الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > أمريكا والشرق : شائعات رسمية عن حروب أهلية عربية... بقلم : مصطفى نور (...)

أمريكا والشرق : شائعات رسمية عن حروب أهلية عربية... بقلم : مصطفى نور الدين

نشر في ديسمبر 2006 سوف يحدد التاريخ فيما بعد

الجمعة 1 كانون الأول (ديسمبر) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

أمريكا والشرق : شائعات رسمية عن حروب أهلية عربية... بقلم : مصطفى نور الدين

هل قرأ ملك الأردن في الفنجان عن حروب أهلية محتملة في الزمن القريب في العراق وفلسطين ولبنان أم هي رؤية أم معرفة يقينية أم هي قراءة لواقع لا يقول بغير ذلك ويتم الدفع إليه دفعا؟؟ إن الصحف الأمريكية الكبرى (لوس انجلس تايمز ونيويورك تايمز) كسرت حاجز الممنوع وبدأت تستخدم كلمة حرب أهلية بشأن العراق دون وضعها بين قوسين. وكانت افتتاحية نيويورك تايمز يوم 25 نوفمبر لمناقشة غرابة استمرار رفض الإدارة الأمريكية لاستخدام كلمة حرب أهلية بشأن العراق. ويقدم ادوارد وانج، في افتتاحيته، كل المؤشرات على أن ما يدور على ارض العراق واحدة من اعنف الحروب الأهلية في السنوات الأخيرة إذ أن 100 ألف عراقيا يهربون إلى سوريا والأردن شهريا خشية العنف. وبلغ عدد القتلى في شهر أكتوبر وحده إلى 3709 بحسب تقرير للأمم المتحدة. وطبقا لتقرير للبنك الدولي فان درجة العنف تجاوزت العنف في كل الحروب الأهلية منذ 1945.

فأي مراقب لا يمكن أن يسمي الأشياء بأسماء أخرى إلا إذا كان يريد أن يرى الضحك وينسى أن من شر البلوى ما يضحك.. فهو ضحك لأن في مصر ثورة عارمة من أجل الحفاظ على قطعة من القماش يصر الرجال أن على النساء التحشم والالتزام بها وكلما زاد طولها وعرضها فهو أفضل في حين تتناثر جثث العراقيين والفلسطينيين والسودانيين وقريبا اللبنانيين ولا تخرج الجماهير للتضامن وللمطالبة بحقن الدماء.

إن المضحك المبكي أن نسمع رئيس وزراء تركيا يقول:" لن نسمح بأن تقسم العراق إلى ثلاث أقسام" وأن نسمع من إيران:" كل اعتداء على سوريا اعتداء على إيران". ولم نعد نسمع دولة عربية واحدة تردد ولو كشعار للاستهلاك المحلي عبارة بهذا المعني. ومن المضحك المبكي أن يكون مصير لبنان العراق وفلسطين والسودان بيد الولايات المتحدة وفرنسا وانجلترا.. وأن لا كلمة لا للدول العربية منفردة ولا مجتمعة.

أيديولوجية الدم :
وبرغم المشهد الذي يلوح فيه الكبار كبارا فلقاء الأسبوع لحلف شمال الأطلسي يتم وسط اهتزاز للأوضاع الأمريكية في العراق بجانب المصاعب التي يواجهها بوش داخليا بهزيمة الحزب الجمهوري لصالح الحزب الديمقراطي. وهو ضعف يكمله ما تسرب من تقرير جيمس بيكر ويطالب باستراتيجية مغايرة في العراق. ولا داعي لتصور أن الديموقراطيين أو التقرير سيغيران الكثير من الأمور قبل شهور لحفظ ماء وجه القوة العظمى الوحيدة في العالم وعدم الانسحاب الفوري حتى لا يعتبر كانهزام في مواجهة المقاومة العراقية. ويقوى من ذلك أن الصراع مع إيران وسوريا لم يأخذ صورته النهائية بعد وسوف تعتبر مغامرة شن حروب جديدة في المنطقة إذ سيتناقض ذلك مع انتقادات الحزب الديموقراطي لسياسة بوش ويخالف نصائح تقرير بيكر بفتح حوار مع كل من سوريا وإيران.

وتأتي زيارة جلال طلباني، رئيس جمهورية العراق، يومي 27 و28 نوفمبر، لإيران كحدث إذ سيشارك نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي مع الرئيس جورج بوش في مؤتمر قمة ثلاثي مع ملك الأردن في المملكة الأردنية يومي 29 و30 نوفمبر. فهل تقوم العراق بدور وساطة بين الولايات المتحدة وإيران وسوريا خاصة وان سوريا أعادت منذ أيام علاقاتها الدبلوماسية مع العراق بعد أن كانت قد قطعتها اثر حرب العراق ضد إيران...؟ بالإضافة أن بين إيران وسوريا اتفاقية دفاع مشترك وهو ما يعني أن توجه كل من الدولتين، في نفس الوقت، لذات الخطوة يعني وجود تنسيق. وهذا التنسيق لا يمكن تصوره عشية لقاء رئيس وزراء العراق والرئيس الأمريكي دون أن يكون هناك موافقة من قبل الولايات المتحدة إلى عودة هذه العلاقات بين صديقها العراقي وكل من إيران وسوريا. فالأولى، من وجهة نظر الولايات المتحدة، محور الشر والثانية دولة خطرة.

وهذه الوساطة هامة للعراق وللبنان.. إذ "بالصدفة" كالعادة نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا يكشف، عن مصدر من المخابرات الأمريكية، يقول بأن حزب الله اللبناني درب ما بين ألف وألفين شيعي عراقي في لبنان بتوسط من إيران وسوريا.. وان نحو 300 عراقيا من الشيعة ساعدوا حزب الله إبان عدوان إسرائيل على لبنان... وسبق أن قالت ذات المخابرات بأن السلاح الذي تستخدمه المقاومة العراقية صواريخ صنعت في إيران.. وأن هناك علاقة بحماس الفلسطينية في كل هذه التداخلات الاستراتيجية ضد الولايات المتحدة "المغلوب على أمرها" وإسرائيل الضحية طبعا!!

ولكن الغريب أن يقول بوش في جامعة "ريجا" عاصمة لاتفيا، حيث يعقد مؤتمر حلف شمال الأطلسي يومي 28 و29 نوفمبر، بأنه لن يأمر بسحب قواته من العراق قبل أن تنهي مهمتها التي وصفها بأنها "معركة إيديولوجية حاسمة لمحاربة المتشددين في الشرق الأوسط.". فهذا ما يسمى "مصادرة على المطلوب".. مطلوب من قبل الشعب العراقي.. ومطلوب من قبل الأمريكيين الذين اسقطوا حزب الجمهوري ومطلوب من شعوب العالم التي تنادي به منذ سنوات وكانت ومازلت ضد الحرب.
والغريب أيضا أن تنشر صحيفة نيويورك تايمز عشية اللقاء العراقي الأمريكي، ملاحظات "سرية" من ستيفن هادلي إلى جورج بوش، تنتقد رئيس الوزراء العراقي وتصفه بأنه يريد أن يظهر أنه قوي ولكن لا يعرف كيف. وان حقيقة ما يحدث بالشارع العراقي تعطي الإحساس إما بأنه يجهل ما يحدث أو لا يعطي له ما يستحقه من اهتمام أو انه تعدمه القدرة الفعلية على إنجاز نواياه الحسنة في أفعال."

هذه الملاحظات بشأن رئيس الوزراء والملاحظات السلبية التي يكتبها الخبراء حول سياسة جورج بوش تضعنا أمام صورة كاريكاتيرية لمن يقومون بتصريف الأمور في العراق من الخارج والداخل. وكأن نشر هذه الملاحظات أتت وقت اللقاء لتقول لرئيس الوزراء العراقي أن الذي أصابه الضعف ليس أنا.. الرئيس بوش" ولكن أنت المسئول يا مالكي.. وأن صبري قد نفذ".. وداخليا يزداد التمزق بتعليق التيار الصدري لعضويته في البرلمان والحكومة احتجاجا على لقاء المالكي مع بوش والتي اعتبرها "استفزاز لمشاعر الشعب العراقي وتجاوز لحقوقه الدستورية." وفي المؤتمر الذي عقده بوش مع رئيس الوزراء العراقي أعلن بوش عن تضامن الولايات المتحدة مع الحكومة العراقية وفتح بذلك باب صراع جديد داخل السلطة العراقية لا يمكن استشفاف إيجابيات لها. و في أبسط تحليل فان الأمور سوف تزداد صعوبة على كل الأصعدة.

حرب أهلية لبنانية مرغوبة :
وهذا التمزق العراقي ينتقل كعدوى إلى لبنان. ومن الأكيد أن تعقد مشكلة لبنان يقع في جزء منه على فرنسا التي لم تستطع لعب دور وسط لانحيازها للتيار الموالي لها (الحريري وجمبلاط وجعجع) منذ اغتيال رفيق الحريري، ومعاداتها للمعارضة اللبنانية (نصرالله وبيري وعون) ولحود رئيس الجمهورية. وموقف فرنسا مطابق في ذلك للولايات المتحدة وإسرائيل والعديد من الدول العربية.

وفي المحادثة التليفونية بين شيراك وبوش عشية لقاء دول حلف شمال الأطلسي أكد الرئيسان على مناصرة حكومة السينيورة ضد "المتطرفين" الذين يتلقون الدعم من الخارج. والمقصود ضد حزب الله وأمل والتيار الوطني الحر. ونفس الموقف، وفي ذات الوقت، اتخذته قمة رؤساء وزراء خارجية الاتحاد الأوربي في مؤتمر "الايروميد" الذي يجمع الدول الأوربية ودول حوض المتوسط وعقد في مدينة "تامبير" في فنلندا يومي 27 و28 نوفمبر. وشكل تصريح "سولانا" نوعا من الابتزاز السياسي إذ قال ممثل المجموعة الأوربية :" انه لا ينبغي التعرض للحكومة اللبنانية لأنه في يناير المقبل سوف يعقد مؤتمر باريس – 3 المخصص لتقديم المساعدات لإعادة تعمير لبنان بعد الحرب بين إسرائيل وحزب الله". أما جون بولتون، سفير الولايات المتحدة في مجلس الأمن، فقد أدلى بان زيارة بوش للأردن حاسمة وان أي فشل في لبنان سيؤدي لعواقب وخيمة للمنطقة لأنه يتعرض لحكومة لبنان المنتخبة ديمقراطيا.. ونسى السيد بولتون أن الحكومة الفلسطينية كانت تمثل إرادة شعبية ديمقراطية وبرغم ذلك تم محاصرتها من الغرب برمته ومن الدول العربية أيضا. فالانتقائية محددة سلفا فلبنان دولة أما فلسطين فأرض لا حدود لها وحكومة بدون دولة.

وهذه التصريحات هي استمرارية للسياسة السابقة ومشاركة في إشعال الحرب الأهلية اللبنانية التي أصبحت أكثر من محتملة وبدأت بعض مظاهرها بالفعل. فالتدخل الخارجي من كل صوب يشكل فرضا لما يجب أن تتبعه الشعوب والدول في سياساتها الداخلية والخارجية إن أرادت أن تنعم بعلاقات دولية سوية حتى ولو تناقض ذلك مع مصالح هذه الشعوب. ويأتي قرار المعارضة اللبنانية ببدء الاعتصام العام والمستمر إلى أن يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية وبذلك تدخل لبنان في صفحة جديدة من المجهول. فالخوف أن تتدخل قوى التأثير الخارجية لتفجر حربا أهلية جديدة في بلد تستمر معاناته منذ عقود.

الانتصار المستحيل :
وبشأن أفغانستان، الذي يركز مؤتمر حزب شمال الأطلسي أعماله حولها، نظرا للخسائر الفادحة للقوات المشاركة في العمليات ضد القاعدة, وصرح توني بلير أن "مصداقية حلف شمال الأطلسي في خطر.. إذا لم ننجح في أفغانستان فان العالم سيكون اقل أمنا".

ويأتي اقتراح جاك شيراك، الرئيس الفرنسي، ونشر نصه في صحف 26 دولة مشاركة في اجتماع مدينة "ريجا" ليقدم رؤية مختلفة عن الأمريكية في معالجة القضايا وليبين أن فرنسا تسعى لسحب جزء من قواتها الخاصة في أفغانستان والمطالبة بسياسة مختلفة وليست عسكرية فحسب مثلما هو الحال الآن. ففرنسا تعارض زيادة عدد القوات بنحو 2500 جندي أضافي كما تطالب الولايات المتحدة. والمطلب الفرنسي يريد تشكيل "جماعة اتصال" دبلوماسية مع دول الجوار بما في ذلك إيران وباكستان بالإضافة لتقديم مساعدات اقتصادية هامة من الهيئات العالمية ومن البنك الدولي لمساندة الحكومة الأفغانية. وبرغم أن فرنسا لا تشارك منذ 1966 في القوات العسكرية للحلف إلا أنها تسهم بنحو 1100 من جنودها من جملة قوات "حفظ السلام" البالغة 32 ألف جندي من 37 دولة.

ولا يشارك جنود فرنسا بالمعارك في جنوب أفغانستان ولكن يتمركزون في العاصمة "كابول" وهو ما يجعلهم عرضة للانتقاد من الأمريكيين والبريطانيين والكنديين الذين يتعرض جنودهم للموت لتواجدهم في المواجهة مع "الطالبان". فالخبراء من العسكريين الفرنسيين يصرحون أن هذه الحرب لا يمكن كسبها فالجيش السوفيتي خسرها وكانت قواته 100 ألف جندي.. والأمريكان يسخرون من القوات الألمانية التي تتواجد أيضا بعيدا عن الصراع المباشر بقولهم "على الألمان أن يتعلموا القتل". ولقد طالب الرئيس الأفغاني بان "يقوم المجتمع الدولي بإعطاء العشرة مليار دولار التي وعد بها كمساعدات ليسهموا في تحسين ظروف معيشة الشعب !!."

يموت الشعب في العراق وفلسطين وأفغانستان بالمئات والآلاف منذ سنين في صراع مصالح من أجل الهيمنة على موارد الطاقة.. وتكاد النار أن تنتشر في دول الجوار الواحدة تلو الأخرى.. ربما غدا في سوريا وإيران ولبنان. وفي غياب وعي بما يحاك من إستراتيجيات التمزيق لكل مجتمع في عناصر دينية وعرقية وقبلية...تسقط البلدان كالذباب في "الفخ" الذي نصبه لها الأعداء. ثم بعد سنين من الانتحار الجماعي قد تفيق بعد أن تنهكها المعارك لتدرك أن الحماقة كانت إيديولوجيتها وأنها فقدت العمر في ترهات وبكائها لن يرد إليها ما أهدرته بعد عودتها للعصر الحجري كما رسم لها الأعداء ونفذت بيدها المصير التعس الذي حدده لها بين الشعوب.

* د. مصطفى نور الدين عطية.. كاتب مصري مقيم في باريس.. مدير تحرير مجلة "Naissances" في علم النفس في فرنسا (بالفرنسية) ومراسل لجريدة "الأهالي" الأسبوعية بالقاهرة. نشر في أول ديسمبر 2006 في موقع أمين : http://www.amin.org

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك