الصفحة الرئيسية > مقالات لم تنشر > أمريكا وثقافة القتل...مصطفى نور الدين

أمريكا وثقافة القتل...مصطفى نور الدين

الخميس 17 كانون الثاني (يناير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

أمريكا وثقافة القتل...مصطفى نور الدين

عندما تسلم دولة مصير مواطنيها لمافيا السلاح ليتحول كل مواطن إما لضحية أو جلاد فان قيم حضارة هذا المجتمع تستدعي التساؤل ليس فقط على ما يمارسه بعض المواطنين تجاه بعضهم وإنما تجاه الآخرين في مجتمعات أخرى.

فالثقافة و الحضارة وقيم مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان... الخ لا تكاد تجد لها مكانا في مثل هذا المجتمع المغرور الذي يدعي انه المثل الذي على الآخرين أن يحتذوا به.

ما الذي يعنيه ثقافيا أن يسمح في مجتمع للطفل في الثانية عشر من العمر بشراء سلاح ناري دون حاجة لموافقة أولياء الأمور وكذا حق الشخص نفسه لشراء سلاح ناري كل شهر ؟ وماذا يعني أن يكون أكثر من 20 مليون سلاح ناري في يد مواطنين من كل الأعمار والأوساط الاجتماعية ؟

الإجابة ليست معقدة فإما أن تكون ضحية أو قاتلا احتماليا. والمرور من فئة لأخرى يسير ولا يمكن التكهن به. إذ يموت في الولايات المتحدة سنويا بهذه الأسلحة المباحة 30 ألف مواطنا.

ثقافة الموت أو بدقة القتل يدافع عن شرعيتها لوبي من أربعة مليون عضو من صناع السلاح وتجاره ومستخدميه المدعو جمعية البندقية الوطنية National Rifle Association والذي له اليد العليا في سياسة الأحزاب السياسية ويقف ضد أي تشريعات لتنظيم ومراقبة بيع السلاح. فجماعة الضغط من صناع وتجار السلاح لهم دور أساسي في الفترات الانتخابية بدعم المرشح الذي يدافع عن مصالحهم. وتقول هذه الجمعية لو أن كل مواطن حمل سلاحا فان الجريمة ستقل !

والتخلف الحضاري الأمريكي في هذه المسألة يتجلى في دوام العمل ببند من الدستور الأمريكي لعام 1791 والذي يعطي الحق لكل مواطن بحمل سلاح ناري. إذ يقول نص الدستور لان الميلشيا المنظمة ضرورية لحفظ سلامة دولة حرة، فالحق الذي يتمتع به الشعب بحيازة السلاح وحمله لن يكون انتهاكا :

A well regulated militia being necessary to the security of a free State, the right of the People to keep and bear arms shall not be infringed

أن المجتمع الذي يعيش في خوف من الأخر يدفع ثمنا فادحا لخلقه شروط هذا الخوف وتقنينها. ولتحاشي التكرار بشأن اختلال المجتمع الأمريكي اقتبس السطور التالية من مقال سابق بعنوان : مركب العبيد في أمريكا : هوامش على إعصار كاترينا...

(...فلقدرة البعض على التميز على البعض في الكسب حد إذا تجاوز المعقول والإنساني فان الأمر يدخل في تميز آخر يوصف بجريمة رأس المال المعولمة.. وبجريمة في حق الإنسانية.

ولرؤية مدى الفارق بين الفقراء والأثرياء الشطار تكفي نظرة على عدد من يملكون وحجم ما يملكون. أي اكتشاف حدود اللامعقولية أو اللإنسانية التي تهيمن على المجتمع الديمقراطي-الليبرالي الأمريكي " الحلم ".

لم تكف دراسات الباحثين من تحليل تلك الحقيقة التي كان لابد من طوفان ليظهر للعالم بالصورة والصوت أن ما يقولونه ليس بهراء. ومن بين هؤلاء ادوارد لوتفاك Luttwak الخبير في الاستراتيجية بوزارة الدفاع الأمريكية والمستشار الخاص لبوش الأب إبان حربه ضد العراق واحد المنظرين لفلسفة الحرب والسلام التي تتبعها الإدارة الأمريكية..

ففي كتابه The endangered American dream الحلم الأمريكي في خطر، صدر عام 1995، يقول لوتفاك الخبير الليبرالي حرفيا في الفصل السادس تحت عنوان (فقراء وسوبر أغنياء) : " انحدار أمريكا إلى ظروف حياة العالم الثالث يتم حدوثه فعليا اليوم بدءا من الآليات السكانية : فنسبة الأمريكيين الفقراء في تزايد وكذا تمركز الثروة في يد (الواحد في المئة ) الأكثر غنى في تزايد مستمر... فنحن نقترب من الهيكل الاقتصادي النمطي للعالم الثالث حيث تتواجد أقلية متناهية الصغر عظيمة الثراء مهيمنة وأغلبية هائلة من الفقراء وطبقة متوسطة محدودة بين الاثنين."

ويواصل لوتفاك تشريح الطبقة العليا في الفترة 1983 إلى 1989 ويتلخص الوضع في الأتي حيث يقول : " في 1983 كانت نسبة 24 في المئة من الثروة الخاصة في أمريكا في حوزة اسر هائلة الغنى (419968 أسرة) تشكل نصف في المئة فقط من إجمالي الأسر الهائلة الغنى في الولايات المتحدة ومتوسط دخل كل منها 5.86 مليون دولار.

وفي عام 1989 استحوذت هذه النسبة التي تتربع في القمة (النصف في المئة من إجمالي الأسر الأكثر ثراء) والتي بلغ عددها هذه السنة إلى 477361 أسرة على أكثر من 29 في المئة من إجمالي الثروة. وانه في 6 سنوات تضاعف حجم دخلها ليتجاوز عشرة مليون دولار في المتوسط لكل أسرة.

ويؤكد ادوارد وولف Wolff أستاذ الاقتصاد بجامعة نيويورك، في دراسته " عن التغيرات في الثروة بين 1980 و 1990" ونشرت في ابريل2004 : Changes in household wealth in the 1980 and 1990 in the U.S.

يقول وولف: " تضاعف عدد أصحاب الملاين بين 1983 و 1998. ومن بلغت ثروته 5 مليون دولار فأكثر زادوا ثلاث مرات ونصف. ومن ثروته 10 مليون دولار فأكثر زادوا خمس أضعاف. وان الزيادة كانت أسرع ما بين 1995 و2001.

وبقول آخر فان الهيمنة على الثروة بما فيها الدخول موزعة على شرائح كبار الرأسماليين كالتالي عام 2001:

20 في المئة الأكثر غنى في أمريكا :
 الواحد في المئة ( القمة) تستحوذ على 33.4 في المئة من إجمالي الثروة الأمريكية.
 الأربعة في المئة التالية تستحوذ على 25.8 في المئة.
 الخمسة في المئة التالية تستحوذ على 12.3 في المئة
 العشرة في المئة التالية تستحوذ على 12.9 في المئة. وبالتالي فعشرين في المئة يشكلون قمة الثراء تستحوذ على 84.4 في المئة من إجمالي الثروة في الولايات المتحدة....)

أن مجتمع يحيا بشكل اناني حيث فقر مدقع يضرب عشرات الملايين بينما حفنة من عدة الالف تستحوذ على الثروة ينتج بنفسه الظروف التي تخلف الإجرام كنمط حياة.

ولان المساعدات التي تعطى للسياسيين في انتخابات الكونجرس وغيره تتمتع بالشفافية في الولايات المتحدة من المعروف أن اللوبي المدافع عن حق حمل السلاح يخصص مساعداته لمن يدافعون عن أفكاره ففي عام 2001 بلغ ما منحه للسياسيين وكلهم من الحزب الجمهوري 15 مليون دولار. وسياسته هي إنجاح هؤلاء ليدافعوا عن بقاء النص الدستوري دون تعديل. وفي الحملة الانتخابية لرئاسة جورج بوش للمرة الثانية انفق اللوبي على حملته الانتخابية 20 مليون دولار إذ ظل في نظرهم المدافع عن الحرية أي حق حيازة السلاح لمن يشاء. ويلجأ اللوبي لمعسكرات تدريب الشباب والصبية على استخدام السلاح وكذا يركز على النساء تحت شعار الدفاع الذاتي لأنهن في دعايته الهدف الأول للاعتداءات ويضمن دعايته فكرة براقة مثل الاستقلال والحرية وربما الديمقراطية والعدالة. وبحسب هذا اللوبي يستخدم الأفراد سلاحهم 2 مليون مرة سنويا للدفاع عن النفس. فهل يعقل ادعاء مجتمع للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان حينما ينام المواطن وإصبعه على الزناد ؟

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك