الصفحة الرئيسية > انتخابات الرئاسة الفرنسية 2007 > انتخابات الرئاسة الفرنسية: اختيار "رويال" مخاطرة أكيدة ... بقلم : مصطفى نور (...)

انتخابات الرئاسة الفرنسية: اختيار "رويال" مخاطرة أكيدة ... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) ٢٦ نوفمبر ٢٠٠٦

الأحد 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

انتخابات الرئاسة الفرنسية: اختيار "رويال" مخاطرة أكيدة ... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) ٢٦ نوفمبر ٢٠٠٦

هل ارتكب ثلثي أعضاء الحزب الاشتراكي الفرنسي ما لا تحمد عواقبه باختيار سوجلين رويال كمرشحة تمثل الحزب في انتخابات رئاسة الجمهورية في ابريل القادم ؟ سؤال يتردد وله مبررات. فأولا لم يكن يتوقع أي محلل سياسي أن يتم اختيارها من الدورة الأولى بل وبنسبة 61 % من أصوات نحو 82 % من أعضاء الحزب النشطين (219 ألف). فان كان منافسها "دومينيك ستروس- كان" قد شهد صعودا في الاستفتاء العام بعد المناظرات التي تمت بين المتنافسين من أعضاء الحزب فان ذلك لم يعني انه كان من الأكيد أن يختاره أعضاء الحزب إذ أن تاريخه السياسي لا يتعدى احتلاله سابقا لمنصب وزير الاقتصاد والمالية. وهي وزارة هامة في الحكومة الفرنسية إلا انه لم يكن يوما شخصية سياسية ذات وجود هام في الحياة العامة "كنجم سياسي".
وعلى النقيض كان لوران فابيوس أكثر تألقا تاريخيا بما في ذلك النقاط الايجابية والسلبية. إذ احتل كل المواقع العليا في الحزب كسكرتير عام وصعد وهو في السابعة والثلاثين من عمره إلى مرتبة رئيس الوزراء (1984 – 1986) وبعدها كرئيس لمجلس الأمة ثم احتل منصب وزارة الاقتصاد والمالية بدلا من "ستروس – كان" على اثر استقالة الأخير بسب قضية فساد.
وان كان فابيوس شخصية هامة فان السلبيات التي تلاحقه حرمته من الصعود إلى كرسي الرئاسة القادمة. فمن الماضي البعيد، حينما شغل منصب رئاسة الوزارة، شكلت فضيحة الدم الفاسد الذي تسبب في مئات من حالات العدوى "بالإيدز" عن طريق نقل الدم أمر لا ينساه الشعب برغم تبرئته في القضية التي رفعت ضده لعدم الأمر بالتخلص من كميات الدم المستوردة التي تسببت في الكارثة.
وما لا ينساه له رفاقه من الحزب الاشتراكي حديثا هو انشقاقه عن خط الحزب عام 2005 وقيادته للتيار المطالب برفض الدستور الأوربي بجانب أحزاب يسار اليسار.
وما شكل ورقة سلبية إضافية هي عودته للانضمام للحزب الاشتراكي مرة أخرى بعد طرده لانشقاقه. فهذا السلوك أظهر لبسا فكريا إذ كيف يختلف مع الحزب ويقود حملة ضده ثم يعود اليوم ليدافع عن برنامجه في انتخابات الرئاسة ؟ لتلك الأسباب فانه لم يحصل إلا على نسبة 18 % فقط من الأصوات التي تذكيه كمرشح للرئاسة المقبلة في حين حصل "ستروس – كان" على نحو 21 % و رويال على 61 %.

يسار اليسار ضد رويال


ولا تنظر أحزاب يسار اليسار بعين الرضا لاختيار رويال إذ ساد الظن أن فابيوس يشكل الاحتمال لمعاودة التفاف لكل فرق اليسار مع الحزب الاشتراكي مرة أخرى، على الأقل، في الجولة الانتخابية الثانية.
ومن ناحية أهم أن انتقادات يسار اليسار لم تتوقف منذ شهور لبرنامج الحزب الاشتراكي باعتباره استمرار للسياسة الليبرالية بشكل آخر. والانتقاد أكثر حدة حيال ما تدعو إليه رويال كسياسات اقتصادية واجتماعية ويصفها البعض بأنها "شيراك يرتدي جونلة". ولا تخفي رويال إعجابها بسياسة توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، الاقتصادية والأمنية. وتذهب تصوراتها للقضايا الاجتماعية منحى يميني لا شك فيه بتبنيها لوجهة نظر متزمتة لمعالجة قضايا الشباب الذي يمر بصعوبات اقتصادية واجتماعية تدفعه أحيانا للانحراف وارتكاب الجنح. فتصوراتها لا تذهب لمعالجة جذور المشاكل وحلها بالقضاء على العنصرية وتوفير فرص العمل والتعليم وإنما بوضع هؤلاء في معسكرات تدريب تحت إشراف الجيش. وهي حلول تقترب تمام من التي يقترحها اليمين الجديد الذي يمثله نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية والمرشح الاحتمالي لرئاسة الجمهورية.

وقد أثار اختيار رويال كمرشحة للحزب الاشتراكي ردود فعل عنيفة ووضع أسس التشتت. إذ أعلن جان بيير شيفينمو، الرئيس الشرفي لحزب حركة المواطنة، إن اختيار رويال لن يدفعه إلى التخلي عن ترشيح نفسه كمنافس على منصب الرئيس. وكانت أطروحة شيفينمو السابقة انه لن يتقدم للترشيح إذا استطاع اليسار مع الحزب الاشتراكي على الاتفاق على من يمثلهم بأفضل مرشح يجمع الكل. وشيفينمو شغل منصب وزير التعليم ثم الدفاع في الحكومة الاشتراكية إبان رئاسة فرانسو ميتران وقدم استقالته من الوزارة وانشق عن الحزب اعتراضا على مشاركة فرنسا في حرب الولايات المتحدة الأولى ضد العراق. وأسس شيفينمو حزبا مستقلا له وزن نسبي هام بين التيار الذي يقع على يسار الحزب الاشتراكي.

أما أحزاب يسار اليسار فهاجمت اختيار رويال وبدأت التصورات المتشائمة تفصح عن مخاوف المستقبل. فصرح اوليفيه بيزانسونو، المرشح عن المنظمة الشيوعية الثورية (تروتسكية) : "إن الفرنسيين سيستيقظون صباح نتيجة الانتخابات بوجوه عكرة". أي ستكون النتيجة مواجهة بين اليمين الجديد واليمين المتطرف وسيخرج اليسار برمته من الجولة الأولى خاسرا بما في ذلك الحزب الاشتراكي.
وقال المتحدث باسم يسار اليسار الساعي لتكوين جبهة مناهضة لليبرالية بان اختيار الحزب الاشتراكي "يعني انحراف في مركز جاذبية الحزب نحو اليمين".. وان رويال تمثل "ليبرالية سلطوية وشعبوية وواعظ أخلاقي". وهاجمت سكرتيرة الحزب الشيوعي اختيار الحزب الاشتراكي بأنه هدم إمكانية تحالف اليسار. وان الموقف الحرج الناجم عن ذلك يحتم مواجهة مسئولة من قبل يسار اليسار ليلتف حوله الغالبية من الاشتراكيين الذين تركهم الحزب الاشتراكي على الرصيف بعد هذا الاختيار.
وماري جورج بيفيه Marie-George Buffet سكرتيرة الحزب الشيوعي الفرنسي، منذ 2001، والمرشحة المرتقبة لتمثيل جبهة مناهضة الليبرالية التي من المفترض أن تجمع حولها كل أحزاب يسار اليسار مازالت تواجه معارضة من قبل بعض رفاقها. وهذه المعارضة ناجمة من توجس البعض من احتمال عودة الحزب الشيوعي للتحالف مع الحزب الاشتراكي مرة أخرى في الحكومة. وجدير بالإشارة أن السيدة بويفيه شغلت منصب وزيرة الشباب والأنشطة الرياضية (1997 – 2002) في الحكومة الاشتراكية التي ترأسها لويونيل جوسبان.

الأصل والصورة

إن اختيار رويال كمرشحة لرئاسة الجمهورية حدث بمعاني كثيرة. ولكن ذلك لا ينفي أن المرأة تلعب دورا سياسيا في الحياة السياسية في فرنسا فقد سبق أن كانت "اديت كريسون" رئيسة للوزارة في عهد فرانسو ميتران وان كان ذلك لفترة وجيزة (1991 – 1992). ولكن الحدث الأساسي هو أن اختيارها سوف يسبب اضطرابا شديدا واستحالة تصور ما سيحدث بدقة. فالذي اختار رويال هم أعضاء الحزب النشطين وهو لا يعني أن الفرنسيين الذين يعطون أصواتهم للحزب الاشتراكي عادة سيتبعون اختياره. وهناك سوابق في عقاب أي حزب سياسي أيا كان توجهه عندما لا يعبر فعليا عن مصالح المواطنين. فلقد فقد الحزب الاشتراكي الانتخابات البرلمانية عام 1986 واضطر فرانسو ميتران للتعايش مع اليمين الديجولي بتسمية "جاك شيراك" كرئيس للوزارة وجاء ذلك كرد فعل للسياسة المناقضة لبرنامجه الانتخابي والذي قاد لتحالف الحزب الشيوعي مع الحزب الاشتراكي. واضطر الحزب الاشتراكي للتعايش مرة أخرى مع اليمين الديجولي بتسليم رئاسة الوزارة ل"ادوارد بالادير".. وخسر الحزب الاشتراكي انتخابات الرئاسة في عام 2002 بفداحة من الدورة الأولى. ويمكن أن يقال الأمر ذاته عن حزب اليمين الحاكم عندما ظن انه بوصوله للسلطة هذا العام نفسه بقدرته السيطرة على كل أجهزة الدولة (رئاسة الجمهورية والبرلمان ومجلس الشيوخ) وأجرى انتخابات بعد حل البرلمان من اجل هذا الهدف فلم يلب الشعب غايته وفرض عليه التحالف مع الاشتراكيين الذين شكلوا الحكومة. وكذا فقد كل من الحزبين الاشتراكي والديجولي الجولة فيما يخص الدستور الأوربي إذ دعيا لإقراره ورفضه الشعب. ونفس الشيء يقال عن الحزب الشيوعي عندما تحالف مع الحزب الاشتراكي عام 1981 وفقد هويته فدفع ثمنا باهظا بسقوط شعبيته ومن اجل ذلك فان المحاولة الجارية هي من اجل إعادة التوازن في صالح قوى يسار اليسار ليستعيد أهميته التاريخية السابقة بوضع خط سياسي مستقل.

في كل الأحوال ستكون المعركة الانتخابية غير واضحة المعالم لان اليمين الجديد واليمين المتطرف يلعبان على ذات الأرض ويخلط الحزب الاشتراكي بعض الأوراق مع الطرفين.

ومن بين هذا الخلط بإيجاز موضوع الهجرة والأجانب في فرنسا ومواجهة مشاكل الأطفال القاصرين في حالة ارتكاب جنحة أو تكرار ارتكابها.. وتموج فرنسا هذه الأيام بحركة شعبية واسعة للحيلولة ضد قانون "ساركوزي" الذي يناقش في البرلمان والرامي لمعاقبة الأطفال القصر كما لو كانوا بالغين أي بالحبس في محاكم عاجلة في ذات يوم القبض عليهم وليس بوضعهم في مؤسسات اجتماعية متخصصة لبحث مشاكلهم وتقديم الحلول الاجتماعية والاقتصادية السليمة لهم.
ومن سلبيات "رويال" محاولة الرجوع عن القانون الذي حدد ساعات العمل بخمسة وثلاثين ساعة بدلا من تسعة وثلاثين والذي وضعة "لوران فابيوس" حينما شغل منصب وزير الاقتصاد في حكومة جوسبان الاشتراكية. وهذا التراجع هو هدية من "رويال" لأصحاب الأعمال الذين لم يقوموا بزيادة العمالة لتعويض ساعات العمل التي وفرها القانون للعاملين في ظل اقتصاد تتزايد فيه الأرباح وأساسا لتقديم حل جزئي لمشكلة البطالة التي يتعرض لها نحو 8 % من السكان في سن العمل.

ولقد استشعر فابيوس في الأيام الأخيرة "بصناعة" الرأي العام لاستبعاده من فرصة الترشيح بمواصلة وسائل الإعلام ترديد أن الحظ الأكيد لرويال وعدمه لفابيوس. فاستهل فابيوس المناظرة الأخيرة التي نظمت مع منافسيه ليهاجم وسائل الإعلام والقول بأنه مع فرض قانون يحرم على شركات صناعة الأسلحة السيطرة على الإعلام. ولم يعقب رفاقه في المناظرة على الاقتراح ! وهذا الهجوم سبق أن قال به "بايرو" رئيس حزب يمين الوسط من قبل.

فالسؤال الفاقد للإجابة هو على من سيقع العقاب هذه المرة إذ بدأت معظم أوراق الأحزاب تختلط ويتبنى كل حزب أطروحات نقيضه ؟ فلمن سيعطي المواطن صوته للأصل أم للصورة ؟

* د. مصطفى نور الدين عطية.. كاتب مصري مقيم في باريس.. مدير تحرير مجلة "Naissances" في علم النفس في فرنسا (بالفرنسية) ومراسل لجريدة "التجمع" الأسبوعية بالقاهرة.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك