موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الهجرة > الهجرة والجينتيك... مصطفى نور الدين

الهجرة والجينتيك... مصطفى نور الدين

نشر في جريدة البديل اليومية بالقاهرة يوم 23 سبتمبر 2007

الأحد 23 أيلول (سبتمبر) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الهجرة والجينتيك... مصطفى نور الدين

نشر في جريدة البديل اليومية بالقاهرة يوم 23 سبتمبر 2007

في الواحدة من صباح الخميس 20 سبتمبر أقرت الأغلبية اليمنية وحلفائها أسوء قانون هجرة في تاريخ فرنسا بعد مناظرات دامت يومين. ولم تستطع الأقلية البرلمانية من الاشتراكيين والشيوعيين والخضر منع التعديلات التي تمت إضافتها على ترسانة الشروط المعوقة للهجرة. إذ اقر 91 برلماني القانون ورفضه 41 فقط. والتعديل يرمي لضبط الهجرة بفحص (د.ن.ا.) أو الشفرة الوراثية الجينية للمهاجرين الجدد في حالة لم شمل الأسر للتأكد من صحة علاقة القرابة المباشرة بينهم وبين المهاجر المستقر في فرنسا.

وهذا التعديل هو الرابع عشر منذ 30 سنة. والغرض منه تصعيب حضور المهاجرين لفرنسا. وفي عام 2006 كان نيكولا ساركوزي، رئيس الجمهورية، قد أضاف تعديلا قاسيا، حينما شغل منصب وزير الداخلية، بفرض أن تكون الهجرة منتقاة لتلبي احتياجات فرنسا من الكفاءات. وأثارت هذه الفكرة حينها ضجيجا شعبيا باعتبارها سرقة للعقول من البلاد الأصلية.

فالقانون الفرنسي يحترم "نظريا" فكرة الحفاظ على وحدة الأسرة. فمن حق المهاجر الذي يعمل بعقد عمل ثابت أن يستدعي أفراد أسرته من البلد الأصلي. وصعب القانون هذه العملية بفرض أن يكون دخل المهاجر المقيم يعادل الحد الأدنى الشهري للأجور (1250 يورو) ويقيم بسكن ملائم. ويشترط لحضور الأسرة إجادة اللغة الفرنسية مسبقا ومعرفة قيم الجمهورية الفرنسية والالتزام باحترامها.

وسبق لساركوزي، طرح مشروعه للحد من الهجرة في برنامجه الانتخابي وربط بين الهجرة والهوية الوطنية فأثار الغضب لما تحمله الفكرة من عنصرية مقنعة إذ تعني أن المواطنة بيولوجية الأصل وليست في جوهرها نتاج تعايش تاريخي وثقافي. ثم كشفت التطورات الإيديولوجية الأخيرة التي قدمها بريس هورتيفو، وزير الهجرة والهوية الوطنية، عما يغضب أكثر حس المواطنين الفرنسيين إذ إنهم خليط من ثقافات وأصول عرقية متعددة منذ قرون. وكان القانون قد أضاف صعوبات في العام الماضي لمن تزوج من جنسية أخرى باشتراط مرور سنتين زواج ليحق طلب الجنسية.

ومن مظاهر تصعيب أوضاع المهاجرين الطرد المكثف لمن لا أوراق رسمية للإقامة بيدهم وهو ما يثير غضب جمعيات حقوق الإنسان والمدافعين عن حق المهاجرين بتسوية حالتهم أسوة بدول أوربية أخرى مثل ايطاليا وأسبانيا. ولكن الدولة مازالت تمارس البحث عن هؤلاء المهاجرين وكانت أخر الفضائح بشأنها هو رسالة إلى مديري المدارس يوم 17 سبتمبر ونصها: " هل لديكم علم بأطفال في مدارسكم بدون أوراق إقامة ؟ في حال وجود مثل هذه الحالات برجاء إبلاغنا بالبريد الاليكتروني أو بالتليفون. وشكرا".

وهناك مبالغة في ظاهرة الأسر المهاجرة إذ كان عدد المهاجرين من غير الأوربيين في عام 2005 نحو 92 ألفا أي ما يعادل نصف إجمالي المهاجرين لفرنسا ولا يشكل من ينطبق عليهم "لم شمل الأسر" إلا نحو 23 ألفا للسنة المذكورة في حين أن عددهم كان عام 1971 أكثر من 81 ألفا. وغني عن البيان أن فرنسا مثل معظم المجتمعات الغربية بحاجة للهجرة نظرا لتدني معدلات الميلاد وهو ما سيقود إلى اختلال سكاني كبير في السنوات القادمة.

ويحمل تطبيق الاختبار البيولوجي عواقب مهددة لتفتيت الأسر والشك في نسب الأبناء وإقصاء أبناء من عاود الزواج وله أبناء من زيجة سابقة بالإضافة إلى إقصاء الأطفال الذين تبنتهم أسر لم تتمكن من الإنجاب...

وبعد ساعات قليلة من بدأ المناقشة في البرلمان وقع أكثر من سبعة آلاف مواطن على نداء يرفض الموافقة على استخدام العلم في مسألة الهجرة. وقاد الحملة "تجمع حماية الأبحاث" الذي يضم العلماء والباحثين في فروع المعرفة. ونشرت كل منظمات وجمعيات حقوق الإنسان العالمية والفرنسية بيانات :"تعترض بشدة على تطبيق اختبار جينتيك على المهاجرين في فرنسا بلد حقوق الإنسان". وتعترض على "الدولة الكارهة للأجانب". و"بأن هذا القانون مقزز ولا يعكس فقط ظل الكولونيالية وإنما يعتبر الخطوة الأولى لخلق مجتمع فرنسي عرقي."

وجاء الاعتراض من كبار العلماء وعلى رأسهم كلود هوريه، رئيس معهد كوري (نسبة للعالمين بيير وماري كوري) والذي ساهم في صياغة قانون البيواتيك (أخلاقيات أو آداب البحوث البيولوجية) لعام 1994 الذي يحرم إجراء تحليل للشرائح الوراثية للإنسان إلا بقرار قضائي وفي حالة الضرورة الملحة في ظرف خطر من أجل تحديد البنوة. ومن اجل الكشف في حالات الجريمة عن العلاقة بين شخص متهم وعلاقته بجريمة ما. ويعتبر هوريه، وهو برلماني سابق أيضا، عدم قانونية مشروع قانون الهجرة الجديد لتناقضه مع قانون البيوإيتيك. ويقول "اليوم يساء استخدام العلم من اجل مقاومة الهجرة غير الشرعية وغدا سيستخدم من اجل الحفاظ على السلم الداخلي !"

وقال اكسل-كان، أشهر عالم بيولوجي فرنسي : "هذا القانون قنبلة وإعصار يخلق سابقة عواقبها وخيمة فغدا سنطالب من يريد الحصول على الجنسية الفرنسية عمل اختبار جينيتك."

ولا يعترض على هذا الاختبار المعارضة فقط بل كثير من البرلمانيين اليمنيين من حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية الذي يشكل الأغلبية ويرون أن الغاية الأساسية من الاختبار يجب أن تظل علمية. وكان من بين المعترضين وزراء من أمثال وزيرة الدولة لشؤون المدن، فضيلة عمارة،من أصل جزائري، حيث صرحت: "بأن فحص الجينات يؤلمها لأنها ابنة مهاجرين."

وصرح برنار كوشنر، وزير الخارجية وعضو الحزب الاشتراكي سابقا، تصريحا منافقا فقال بأن هذا القانون: "لا يروق لي ولا يجعلني أشعر بالعار" !. وهو نفس موقف اليساري سابقا مارتان هيرش، المفوض عن التعاضد النشط ومناهضة الفقر.

وكانت المناقشة الحامية في البرلمان طوال يومين وأطلق جان- بيير بيرار، البرلماني الشيوعي، أخطر عبارة لانتقاد وزير الهجرة. بقوله:" عندما نرى بعض اقتراحاتكم نتصور ماذا كان يمكن أن يحدث لو كنتم برلمانيين في عام 1940." ويعني بطبيعة الحال المقاربة بينهم وبين النظام الفرنسي الذي تعاون مع النازية.

وأتهم البرلماني الاشتراكي، برنار ليسترلن وزير الهجرة:"بأنه مكلف بتطهير المشهد الفرنسي من تلك النسوة التي تلوح كلطخة بأرديتها الأفريقية ومن هؤلاء الأطفال غير المهذبين الذين يجبون أحيائنا. وكل ذلك من أجل بذر الاطمئنان للطبقات "الشعباوية" للحصول على أصواتهم في الانتخابات المحلية بعد ستة أشهر." أي جذب أصوات اليمين المتطرف المعادي للمهاجرين.

وكتبت صحيفة "لو كنار انشينيه" الأسبوعية ساخرة من القانون و"بغمزة عين" نحو ساركوزي قائلة "من الآن فصاعدا كل جمع شمل للعائلات لابد أن يخضع للفحص الدقيق. فمثلا، في شارع سان- هونريه يسكن شخص مجري الأصل (ساركوزي) من الجيل الثاني من المهاجرين، يدعي أن له أسرة كبيرة ممتدة تنوي الهجرة لفرنسا. ويلزم إذن التأكد علميا من علاقة القرابة المزعومة.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك