الصفحة الرئيسية > الحركات الاجتماعية > تفسير صهيوني لأحداث الشباب في باريس : العرب والمسلمون استهدفوا فرنسا .. بقلم : مصطفى (...)

تفسير صهيوني لأحداث الشباب في باريس : العرب والمسلمون استهدفوا فرنسا .. بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) 10 ديسمبر 2005

السبت 10 كانون الأول (ديسمبر) 2005, بقلم مصطفى نور الدين عطية

تفسير صهيوني لأحداث الشباب في باريس : العرب والمسلمون استهدفوا فرنسا .. بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) 10 ديسمبر 2005

بلغت وقاحة الحركة الصهيونية في فرنسا قمتها بتقديم تفسير إجرامي لحوادث غضب الشباب التي وقعت في الأسابيع الأخيرة. فلقد أدلى احد أهم مفكري الصهيونية في فرنسا (الان فينكلكروت Alain Finkielkraut) بحديث لجريدة هآرتس الإسرائيلية يوم 19 نوفمبر يلخص جزأ من موقفه منذ أكثر من ربع قرن. إذ يرى فينكلكروت أن أسباب حركة الغضب لا يرجع للمعاناة والعنصرية والفقر والمهانة. وإنما هي: " انتفاضة عرقية – دينية " و مرجعها " كراهية لفرنسا نتيجة تاريخها الاستعماري". فمن قاموا بالحركة بحسبه هم من " العرب والأفارقة" الذين يكرهون الجمهورية ويظلون هنا لان أوضاعهم ستكون أكثر سوءا لو عادوا لبلادهم ! وتلك مغالطة وأكذوبة فلقد ولدوا في فرنسا وهم "أولاد وبنات الجمهورية" بحسب قول شيراك نفسه. فلاين يذهبون ؟

وتجاوز "الفيلسوف الجديد" حدود الحوادث التي مرت بها فرنسا ليعطي تفسيره المحرف للتاريخ لمواجهة المطالب التي تنادي بها "حركة السود" بالاعتراف بجرائم الاستعمار وخاصة الإقرار بان الاتجار بالأفارقة كعبيد لابد من الاعتراف به كجريمة ضد الإنسانية لتتم تصفية المسألة والمصالحة بين الشعوب.

فقدم فينكلكروت أطروحته القديمة والمستديمة وهي : "أن الاستعمار لم يكن كله عيوب وإنما ساهم في تعليم ونشر الحضارة بين الشعوب المتوحشة". وانه: " لا يمكن أن يوضع على قدم المساواة ما تعرض له اليهود إبان الفترة النازية والفترة الاستعمارية. وانه لا قياسا بين ذلك ومسألة العبودية.. التي لم تكن جريمة !!" ويذهب فينكلكروت إلى ما هو ابعد بالتوقيع على وثيقة نشرت منذ عدة شهور من اجل محاربة " العنصرية ضد المواطنين الفرنسيين بيض اللون" ! بل يقول أن "الفرنسيين واليهود هم الذين يتعرضون للعدوان اليوم !"

وخطورة المفكر الصهيوني تأتي من تأثيره الواسع في الإعلام وهيمنته على برامج هامة في راديو الجالية اليهودية بفرنسا الموالي كلية لإسرائيل وكذا احتكاره لبرنامج هام في " الراديو الثقافي " القومي بجانب الصفحات التي تفتح له في اكبر الجرائد والمجلات.

وكان رد الفعل على الأفكار التي طرحها فينكلكروت شديدة الانتقاد في معظم الصحف والمجلات الكبرى والحوار على شبكة الانترنيت فقد وصف "بفقدان الصواب والمريض وانفصام الشخصية والرجعي الجديد ومشعل الحرائق ومن لا يريد سلاما هنا ولا هناك..." وقال ديديه دانينك Didier Daeninckx أن فقرة من كتاب هتلر "كفاحي" عن اليهود والشعوب السوداء تماثل لأفكار فينكلكروت عن العرب والسود.

وأعلنت جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان والمهاجرين نيتها رفع دعوى قضائية ضد "الفيلسوف" بتهمة العنصرية والمطالبة بطرده من الإذاعة القومية. بل جاء اعنف نقد له من "اتحاد الطلاب اليهود من اجل السلام" الذي رأى فيما يقوله غباء سياسي ووقاحة وتشويها للتاريخ وانه ليس صحيحا أن العنصرية عاني منها اليهود دون غيرهم وإنما عانت منها الشعوب الأخرى أيضا فليس هناك فرق بين الضحايا". وتراجع "الفيلسوف" وقدم اعتذاره لمن جرحتهم أقواله إلا انه لم يتنازل عن تحليلاته !

ويقوم هذا التيار الصهيوني من وقت لآخر بتفجير معارك من هذا النمط في ظل استراتيجية مقنعة بإشعال الصراع بين فئات من المواطنين والجالية اليهودية ثم الصراخ بعد ذلك عند أول حادث بان هناك صعود لمعادة السامية وعلى اليهود الهجرة لإسرائيل لينعموا بالأمان !

فقدان الذاكرة التاريخية الإرادي

ولكن لابد من التنويه أن فرنسا سنت في 23 فبراير 2005 قانونا يقول في الفقرة الرابعة منه بضرورة أن يذكر ويدرس في الكتب المدرسية أن "الفترة الاستعمارية المباشرة كانت ايجابية للبلدان التي استعمرتها في أفريقيا السوداء وبلدان المغرب العربي". وما زالت هذه الأطروحة محل أزمة مع هذه الدول خاصة الجزائر التي راح ضحية حربها من اجل الاستقلال نحو مليون مواطنا.

وناقش البرلمان الفرنسي يوم 29 نوفمبر الماضي الطلب الذي تقدم به العديد من أعضائه بإلغاء هذه الفقرة وترك البحث في التاريخ مفتوحا وحرا. ورفضت الأغلبية البرلمانية اليمنية تعديل القانون بحذف هذه الأكذوبة التاريخية.

نواح الرجل الأبيض

وكانت مداخلة عضو البرلمان عن المستعمرة الفرنسية في أعالي البحار "جوادلوب Guadeloupe " (فيكتوريان لوريل) من أهم المداخلات إذ قال بأنه باعتباره " واحد من أبناء البلدان التي استعمرتها فرنسا لا يمكن أن ينسى التاريخ. وانه في عام 1802 حينما سن قانون العبودية مات 10 ألاف شخص ومات في مدغشقر 90 ألف شخص عام 1947 و45 ألف شخص في ولاية سطيف الجزائرية علاوة على المذابح التي وقعت في عملية احتلال الكونغو وفي الحروب جنوب شرق أسيا والقائمة تطول... " وعبر عن الحزن والخجل الذي يستشعره ككل أبناء المستعمرات من هذه المسح الإرادي للتاريخ الفرنسي وتبني أفكار المستشرق والمؤرخ ارنست رينان، في القرن التاسع عشر، التي كان يعلن فيها برقي الجنس الأبيض ويبارك الحملات الاستعمارية. وان ما قاله أخيرا (الان فينكلكروت) هو استمرارية لذات الأفكار التي تتردد منذ كتاب "نواح الرجل الأبيض" لباسكال بروكنر في منتصف الثمانينات من القرن العشرين. فهذه الأفكار تحاول "تبرئة المستعمرين مما تسببوا فيه من مآسي في المستعمرات وان تلك كارثة حقيقية"

هتلر واسرائيل

وتأخذ المشكلة طابعا مثيرا للتساؤل الصامت عن المعيار المختلف الذي ينظر به للتاريخ الأوربي القديم والحديث. فلا أحد من المؤرخين له حق إعادة النظر في موضوع غرف الغاز والعدد الحقيقي لمن ماتوا فيها إبان الحرب العالمية الثانية. فكل المؤرخين، أيا كانت مكانتهم الأوربية أو العالمية، الذين تعرضوا لهذه المسالة يلاحقهم القضاء الأوروبي بتهمة نفي التاريخ ويطلق عليهم اسم: "النافون أو المنكرون". وأخر من تعرض للقبض عليه في هذا الأمر هو المؤرخ البريطاني دافيد ايرفينج (مؤلف نحو 30 كتاب في تاريخ الحرب العالمية الثانية) الذي يلاحقه القضاء الدولي منذ عام 1989 وقبض عليه في النمسا يوم 11 نوفمبر الماضي. وكان قد صرح عام 1994،حسبما تذكر صحيفة "لوموند" بان : "هتلر يعد أكثر أصدقاء إسرائيل قربا فلولاه ما كانت دولة إسرائيل... وان من قتلهم النازي من اليهود هو 600 ألف شخص فقط." وتضيف الجريدة:" أن المؤرخين اثبتوا أن عددهم 6 مليون شخص." ولان التشدد يلاقيه التشدد فان الذين يقاومون غلق باب البحث في التاريخ يرفعون شعارا مغاليا لأنه يضع النتيجة قبل البحث إذ يطالبون "بتبرئة تاريخ الحرب العالمية الثانية" من جرائمه. فمن طرف إدانة لمن يطلب بحق الطعن في التاريخ وفي المقابل تبرئة مسبقة له".

والتناقض الذي يلوح هو أن نفس هذه المجتمعات الغربية التي تتطور فيها النظريات " العلمية " للعلوم الاجتماعية تتناساها عمدا عند كتابة تاريخ دولها. فينسون بوعي ذكر الجرائم التي ارتكبتها دولهم في المرحلة الاستعمارية ضد الشعوب التي احتلوها عشرات ومئات السنين. ويلوح هذا بشكل خاص عند أهم المدارس التاريخية وأكثرها تأثيرا في الإيديولوجية المهيمنة في قمة الدولة وبالتالي في البرامج التعليمية.

ولقد أخص المؤرخ البريطاني الكبير بيري اندرسون العام الماضي فرنسا بدراستين نقديتين عن هذه المسألة منذ فترة ما بعد الحرب إلى الآن. وأوضح أن الهدف من الكتابات التاريخية كان تأصيل الليبرالية الجديدة والسعي للوفاق الداخلي "المقدس" وبالتالي عدم التطرق للمسائل محل النزاع في التاريخ القديم وبشكل اخص المعاصر من حرب فرنسا في فيتنام إلى حرب الجزائر.

ويمكن القول دون السقوط في مبالغة أن الدول الإمبريالية تبيض صفحات تاريخها الإجرامي ضد الشعوب إبان فترة الاستعمار المباشر مثلما تقوم به لما يخص حاضرها.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك