الصفحة الرئيسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > تعاسة ساركوزي وتعاسة المواطنين... مصطفى نور الدين

تعاسة ساركوزي وتعاسة المواطنين... مصطفى نور الدين

نشر في جريدة الاهالي الاسبوعية بالقاهرة يوم 24 اكتوبر 2007

الأربعاء 24 تشرين الأول (أكتوبر) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

تعاسة ساركوزي وتعاسة المواطنين... مصطفى نور الدين

نشر في جريدة الاهالي الاسبوعية بالقاهرة يوم 24 اكتوبر 2007

أعلن قصر الرئاسة، يوم 18 أكتوبر، عن الطلاق بين نيكولا ساكوزي، رئيس الجمهورية، وسيسليا في نفس وقت انطلاق الغضب الشعبي الذي شل حركة المواصلات الفرنسية وزحف مظاهرات عملاقة في أنحاء فرنسا. لعبة ديماجوجية مفضوحة لم تخف على أحد. أراد ساركوزي أن تتكلم وسائل الإعلام عن حظه التعس الخاص بدلا من تعاسة آلاف الفرنسيين الذين خرجوا يعترضون في البرد على الشروط الصعبة التي يريد أن يفرضها على شيخوختهم بعد المعاش بالعيش بالقليل من الدخل بعد العمل أطول مدة.

كان الفرنسيون يعرفون بحسهم بالانفصال الحتمي بين الرئيس وحرمه فلم تكن قصة غرامها من شخص آخر لتنتهي لأنها أصبحت سيدة فرنسا الأولى. وكان يكفي للبرهان قراءة للصور التي كان الرئيس يقبلها فيها أمام الكاميرات ورؤية عيونها ملتفتة للعدم. فاللعبة كانت مؤقتة في عودة الارتباط بين الاثنين عام 2005 بعد فترة انفصال. إذ منذ عدة شهور نشر رئيس تحرير جريدة "فرنس سوار" صورة لها مع صديقها المغربي ريشار اتياس، مدير وكالة إعلانات في نيويورك وباريس، وكان ذلك إبان حملة للدستور الأوربي وبعد أيام أجبر رئيس التحرير على الاستقالة. فالجريدة ملكا للمليونير ارنو لاجاردير صديق نيكولا الحميم.

فهي إذن كانت عودة مؤقتة حتى يصل نيكولا إلى كرسي الإليزية. فسيسليا غابت في كل اللحظات الهامة في حياة نيكولا وجسدتها بعدم التصويت له في المرحلة الثانية من انتخابات الرئاسة إذ لم تذهب للإدلاء بصوتها. وكان نيكولا يجذبها جذبا من يدها يوم انتصاره لتقترب منه في صورة أمام الكاميرات. إذن فالموضوع كان مسألة اختيار لحظة إعلان الانفصال ليس غير. وتعترف جريدة "لوموند" بأن الخبر لديها كانا يقينيا ولكنها حاولت التروي في معالجته وتندم مهنيا لأنها لم تفعل.

وتقول سيسليا غداة إعلان الطلاق، يوم 19 أكتوبر، في حوار لجريدة "لايست ريببليكان" إنها حاولت بكل الطرق إعادة بناء حياة مع نيكولا ساركوزي ولكن ذلك تبين لها كمستحيل. وأنها تنوى الحياة في الظل ولا مكان لها في قصر الإليزية. فهي تحب الوحدة والبعد عن الحياة العامة. وفي نيتها طي هذه الصفحة من حياتها كغيرها وتكرس وقتها لأسرتها".

فلم يكن عدم الرد من قبل المتحدث الرسمي لقصر الرئاسة على الشائعات، في الأيام الأخيرة، إلا بكلمة "لا تعليق" مكشوفة سياسيا كلعبة أطفال. إذ انتظر الرئيس لإعلان الخبر اليقين على الأمة، وكأنها صدفة، وقت المظاهرات العملاقة التي شارك فيها 150 ألف مواطن في 130 مدينة. وبلغ عدد المتظاهرين 25 ألفا في باريس وحدها.

وكان الإضراب ناجحا بشكل كبير ولم تكن هناك إلا إمكانيات محدودة للتحرك بين باريس وضواحيها. واضطر الفرنسيون للاعتماد على أنفسهم. فاستخدموا الدرجات في مواقف معدة لذلك، بشكل حر مقابل مبلغ صغير للإيجار. و كذا بابتداع التنقل الجماعي في سيارة لشخص واحد. إذ تم إنشاء موقع على انترنيت يسجل من يريد الذهاب من مكان إلى آخر معلوماته وساعة تحركه ذهابا وعودة ووسيلة الاتصال به. فيجد أشخاصا تتوافق الحركة مع حركتهم فيذهبون معا ويتقاسمون مصاريف "البنزين" أو مجانا. وأختار الآلاف عدم الذهاب للعمل لمعرفتهم لحجم الصعوبة في الذهاب والعودة.

وقررت النقابات السكك الحديدية بغالبية 95 % من أعضائها استمرار الإضراب ليوم 19 أكتوبر لتظهر تمسكها بصلابة بموقفها في مواجهة تصريحات الحكومة التي لم تبد أية تنازل في برنامجها الساعي لتغير نظام الإحالة على المعاش بأن يعمل الجميع 40 سنة ليحق له معاش كامل. أي إنهاء تطبيق القانون الذي يعطي الحق لمن يمارسون الأعمال المرهقة العمل 37 سنة ونصف فقط.

ولم يأت الإصرار من العاملين بالسكك الحديدية فقط إذ أن 28 شبكة مواصلات أخرى تربط المدن الكبرى قررت استمرار الإضراب ليوم جديد وذلك في كل وسائل المواصلات من ترام وأتوبيس وقطارات إقليمية. وشمل الإضراب أيضا أكثر من نصف العاملين بقطاع الطاقة الكهربائية ونسبة اقل من بين موظفي الحكومة وشركات الطيران.

ولكن ما هو أكيد أن الإضراب ليومي 18و 19 أكتوبر واستمرار ه حتى صباح يوم 22 بشكل جزئي يعتبر عودة جديدة للشارع السياسي الذي أجبر في كل مرة الحكومة على عدم تطبيق سياسة ضد مكاسب نضاله التاريخي. فهذا الإضراب يفوق في قوته الإضراب الكاسح لعام 1995 الذي اعتبر شهادة بفاعلية العمل النقابي في الصراع الاجتماعي وقدرته على سحب الدولة لمشروعاتها الاجتماعية المنافية لطموحات المواطنين.

والحكومة من جانبها قد بدأت التفاوض إلا أن نيكولا ساركوزي حدد نهاية العام الجاري للتوصل لاتفاق وفي حال عدم التوصل يفرض ما يريده من تعديلات عبر تصويت البرلمان. ومن السابق لأوانه رؤية الكيفية التي سوف ينتهي بها هذا الاحتجاج الأول في عصر الرئيس الجديد فذلك سوف تلعب فيه الوحدة النقابية الورقة الأساسية. فإذا صمدت في صراعها فقد تتراجع الحكومة أو تعيش فرنسا في إضراب متتالي تسبب خسارة فادحة للقطاعات التي سوف تمسها.

أما الأسباب التي تثير الخلاف فتعود لرسم الحكومة لتغير فترة العمل لكل العاملين بالقطاعين العام والخاص. وهو ما يعني أن العاملين الذين يمارسون الأعمال الشاقة والمضرة بالصحة لن يعد من حقهم الخروج على المعاش في سن الخمسين أو الخامسة والخمسين أي بعد فترة عمل تصل إلى 37 سنة ونصف. فالحكومة ترمي إلى أن ينطبق على الجميع ضرورة العمل 40 سنة لاستحقاق معاش كامل.

ولإعطاء فكرة عن أهمية الحركة الاحتجاجية نذكر بان السكك الحديدية الفرنسية (قطاع عام) تحتل المرتبة الثانية على المستوى الأوربي بعد ألمانيا. وفي فرنسا تنقل قطارات المسافات الطويلة سنويا 320 مليون راكب يضاف إليهم 572 مليون بقطارات الضواحي الباريسية وتنقل بضائع وزنها 121 مليون طن. ويبلغ طول الخطوط الحديدية 32 ألف كيلومتر من ضمنها 1850 كم خطوط كهربائية من بينها أيضا 15 ألف كم للقطارات سريعة السرعة (300 كم في الساعة وبدأت خط بين باريس واستراسبورج بسرعة 570 كم في الساعة) وتسير يوميا 14 ألف قطار. ويعمل بالسكك الحديدية 238 ألف شخص بمتوسط أجر شهري يصل إلى نحو 2500 يورو. وأنه في عام 2006 التحق بالعمل به 25 ألف شخص في حين خرج في ذات العام على المعاش ما يقرب من 20 ألفا وهو ما يعني تطور الشركة بشكل كبير في استيعاب العمالة.

ولمعرفة أهمية شبكة المترو والأتوبيس والترام (قطاع عام) في باريس وضواحيها يكفي ذكر انه يستخدمها 2685 مليون راكب سنويا لعام 2006. وذلك يظهر عاقبة توقف حركة المواصلات ليوم واحد على الحياة الاقتصادية.

ولان الصراع اليوم يخص المستقبل حيث يعيش الذين خرجوا على المعاش على دخل منخفض فإن الإصلاح سوف يضاعف من هشاشة أوضاعهم. إذ تقدر النقابات أن العامل بالسكك الحديدية سوف يخسر ما بين 206 و 868 يورو من دخله الشهري لمن سيصلون لسن المعاش عام 2020 وبعد 33 سنة استقطاع من الأجر.

وهذا الإصلاح لا يرفضه فقط بعض العاملين في المهن الصعبة ولكن يجتمع حولهم أيضا الكثير من العاملين في شركات الطيران وفي قطاع التعليم الذي قررت الحكومة تسريح 21 ألفا من العاملين به ومطالبة المعلمين بالعمل أوقات إضافية لتعويض العجز الذي سينتج من هذه السياسة التي ترمي بشكل عام إلى أن يقوم بنفس العمل عدد أقل من العاملين.

وكانت الحركة، في شكل الإضراب أو التظاهر، ناجحة لأن النقابات تمارس بكل الوسائل نشر الدعوة للحض على الإضراب دون أن تتهم بأن هذا تحريض وشغب. فنشر الوعي مشروع بالقانون والدستور ولا يتدخل رجال الأمن في قهر الحركة أو القبض على قادتها وإنما بحفظ سلامتها لتجري بسلام وتأمين حق المضربين.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك