الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > بعض ملامح الإنسان في فكر العدو... بقلم : مصطفى نور الدين

بعض ملامح الإنسان في فكر العدو... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة)

الأحد 17 أيلول (سبتمبر) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

بعض ملامح الإنسان في فكر العدو... بقلم : مصطفى نور الدين

لا توجد كلمة بمفردها في اللغات تعبر بدقة عن الممارسات الأمريكية مع حلفائها والصهيونية. فيلزم جمع كل المترادفات لعشرات الكلمات لابتداع كلمة جديدة. كلمة تتضمن : القرصنة، السطو، الإجرام، الوحشية، الهمجية، اللا إنسانية، اللا أخلاقية، الحقد، الصلافة، الغش والنفاق ... وبرغم هذا تظل الكلمة غير معبرة عن فداحة ما يدور أمام بصر العالم وسمعه. فكيف يمكن أن يكون بعالم، رافع لشعار الحضارة "الإنسانية" والديمقراطية "الموعودة" و الحرية "المنتظرة"، بشر يمارسون كل هذه التجاوزات المتنافية مع كل القيم وبقناعة بأنهم يقودون البشرية نحو مستقبل أفضل برغم أن كل فعل فعلوه يستأهل محاكمة دولية وشعبية ؟

نظرة نحو فلسطين المغدورة والعراق المباحة والسودان المنهكة ولبنان المأساة وغيرها تجيز طرح عشرات الأسئلة والشلل حيال انعدام تقديم الحلول الصحيحة التي يدركها الجميع ولكن يغلبون أنانيتهم لفتات ما قد يحصدونه من فوائد تتركها لهم بشروط القوى العظمى المتحكمة في مصير النظم الحاكمة هنا وهناك.

انتهي البعض للقول بأن الإنسان تقوده "غريزة الموت".. وأن القوة فوق القانون. ولكن الأكثر شناعة القبول بذلك واعتباره قدرا. وبشكل عيني نظرة لفكر العدو نجد ملامح من لا إنسانيته. فالكاتب الصهيوني الشهير، ألكسندر ادلر، يقدم نصائحه في مقاله "اختيارات استراتيجية لإسرائيل" نشرت في مجلة الجالية اليهودية بفرنسا (أرش).. في عدد يوليو- أغسطس 2006 :"ألا تقوم إسرائيل بإهانات مبالغ فيها للفلسطينيين بغزة ولكن بقدر معقول و ألا يتم تجويعهم تماما".

ولكن هذه النصيحة كانت قيد الممارسة منذ شهور فالكاتبة الإسرائيلية "تانيا رينهارت"، المناصرة لحركة السلام، تؤكد في منتصف يوليو 2006 بمقال بعنوان (جيش الدفاع جائع للحروب: من أجل ماذا يقاتلون؟): "الهجوم على غزة كان معدا منذ وقت طويل مع إعطاء الضوء الأخضر من الولايات المتحدة بالهجوم على غزة وكان حرص الجيش متمركزا حول نقطة واحدة وهي صورته لدى الرأي العام. فالجيش يخشى أن تذهب الجهود الحربية والدبلوماسية هباء نتيجة التقارير التي تكشف عن أزمة إنسانية في غزة. ولذلك فعلى الجيش منذ الآن الحرص على ترك بعض الطعام. فإذا فهمنا تماما فانه من الضروري إطعام سكان غزة لكي يصبح من الممكن الاستمرار في قتلهم دون التعرض لمتاعب". وتضيف: " فالهدف النهائي أن يفهم الشعب الفلسطيني أن لا أمل له من المقاومة وأن عليه قبول سلطة المستعمر."

أن نقتل وأن نقتل وأن نقتل

فللكشف عن العلاقة بين إسرائيل والنظام العنصري السابق في جنوب أفريقيا نشرت صحيفة الجاردين البريطانية تحقيقا طويلا على حلقتين (يومي 6 و 7 فبراير 2006)، وفي الحلقة الثانية تحت عنوان "أخوة السلاح – الاتفاق السري بين إسرائيل وبريتوريا" يستشهد كريس ماكجريل الذي قام بالتحقيق بما صرح به ارنون سوفير، من جامعة حيفا وعمل كمستشار للحكومة الإسرائيلية في مسألة "المخاطر السكانية" التي سوف يشكلها العرب بعد جيل واحد عقب انسحاب إسرائيل من غزة. يقول المستشار لصحيفة جورزاليم بوست : " عندما يعيش سكان يصل عددهم مليون ونصف مليون في غزة مغلقة ستكون كارثة إنسانية. فهؤلاء السكان سيصبحون حيوانات هائلة أكثر مما هم عليه اليوم بتشجيع من الإسلام الراديكالي. وسيصبح الضغط على الحدود مرعبا. ستكون حربا مخيفة. ولذا لو أردنا أن نحافظ على بقائنا سنضطر أن نقتل وأن نقتل وأن نقتل. كل الأيام وكل يوم... وإذا لم نقتل لن يبق لنا وجود. والشيء الوحيد الذي يشغلني هو الكيفية التي بها نضمن أن الأولاد والرجال الذين سيضطرون للقتل سيكون لديهم القدرة للعودة لمنازلهم ولأسرهم ويكونوا كائنات بشرية سوية. "

الأوامر كانت القتل للقتل

ويقول الكاتب اليساري الإسرائيلي ميشيل وارشافيسكي، في كتابه "الإسراع نحو الهلاك : أزمة المجتمع الإسرائيلي" الذي صدر عام 2003 في فرنسا، انه منذ سبتمبر 2001 ومع الانتفاضة الفلسطينية الثانية "قتل عدد كبير من الأطفال والصغار منذ الأسابيع الأولى إذ كان الجنود يستخدمون أسلحة مجهزة بمنظار أي أنهم كانوا على مسافات بعيدة ولا تتعرض حياتهم للمخاطر وهو ما يعني أن الأوامر كانت القتل للقتل لإرعاب الفلسطينيين ولإخضاعهم للمحتل. وأن تلك السياسة أخذت بعدها الأيديولوجي بعد 11 سبتمبر والتفجيرات في أمريكا. إذ تم استخدام كل أسلحة الجيش الإسرائيلي، من دبابات وطائرات هيلوكبتر وقاذفات، بدعوى أن المواجهة تتم بين الجيش الإسرائيلي وجيش الإرهابيين في حين انه في الواقع لم يكن الفلسطينيين قد أشهروا بعد أسلحة تتجاوز المقاليع".

ويضيف بل أن هذه السياسة كانت مقررة منذ عام 2000 قبل اشتعال الانتفاضة. ويقول الكاتب في مقدمة الكتاب أنه "يكتب هذه الصفحات بصعوبة بالغة فكل فقرة فيه تصحبها دموعه مع كل فصل وكل فقرة إذ تبين مدي الرعب في الوقع الراهن. وهي دموع الغضب الثائر ضد العنف دون حدود والمهانة والقهر الواقع على الأخر. بل هي دموع الحزن على هذا الانحدار الذي يعاني منه المجتمع الذي هو مجتمعي والذي سيكبر فيه أحفادي. وأن 11 سبتمبر خلقت "تشريعا قانونيا سياسيا" على الصعيد الكوني. أي الحرب ضد الإرهاب تجيز كل شيء." ويذكر في مقال أخر ما يعنيه ذلك من استمرارية للعبارة الشهيرة التي كانت ترددها رئيسة الوزراء جولدا مائير : "لا أنام الليل من الفكر في كل طفل فلسطيني يولد."

من يختلف معهم على خطأ .. لا قيمة لحياتهم

إن التلاقي مريب بين فلسفة الكيان الصهيوني وفلسفة الإدارة الأمريكية وتكفي للتدليل عليها كلمات الرئيس الأمريكي الأسبق "جيمي كارتر" بشان الكنيسة الإنجيلية الأمريكية المتطرفة التي تتبع إدارة "جورج بوش" فلسفتها. كلماته في حوار مع جريدة "دير اشبيجيل" الألمانية في منتصف أغسطس 2006. يقول كارتر : "أنهم يعتقدون انه تربطهم بالرب علاقة متفردة وأنهم اناس طيبون وأفكارهم صحيحة وأن هذه الأفكار مدخل لتقود لحلول نوعية. ولأنهم يتكلمون باسم الرب فكل من يختلف معهم على خطأ بالضرورة. والخطوة التالية فإن من يختلف معهم هو في مرتبة أدنى وفي الدرجات السفلى وبناء عليه فإن "أعدائهم" في درجة أدنى من البشر ولا قيمة لحياتهم."

إن مقاربة بين القانون الجديد الذي أقره جورج بوش ويبيح بلغة مهذبة "المعاملة السيئة"، لكي لا يقول التعذيب عند استجواب من يعتقد أنهم من "الإرهابيين" تؤكد ما يقوله كارتر من النظر للمختلف عنهم على انه ادني درجة أو بدقة ليس من البشر. فهل يفيد ذكر عدد موتى العراق وفلسطين وأفغانستان ولبنان... للتدليل على لا إنسانية العدو ؟

ألا يجب على الشعوب المقهورة أن تنادي بمحاكمة هذه الطغمة من الكائنات مثلما يطالب بمحاكمتها الرئيس الفنزويلي فيشينتي رانجيل و الفنزويلي هوجو شافيز عن جرائم الحرب التي ارتكبتها بقتل نحو 700 ألف عراقي ناهيك عن الآلاف في أفغانستان ولبنان وفلسطين؟ هل سمعنا صوت حاكم عربي واحد يطالب بذلك؟.

حمل المقال في صورة pdf من أسفل

بعض ملامح الإنسان في فكر العدو

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك