الحزب السياسي لشيراك حينئذ. وشيراك يقر بأنه المسئول عن توظيفهم وان ذلك تم بموافقة أعضاء مجلس المدينة ومن أجل المدينة.. وأنه سيدافع عن نفسه ليظهر الحقيقة.

والقضية قديمة وينتظرها الجميع ولكن اختيار لحظة ظهورها على المسرح مريب. غير أن ذلك لم يغير من استمرار اهتمام الإعلام بالأوضاع الاجتماعية والحركة التي شلت الحياة طوال الأسبوع. وتجسدت حركة العصيان في قمتها يوم 20 في المظاهرات التي جمعت نحو سبعمائة ألف (700 ألف) من العاملين بالمواصلات العامة والبريد والاتصالات الهاتفية والصحة والتعليم العام في المدارس والجامعات والعاملين بحقل طباعة الصحف وبالطيران المدني بجانب طلاب الجامعات والمدارس الثانوية... الكل زمجر معا مما تنوي الحكومة تطبيقه من تغيرات في تلك المجالات.

المطالب الطلابية :


وللغضب محاور متعددة فمطالب الطلاب هي رفض تخلي الدولة عن الجامعة وتسليمها لرأس المال الخاص الذي عليه أن يلعب دورا في تمويلها طبقا للقانون الذي يمنح الجامعات الاستقلال المالي الذي سنه البرلمان في أغسطس الماضي إبان الأجازة الصيفية. وهو ما يعني أن الشركات الخاصة ستولي باهتمامها الجامعات التي تخرج الكوادر اللازمة لها في حين أن الجامعات الأخرى ستكون فقيرة بعدم دعمها وان ذلك سيقود إلى جامعات للنخبة وأخرى للفقراء. وبدأت حركة الاحتجاج تتسع فأغلق الطلاب نحو 50 جامعة من بين 85. ولكن في الاجتماع لممثلي الحركة يومي 24 و25 نوفمبر تعمق الاختلاف حول سياسة الاحتجاج بمنع مواصلة الموسم الدراسي كوسيلة إذ الامتحانات بعد أسابيع قليلة.

وان كان هناك اتفاق بين جميع النقابات الطلابية على مضار القانون الجديد فالاختلاف يتعلق بالمطلب وهل هو المطالبة بإلغاء القانون أم الحوار مع الحكومة من أجل ضمان إسهامها المالي في ميزانية الجامعات بشكل كبير ودائم لعمل التوازن ولا يتحمل الطلاب العبء بارتفاع مصاريف التسجيل وتدهور مستوى التعليم. وتستمر الحركة الأيام القادمة دون أفق واضح لمسارها إلا أن يوم 29 نوفمبر سيشهد مظاهرات طلابية في كل المدن تمتد في أوائل ديسمبر.

المطالب الاجتماعية :


أما هو بين مشترك بين كل القطاعات الاقتصادية فيتعلق بالمطالبة بزيادة الأجور لمواجهة انخفاض القوى الشرائية. فالأسعار ترتفع باستمرار للمسكن والمواصلات والطعام والتعليم والنفقات طبية في حين الأجور تكاد تكون مجمدة. ففيما يخص الموظفين، مثلا، وبحسب مراكز الأبحاث انخفاض قوتهم الشرائية بنحو 7% منذ عام 2000. ويعتبر 44 % من الفرنسيين أن قواهم الشرائية سوف تنحدر بشكل ملموس الشهور القادمة.

والمطلب الثاني يتعلق بربط حساب المعاشات في علاقتها بمعدلات التضخم للحفاظ على قدرة شرائية محتملة وحياة كريمة. إذ أن ربط المعاشات بالأجور وحده يعني الانحدار المتتالي للقدرة الشرائية. ويلزم التنويه إلى أن حساب المعاش يختلف بين القطاع العام والخاص. ففي القطاع الخاص تصل نسبة الاستقطاع من الأجر إلى 10 % شهريا ويحسب المعاش على أساس اجر أفضل أخر 25 سنة عمل للشخص وأن قيمة المعاش يتم تعديلها بالزيادة مع ارتفاع أسعار المعيشة والتضخم. في حين أنه بالنسبة للعاملين بالقطاع العام فنسبة الاستقطاع الشهري من الأجر هي اقل قليلا من 8 % للغالبية و12 % للعاملين بقطاع الكهرباء والغاز ويحسب المعاش على أساس أجر الستة شهور الأخيرة للعمل ولا يتم تحسين الأجر في علاقته بالتضخم.

والسبب الأساسي لانطلاق إضراب العاملين بالمواصلات يرجع لبرنامج الحكومة الرامي لتوحيد فترة العمل لاستحقاق معاش كامل بأن تصبح 40 سنة شغل للجميع. ففي القطاعين العام والخاص المدة هي 40 سنة بينما تختلف الأمر في القطاع العام لبعض العاملين في السكك الحديدة والمترو والكهرباء والغاز لتكون المدة 37 سنة ونصف فقط. والسبب هو أن هذه المهن تعتبر مرهقة وخطرة بجانب العمل في مناخ قاسي تحت الأمطار والثلوج.

والنقطة الثانية أن المجتمع المتقدم تدور المعركة فيه على تخفيض ساعات العمل الأسبوعي وطول فترة الخدمة ليتمكن البشر من الاستمتاع قليلا ببعض الوقت لأنفسهم وأسرهم. ولكن هذا المطلب يزداد صعوبة نظرا لزيادة العمر الافتراضي للإنسان الغربي نظرا لتطور سياسات الوقاية والعناية الصحية والطبية. وهو ما يعني لدي الليبراليين أن حقيقة الإنسان يعمر أكثر تستلزم أن يعمل أطول فترة ممكنة لكيلا يكلف المجتمع نفقات سنوات طويلة على المعاش دون إنتاجية ويتحملها جيل العاملين.

وهناك اتفاق على أن التشريعات بحاجة إلى إعادة نظر بداية من المعطيات الجديدة. والخلاف في أن كل التعديلات التي يقوم بها النظام الليبرالي يدفع ثمنها أصحاب الدخول المنخفضة والغالبية من متوسطي الدخل في حين أن الإرباح التي تحققها الشركات الرأسمالية ورواتب العاملين بها تتسم بانعدام مطلق في تحقيق حد أدنى من العدالة الاجتماعية. وهذا في جانب منه يثير الغالبية من المواطنين البسطاء. فالدولة تطلب من المواطنين التحمل بينما يرفع راتب رئيس الجمهورية، الشهر الماضي، بنسبة 140 % وبدلا من 8 ألاف يورو يصبح عشرين ألفا. وأثار القرار الغضب من اليسار الذي أعتبر الأمر فضيحة في مجتمع لا يتجاوز اجر نصف سكانه ألفين يورو. وكذا أثار الغضب حصول نويل فورجيار، مدير شركة صناعة الطائرات الفرنسية، على 12 مليون يورو مكافئة نهاية خدمة. يضاف لتخفيف الضرائب بنسبة 10 % على كبار الأثرياء...

وكشف الصراع عن الهوة بين القيادات النقابية والقاعدة. إذ قدمت القيادات تراجعات بعدم مناقشة مسألة المعاش لجميع الفئات معا وقبول شرط الحكومة بدراسة حالة بحالة. بل طالبت القيادات النقابية الكبرى إيقاف الإضراب واعتبار شرطا كافيا تراجع الحكومة بقبول أن يمثلها مندوب في المفاوضات التي ستعقد بين مديري المصالح والنقابات.

ووقفت القاعدة العمالية بصلابة ولم تقبل بإيقاف الإضراب إلا بعد تقديم ضمانات جادة وجدول أعمال يبشر بالتوصل لتحقيق بعض المطالب. واعتبرت القاعدة أن الإضراب معلق ولم ينته وقد يعاود تصعيده يوم 18 ديسمبر إذا لم تتحقق المطالب الأساسية. وإذا حدث وعاود الإضراب انفجاره فذلك يهدد أعياد نهاية السنة وتكون ضربة كبرى للمواطنين الذين يسافرون في تلك الفترة لقضاء الاحتفالات مع أسرهم أو في المناطق السياحية. وكذا للاقتصاد الفرنسي الذي تمثل تلك الفترة أهمية خاصة لتقديم الهدايا. ويعتبر التوقف عشرة أيام أطول مدة إضراب منذ 1995. وهذه الأيام العشرة سوف تستقطع من رواتب المضربين وسوف تعوض شركة السكك الحديدة المستهلكين عن تذاكرهم التي لم تستخدم وكذا عن اشتراكات السفر لتلك الأيام.

ولقد سعت الدولة على إغضاب الشعب على المضربين بكل الوسائل بتنظيم مظاهرات مضادة للإضراب هي الأولى من نوعها في فرنسا. وكذا عبر الخطاب السياسي الرسمي إذ استخدم كل من رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية لكلمة "رهائن" لوصف حال المواطنين الذين لم يتمكنوا من الذهاب لعملهم أو التنقل بسبب الإضراب. فاستخدام الكلمة وبتداعي للأفكار تساوي بين المضربين والإرهابيين برغم قانونية ودستورية الإضراب.

وما يمكن استنتاجه من الليبرالية الفرنسية يتلخص في استراتيجية استرجاع الرأسمالية للمكاسب وللحقوق التي حصلت عليها الطبقات العاملة طوال صراعها التاريخي. وهذه الاستراتيجية تضع الطبقة العاملة في موقف الدفاع عن هذه الحقوق ولا تتقدم بمطالب جديدة.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك