الصفحة الرئيسية > الشرق وغموض مستقبله > باريس استقبلت عرفات بدفء وودّعته بحرارة... بقلم : مصطفى نور الدين

باريس استقبلت عرفات بدفء وودّعته بحرارة... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة)

الخميس 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2004, بقلم مصطفى نور الدين عطية

باريس استقبلت عرفات بدفء وودّعته بحرارة... بقلم : مصطفى نور الدين

لو مات كل حكام الشرق في يوم واحد فلن يكتب عنهم جميعا عُشر ما كتبته صحافة العالم عن عرفات والقضية الفلسطينية. ولا نعرف حتى يموتوا أي مديح سيقال فيهم؟
آلاف الصفحات في صحف العالم كتبت عن عرفات والقضية الفلسطينية خلال أيام قليلة منذ ان حل بجسده النحيل في مستشفى بيرسي العسكري.. وحتى فاضت روحه الى بارئها.
وهل هناك أكثر من دليل من هذه الحفاوة الفرنسية بعرفات مريضا وبعد وفاته من أن يذهب جاك شيراك رئيس الجمهورية شخصيا مرتين لتحية ابو عمار حيا وميتا.
إن البعد السياسي للموقف الفرنسي لم يقف عند هذه اللمسة بل ذهب أكثر بمشاركة رئيس الوزراء ورئيس البرلمان الفرنسي وكبار رجال الدولة في مراسم توديع مهيب لجثمان عرفات ملفوفا بالعلم الفلسطيني ومحمولا بحرس الشرف الذي تخص به فرنسا أبناءها الذين ماتوا في ساحة المعركة.
لو كان عرفات إرهابيا أو مهربا لأموال النضال الفلسطيني لحسابه الخاص في الخارج كالعديد من حكام العالم الثالث لما سار في جنازته كبار ممثلي الدول الأوروبية. ولم يكن هناك ما يجبر فرنسا أن تعد له هذه المراسم وما كان لرئيس الجمهورية ان يتحمل مسؤولية خطوة لا تتركها الصحافة تمر دون التنديد بها، فهو ليس معصوما من النقد.
بل ان التصريح الرسمي لشيراك اثر وفاة عرفات، قد تضمن ما لم نسمع مثله من أكثر الحكام العرب. يقول شيراك: "تلقيت بأسى خبر وفاة الرئيس ياسر عرفات أول رئيس منتخب للسلطة الفلسطينية. ومع موته يختفي الرجل الشجاع بالقناعة التي مثلها خلال أربعين سنة بنضال الفلسطينيين من اجل الاعتراف بحقوقهم القومية.
أقدم لأسرته ولأقاربه أصدق التعازي. وللشعب الفلسطيني اعبر في لحظة الحداد هذه عن صداقه فرنسا والشعب الفرنسي.
وآمل أن تكون الخسارة التى أصابتهم برحيله حافزا لوحدتهم وان يظلوا مخلصين لذكرى ياسر عرفات ويعملوا على انتصار المثل التي وهب حياته لها.
إن فرنسا وشركاءها من الاتحاد الأوروبي سوف تتمسك بصرامة بما تعهدت به من اجل وجود دولتين -دولة فلسطينية دائمة ومسالمة وديمقراطية ودولة إسرائيل- تعيشان جنبا إلى جنب في سلام وأمن. إن خارطة الطريق التي اقرها ياسر عرفات تفتح الطريق أمام هذا الحل. وعلى المجتمع الدولي أن يعمل بكل ثقله من اجل أن يتحقق هذا".
هذا البعد سياسي يتجاوز البعد الإنساني. فالبعد السياسي لا شك فيه باعتبار القضية الفلسطينية قد عادت إلى الحياة وكأنه كان مقدرا على أبو عمار أن يقدم حياته قربانا. ولم لا فمثله في ذلك مثل آلاف من أطفال فلسطين.
لم تكن فرنسا مضطرة لهذا وكان يمكن الاكتفاء بالمظاهر متمثلة في تسهيل علاج لأسباب "إنسانية" ثم ترحيل الجسد "بأسلوب إنساني" مصحوبا "بعبارة عزاء إنسانية".
وكان حضور عرفات لباريس بناء على طلب السلطة الفلسطينية مثارا للعديد من التساؤلات عن هذا الاختيار في حين تتوفر إمكانيات أخرى في أماكن قريبة من رام الله.

ميراث الديغولية

وقد علق المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الفرنسية على هذه المسألة بأن هذا كان الاختيار الفلسطيني، وأن فرنسا وافقت بحكم علاقات الصداقة بين الفلسطينيين وفرنسا وكذلك للطابع الإنساني. وقد أرسلت فرنسا طائرة خاصة لنقل الرئيس عرفات من عمان إلى باريس وقامت ببحث ضمان عودته إلى رام الله بعد العلاج مع إسرائيل.
وكان وزير الخارجية الفرنسي قد أرسل إبان زيارته للهند في 28 أكتوبر إلى ياسر عرفات رسالة قال فيها: "السيد الرئيس، أتابع بقلق واهتمام تطور حالتكم الصحية. وأرسل لك بتمنياتي الصادقة بالشفاء العاجل لكي تعودوا لممارسة دوركم على رأس السلطة الفلسطينية. وفرنسا كما أخبرتكم إبان زيارتي إلى رام الله يوم 30 يونيو ستكون دائماً بجانبكم لدفع جهود السلام العادل عبر التفاوض والذي يسمح لكل شعوب المنطقة العيش معاً في سلام وأمن. وأجدد لكم أمنياتي بالشفاء العاجل، وتقبل سيادة الرئيس أفضل تحياتي".
بدوره فان جاك شيراك رئيس الجمهورية الفرنسية قد أرسل أيضاً رسالة لعرفات صباح ذات اليوم يقول فيها: "السيد الرئيس، صديقي، في الوقت الذي يصلني فيه خبر تعرضكم لمشاكل صحية، احرص على أن أبدي لكم مشاعر التعاطف الشديد معكم وأحر تمنياتي الصادقة بشفائكم. أود أن أعرب لكم عن أملي في رؤيتكم تتعافون لتتمكنوا في أسرع وقت من استئناف نشاطكم في خدمة الشعب الفلسطيني.
أنتم مدركون أن فرنسا تدعم ما تجسدونه من آمال وتطلعات بإقامة دولة فلسطينية مسالمة قابلة للاستمرار وتعيش برخاء إلى جانب دولة إسرائيل مطمئنة إلى سلامتها وأمنها. وفرنسا ستبقى دائماً إلى جانبكم في السعي إلى حل عادل ودائم للنزاع في الشرق الأوسط. مؤكداً لكم مجدداً على أطيب وأصدق التمنيات بالشفاء العاجل، تفضلوا، السيد الرئيس، بقبول فائق مشاعر الاحترام والتقدير مرفقة بمشاعر الصداقة الودودة".

فلسطيني في باريس

وقد أولت كل وسائل الإعلام لخبر حضور عرفات لباريس مكاناً هاماً في نشرات الأخبار والصفحات الأولى من الجرائد القومية والمحلية. وتابعت وسائل الإعلام يومياً تطور حالة الرئيس الذي جاء في طلب علاج "الطبيب شيراك" حسب عنوان صحيفة أو "فلسطيني في باريس" حسب أخرى.
وجدير بالإشارة أن العلاقة الفرنسية الفلسطينية اتسمت تاريخياً بالصداقة في ظل كل الأحزاب التي توالت في الحكم الفرنسي من اليمين الديغولي إلى الاشتراكيين. ولنذكر بالدور الذي لعبته فرنسا إبان حكم فرانسوا ميتران إبان حرب إسرائيل ضد لبنان والفلسطينيين في أوائل الثمانينيات ودور فرنسا في حماية خروج عرفات مع الفدائيين إلى تونس. وخلافات فرانسوا ميتران مع إسرائيل إبان حصار بيروت ومشابهته لهذا الحصار بحصار النازي لقرية فرنسية إبان الحرب العالمية الثانية.
وفي ظل الحكم اليميني إبان حرب 73 صرح وزير الخارجية الفرنسية جوبير حينها أنه لا يدين إشعال مصر للحرب "إذ كيف يدين بلدا تحاول أن تضع قدمها في أرضها". وقبل ذلك كان موقف ديغول من حرب 67 وحظره لبيع السلاح للبلدان المتحاربة من الأمور التي لم تغفرها له إسرائيل وخاصة عبارته الشهيرة "إسرائيل متكبرة ومغرورة".
فهناك استمرارية على نحو ما في السياسة الفرنسية في هذا الشأن وإن كانت علاقتها بإسرائيل برغم الأزمات العابرة تتميز بالاستمرارية نتيجة عقدة ما قام به حكم فيشي تجاه اليهود الفرنسيين وتسليمهم للنازيين.

مقاومة وسلام

لكل هذه الأسباب استقبلت فرنسا عرفات بدفء وودعته بحرارة، فموت عرفات كان موتا فوق العادة.. موتا يعيد للذاكرة رحيل قليل من المناضلين الذين تركوا للتاريخ اسما يبقى مصحوبا بعدالة قضية وعدالة نضال بكل صوره العنيفة والسلمية. وكما تقول صحيفة "تمونياج" الفرنسية "انه فرض بصلابة موقفه الاعتراف بالسلطة الفلسطينية كنواة للدولة المقبلة". وتقول صحيفة "ليون ربيبليكان" تحت عنوان "مقاومة وسلام": "تمكن أرئيل شارون من التخلص من عرفات بطريق الاستنزاف ولكنه لم يستطع النيل من القضية التي يدافع عنها. فسوف تبقى هذه القضية إلى الأبد من بعده".
وتضيف الصحيفة: إن ما بعد عرفات أمره موكل للشعب الفلسطيني ولكنه أيضا مرهون بسياسة إسرائيل فإذا استمرت في سياسة القتل فذلك يعني رفضها التوصل لحل.
فإذا قدمت أميركا حلا عادلا فسوف يختار الفلسطينيون الاعتدال أما إذا اتخذت الولايات المتحدة وإسرائيل طريق العنف المتبع حتى الآن فان المواجهة المنطقية ستكون بالتصعيد أيضا من الجانب الفلسطيني، أي ستكون سياسة صراع قوى وحرب استنزاف ندفع ثمنها فى صورة موت لا نهائي من الطرفين.
وقد صرح شارون بعد وفاة ابو عمار "انه يريد السلام بشرط القضاء على الإرهاب". فما الذي يريده شارون بدقة؟ يجيب "ديني سيفير" في مجلة "بوليتيس" الفرنسية قبل وفاة ابو عمار بأيام: "إن الحكومة الإسرائيلية لا تريد مباحثات مع أي شخص يمثل الوحدة الفلسطينية أو أي مطالب قومية. أي لا عرفات ولا أحد ممن سيأتي بعده. فشارون يحلم "برجال أعمال" يديرون جزرا تتمتع بحكم ذاتي وسط محيط من المستوطنات. فلو كان شارون يريد السلام فعلا لعجل بالتوقيع عليه مع عرفات الذي اقنع الحركة الفلسطينية جميعها بحق إسرائيل في الوجود".
وإذا كانت تلك رؤية شارون فماذا سيفعل بوش "مكرر" تجاه المشكلة الفلسطينية التي لم تشغله في السنوات السابقة بدعوى أن عرفات ليس شريكا مقبولا؟ كتب "فرانسو سرجان" المراسل الخاص لجريدة "ليبراسيون" الفرنسية في نيويورك يوم 5 نوفمبر: "مع عرفات أو من دونه الحل الوحيد أمام بوش أن يمارس ضغوطا على شارون وهو أمر غير محتمل. فشارون يشكل خط الدفاع الأول بالنسبة لبوش في صراعه ضد الإرهاب والذي يتضمن الفلسطينيين والعراق والقاعدة. يضاف انه بالنسبة لبوش وللجمهوريين تتحدد السياسة الخارجية على أسس سياسية. فبوش بدعمه اللانهائي لشارون كسب في الانتخابات أصواتا يهودية كانت تذهب تاريخيا للديمقراطيين. علاوة على أن أتباع بوش من المسيحيين المتشددين الذين يؤمنون "بالعودة إلى مملكة الرب" هم من المدافعين الصارمين عن إسرائيل. فبوش لن يتناقض مع الموالين له إلا إذا تدهورت الأمور أكثر في الشرق الأوسط وأدرك بوش أن السلام في بغداد يمر أولا بالقدس".

الرمز المرفوض

وتكتب في نفس اليوم جريدة "الهيمانتيه" الفرنسية تحت عنوان: "رجل، شعب": "بدعم من الولايات المتحدة والرئيس جورج بوش تم ترويج ادعاء بان التخلص من عرفات هو الشرط لعودة السلام. ولكن في الحقيقة يواصل أرئيل شارون بإصرار هدفا واحدا أساسيا: أن يصبح مستحيلا على الشعب الفلسطيني حق التمتع بسلطة ما.

ولم يكن عرفات الذي تم انتخابه ديمقراطيا في ظل إشراف دولي عام 1996 رئيسا للسلطة الفلسطينية إلا الرمز الذي لا يحتمله شارون لهذه السلطة"... "واليوم يلوح الخطر أعظم من اي وقت مضى بان يقوم حكام إسرائيل بالانغماس أكثر في منطق الحرب ويدفعون الشعب الفلسطيني إلى الإلقاء بقواهم في مواجهات تعبر عن اليأس.. وتزيد من هذه المخاطر إعادة انتخاب بوش الذي لم يكف عن مساندة شارون في سياسة العنف هذه منذ 11 سبتمبر 2001".

ويذهب جيل باري مراسل جريدة "الليموند" في القدس إلى تحليل قريب من هذا في مقال له في نفس اليوم. يقول: "احد أهداف شارون من الانسحاب من غزة هو إرجاء الدولة الفلسطينية إلى اجل غير مسمى".
وتقول صحيفة "ويست فرانس": "لان عرفات أصر على الحصول على كل حقوقه لم يحصل إلا على القليل. واليوم تضاعف عدد المستوطنات في الضفة الغربية ولم يعد هناك محل للتفاوض على شيء كثير".
وخلافا لهذا التوجه فان بعض صحف اليمين اشارت الى ان أخطاء ابو عمار السياسية ستختفي باختفائه وسيعم السلام ويتحقق الحلم! وتعليقنا انه في التاريخ أكاذيب قد تمر لحين ولكن ليس لوقت طويل.
وإذا كانت الولايات المتحدة تحاول الآن ألا تظهر كمن وقف حجر عثرة أمام الحل العادل للقضية الفلسطينية فإنها تظل في ضباب التصريحات، فالرئيس بوش سوف يبعث بكولن باول، وزيره المستقيل! إلى الضفة الغربية للمباحثات مع السلطة الفلسطينية المؤقتة والفكرة التي يحملها لم يكشف عنها بعد وان كان بوش قد صرح يوم 12 نوفمبر، في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، باستعداده للتعاون مع الأوروبيين للبحث عن حل لإحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. وتحدث بوش "عن استعداد الولايات المتحدة لمساعدة الفلسطينيين على تأسيس هياكل لدولة ديمقراطية مستقلة ودائمة". ولكنه أرجأ الموعد الذي حدده سلفا من 2004 الى 2009 . أي البقاء في الضباب الذي يعني ارجاء إلى اجل غير مسمى الوجود الفعلي للدولة الفلسطينية وذلك بالتأكيد لمواصلة الضغوط للحصول على كل التنازلات التي تريدها إسرائيل..
ويعلق باتريك جارو مراسل جريدة "الليموند" في واشنطن يوم 14 نوفمبر على التصريح الأميركي البريطاني بان "الغموض يحيط به ولا يخفي أن المسائل الأساسية المتعلقة بالحدود النهائية للدولة الفلسطينية ومشكلة القدس وكذا مشكلة اللاجئين مسائل تم إرجاؤها إلى اجل غير مسمى".

لكن المحللين السياسيين لا يتمتعون جميعهم بالموضوعية في كتابة التاريخ فالأيديولوجية والانحياز لا يمكن أن تختفي إلا لدى من تمتعوا بالنزاهة في الرؤية وهم قليل في الغرب المتحيز لإسرائيل لأسباب استراتيجية ولعقدة ممارستهم المعادية للسامية إبان الحرب العالمية الثانية خاصة. لذلك فهم يكبلون عرفات بأخطاء لا تعني في نهاية الأمر إلا انه لم يتنازل بما فيه الكفاية وانه رومانسي وأحلامه لا ترى الواقع. وهذه كلمات كلينتون التي ينتقد فيها عرفات لتؤكد ذات المعنى.
يقول كلينتون "كتبت في كتابي أن عرفات ارتكب خطأ كبيرا برفضه توقيع اتفاق السلام الذي اقترحه عليه باراك. وان على عرفات أن يقرر إذا ما كان يريد أن يظهر في آخر فصل في حياته كرجل سلام أسهم في خلق الدولة الفلسطينية. أو أن يظل المقاتل من اجل الحرية والذي لم يقدم تنازلا إطلاقا حتى النهاية لكيلا يتعرض للانتقاد من العناصر المتشددة. وفي هذه الحال فلن يترك من بعده أي ميراث. وما زلت اعتقد انه كان بامكانه أن يختار الطريق السليم".

ونشرت جريدة الليموند" يوم 12 نوفمبر مقالا بتوقيع شمعون بيريس بعنوان "الرئيس، عبقريته واختياراته السيئة". يمجد عرفات ودوره التاريخي وينتقده. فماذا يقول؟ عرفات "شخصية من الصعب الاتفاق معها. مساهماته تجاوزت مساهمات أي زعيم آخر من اجل صنع هوية فلسطينية فريدة ومتميزة. كان صوت ورمز القضية الفلسطينية. جهوده التي لم تتوقف جعلت القضية الفلسطينية تحتل المكانة الأولى في الانشغال العالمي واستمرارها لمدة أربعين سنة". ويضيف بيريس "برغم تعهده بالتغيير لم يتخل إطلاقا عن طريق الإرهاب لتظل القضية الفلسطينية حية. عرفات اعتز بحب شعبه له واحترامه له. كان هذا الحب عزيزا عليه. فعاش حياة متواضعة ولم يكن يطلب إلا القليل لنفسه. كان يحيا لشعبه".

يواصل شمعون بيريس: "منذ أصبح عرفات قائدا فتح الباب لحل تاريخي مع إسرائيل، أي تقسيم الأرض لدولة إسرائيلية ودولة فلسطينية. فبرهن على شجاعته بالتخلي عن الماضي. لقد وافق على تنازلات مؤلمة مع إسرائيل بالموافقة على أن تكون الحدود هي حدود 1967 وتخلى عن خريطة تقسيم 1947 للأمم المتحدة بناء على القرار 181 الذي رفضه الفلسطينيون حينها.. قبل عرفات التغيير الذي حدث على ارض الواقع. ولكنه لم يقبل أن يذهب ابعد من ذلك. فعندما كان عليه أن يختار بين حب شعبه وبين أن يعيش هذا الشعب في ظروف أفضل اختار للأسف حب الشعب. فلم يكن مستعدا لقبول قرارات لا يمكنه الدفاع عنها أمام شعبه لأنها من وجهة نظره قابلة للنقاش".

إن عرفات "وان كان قد كف عن أن يكون عدوا لإسرائيل فانه ظل خصما لها". بحسب تعبير جريدة هآرتس. ويقول دينيس روس المسؤول الأميركي عن شؤون الشرق الأوسط والمبعوث الخاص في عهد بيل كلينتون في جريدة "واشنطن بوست" إن عرفات "هو من استطاع أن يقاوم محاولات بعض الحكام العرب التلاعب بالفلسطينيين لمصالحهم الخاصة". و"انه من استطاع تحدي من يسعى لمهانة الفلسطينيين وإنكار حقوقهم، مثل إسرائيل وأميركا".

وفي اللحظة الراهنة يتحدد ما يتوقعه المحللون الإسرائيليون، ما بين عمل إسرائيل على شق الفرقة بين الفصائل الفلسطينية وتقديم اقتراحات جديد لإعادة الحوار على أسس غير تلك التي تمت في الماضي. وبالتالي يكون على الفلسطينيين أن يقدموا تنازلات تتجاوب مع المعطيات الجديدة.

لذلك فان شخص "يرتدي بذلة وكرافتة وليس الكوفية على الرأس كرمز للانتماء لشعب" حسب جريدة هآرتس الإسرائيلية سيجعل عدم دخول إسرائيل معه في حوار أمرا صعبا. ولكن تقول الجريدة نفسها ان إسرائيل من الممكن أن تساعد على ظهور قيادة فلسطينية جديدة وممكن أيضا أن تبث الفرقة بين الفلسطينيين".

لو كانت إسرائيل تريد فعلا السلام ولو كان على رأسها عباقرة في التكتيك والاستراتيجية لكانت قد اقتنصت فرصة موت عرفات بقبول أن يكون مثواه الأخير القدس. لو كانت تريد فعلا السلام لكانت هذه الإشارة القوية نداء إلى الشعب الفلسطيني بحقن الدماء والعودة للتفاوض بدءا من برهان عيني بالاعتراف بان القدس هي أيضا ارض فلسطينية. لو كان شارون اتخذ قرارا في هذا الاتجاه لدخل التاريخ من أوسع أبوابه ولوضع الفلسطينيين في موقف حرج أمام إقرار العدو لهم بحقهم التاريخي ولتلقى شكر المجتمع الدولي بأسره، ولكن إسرائيل لا تريد السلام. إسرائيل بمعاضدة الولايات المتحدة وموافقة نظم عربية كثيرة لا تريد أن تتراجع عن هدفها الأساسي طويل المدى. أي وجود شكل هلامي لكيان فلسطيني محاط بآلاف المستوطنات من الإسرائيليين.. كيان مجرد من كل شكل عسكري خاضع لمراقبة القوات العسكرية الإسرائيلية المتواجدة على ارض هذا الكيان كحق للدفاع عن أمنها. إلى جانب حرمان اللاجئين الفلسطينيين من العودة لديارهم بينما تنادي إسرائيل يهود العالم بالهجرة لإسرائيل للهروب بما تسميه معاداة السامية المتصاعدة في العالم ضد اليهود.

آخر انتصارات الفارس الوحيد

الواقعية والبراغماتية لا يمكن أن تكونا على حساب الحق. ان عرفات بسياسته استطاع ان يحول المسألة الفلسطينية من مشكلة لاجئين فقط الى وضع قدمه على كل شبر يحرر من الارض الفلسطينية ومحاولة تأسيس دولة.
وان الانتصار الأخير له تمثل في إعادة القضية الفلسطينية إلى الساحة العالمية وإقرار الشعوب بالظلم الذي يعاني منه الفلسطينيون. لقد أعطى الإعلام العالمي ما لم يعطه لغيره من أهمية فكانت مواقع الصحف الكبرى تقديم تقريرا يوميا عن حالة الرئيس بل إن بعضها قدم تقريرا كل ساعة عن آخر التطورات وأي خبر يتسرب من هنا أو هناك..

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك