موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الهجرة > الهجرة صمام أمن الغرب.. بقلم : مصطفى نور الدين

الهجرة صمام أمن الغرب.. بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) 3 يونيو 2006

السبت 3 حزيران (يونيو) 2006, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الهجرة صمام أمن الغرب.. بقلم : مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) 3 يونيو 2006

اقر البرلمان الفرنسي قانون "الهجرة المختارة" ليضع الكثير من القواعد الصارمة لمن يحيا في أوضاع مؤقتة أو غير شرعية ولمن يريد الحضور للعيش في فرنسا. ووضع قانون يكشف بشكل مباشر حقيقة انه ليس بمقدور الغرب الرأسمالي المتقدم البقاء بدون البلدان الأقل تقدما بالأمس كما اليوم.

وهذه "التبعية" الغربية هي للموارد الأولية الأساسية الضرورية لمشروعاته وللأسواق لسلعه ولرأس ماله ولاحتياجه للقوة العاملة المستوردة في شكل عبيد في الماضي ثم حديثا في صورة هجرة لتشغيل الكثير من أنشطته. تلك الحقيقة يؤكدها الواقع بمعطياته الراهنة والمستقبل.

وبالنظر للواقع في المجتمع الفرنسي اجتماعيا وخاصة من منظور التركيب السكاني ومساره تتكشف سمة الاستمرارية في توجه بعينه. فما تلك "الثوابت النسبية" التي تسمح بالقول بان المهاجرين ضرورة لحياة مجتمع متقدم ؟

فمن جانب تجدد القوة العاملة يتعرض للمخاطر لأن نسبة الشباب أقل من عشرين سنة التي كانت تمثل واحد من كل ثلاثة من السكان في أوائل الستينات من القرن العشرين أصبحت الآن واحد من كل أربعة.

يضاف لذلك أن شيخوخة السكان تتأكد إذ أن واحد من كل عشرة من السكان يبلغ عمره 75 سنة أو أكثر وهذا يعني تضاعف نسبتهم بالمقارنة بعام 1962. والأكثر خطورة هو أن أكثر من ربع السكان تجاوز سنهم 60 سنة.

فالنساء تعمر إلى 86 سنة بينما الرجال 77 سنة. وفي السنوات الأخيرة حدث تقدم في عمر الرجال إذ يسجل ارتفاعا بمعدل 3 شهور إضافية سنويا. وهو ما يعني أن الرجال قد ازداد اهتمامهم بالرعاية الصحية ومتابعة الفحوص الطبية الدورية بدءا من سن الخمسين. بالإضافة إلى اهتمامهم بالأنشطة البدنية من ألعاب رياضية واستجمام مما حسن من معدلات طول عمرهم مما يؤشر إلى أنهم سوف يعيشون لسن متقدم كما النساء إذا استمر هذا التوجه الجديد. ويضاف لذلك التقدم الهائل في الطب والعلاج والوقاية وتحسن مستوى المعيشة ونوعية الغذاء وارتقاء الاهتمام بالنظافة.
وزيادة عدد كبار السن يعني أيضا أن السكان العاملين هم الذين ينفقون على عدد يتزايد من السكان غير المنتجين بعد خروجهم على المعاش وهو ما يشكل مشكلة في الغرب نظرا لاختفاء الأسرة الممتدة والاضطرار لوضع المسنين في مؤسسات مكلفة .

هجرة جاهزة الصنع

ومن مشكلات الغرب الأساسية المعدلات المنخفضة للإنجاب بجانب تأخر الطفل الأول الذي يصل بعد بلوغ المرأة نحو الثلاثين من العمر. وهذا يعكس الانشغال الأساسي بتأمين المستقبل المهني. وهذا هو السن الذي تبدأ معه النساء الإنجاب أيضا. وهو إنجاب في المتوسط لطفلين. أي بمعدل لا يضمن إعادة تجدد السكان والقوى العاملة.

عدم كفاية التزايد السكاني للرد على تجديد قوة العمل وهو ما يعطي معنى لسياسة عدم رفض أو منع الهجرة إلى أسواق العمل الرأسمالية المتقدمة ولكن تقنينها.

وهذا التقنين في أحد وجوهه ظلم يقع على ملايين العاطلين في المجتمع الفرنسي نفسه. إذ أن الاختيار الذي تنوي الدولة تطبيقه يهدف إلى عدم إنفاق رأسمال طائل كاستثمارات في إعادة تأهيل من هم بالمجتمع بالفعل وإعادة طرحهم لسوق العمل وإنما اتخاذ السبيل الأكثر توفيرا واقتصادا للمجتمع.

وهذا السبيل هو استيراد "قوة عمل جاهزة الصنع" من المجتمعات الأقل تطورا والتي لا تتمكن اقتصاديتها من توفير فرص عمل لها. بل أيضا قد تعتمد سياسة تأهيل لهذه "السلعة البشرية"، قوة العمل، في المجتمعات الأصلية لتكون اقل كلفة مما لو قامت بهذا التأهيل في البلدان المتقدمة.

وطبقا للتوجه السكاني وحركته المستمرة في هذا اللحظة التاريخية لا غناء عن استيراد القوة العاملة الخارجية لتحل محل العجز الراهن والمتأكد لاستمرارية الأنشطة الاقتصادية.

ويعمق من مشكلة المجتمع الفرنسي السياسة التي اتبعت فيما بعد الحرب العالمية الثانية في مجال التعليم بعدم تبصر احتياجات المستقبل لكل من قطاعات الأنشطة وتمركز السياسة على تخريج عدد محدود من الصفوة. وأنتجت هذه الفلسفة خلالا هاما في الكثير منها بحيث يمكن القول أن الإنقاذ يأتي من المهاجرين في الزراعة في مواسم حصاد الفواكه والخضر والذرة على سبيل المثال.

ولعل القطاع الذي يعاني منذ سنوات بشكل حاد هو قطاع الصحة. فلا تتمكن المستشفيات الفرنسية، العامة والخاصة، من الحفاظ على حالة العناية الصحية المرتفعة الراهنة وضمان العلاج والعمليات الجراحية والتخدير إلا بفضل الأطباء الأجانب الذين يمثلون إحلالا ضروريا للعجز الهائل في الخرجين من كليات الطب. ولكي يتم ملء هذه الفجوة بإعادة تصحيح مسار التعليم في هذا المجال يلزم ما يناهز عشرين سنة.

و لعل واحد من أهم الأسباب التي تجعل التنبؤ في أسواق العمل المقبلة والاحتياجات الفعلية مستحيلا هو عدم معرفة المهن والوظائف المستجدة الناتجة عن التطور التقني السريع في السنوات المقبلة. فالعالم المتقدم يشهد تحولات لا نظير لها ولم تكن موضوعا إلا لقصص الخيال العلمي في السنوات الماضية.

أوربا وليبرالية الخدمات

ومن الصدف التاريخية أن الاتحاد الأوربي اقر، في نهاية مايو، سياسة ليبرالية الخدمات بين بلدان المجموعة الأوربية في ذكرى العام الأول لرفض الدستور الأوربي في كل من فرنسا وهولندا. وهذه السياسة تعني حرية حركة السلع في هذا القطاع في كل صورها من السباكة إلى الانفورماتيك.

وجدير بالتذكير أن هذه السياسة الليبرالية كانت أحد أسباب رفض الدستور في الاستفتاء إذ يتخوف الكثير من الآثار السلبية على الاقتصاديات القومية. فهو من ناحية إنفتاح لحركة رأس المال والسلع والأيدي العاملة "البين أوروبية" وتشديد الحركة على الهجرة من البلدان المتخلفة. فلا شك أن المجتمعات الغربية المتقدمة برغبتها بتوسيع الاتحاد الأوربي إلى 25 دولة تقوم أيضا بسياسة "اختيارية" مكملة بتفضيل الهجرة البين أوروبية خاصة في الأنشطة الاقتصادية غير المرهقة جسديا التي تظل "حكرا" للمهاجرين المتدنية مستوياتهم التعليمية من أفريقيا أساسا وبعض البلدان الآسيوية.

ومن الصدف أن يكلل "مهرجان كان" السينمائي فيلم "السكان الأصليين" Indigènes بجائزة جماعية لادوار الرجال في التمثيل.. وهذا الفيلم، من إخراج رشيد بوشار وبطولة مجموعة من الممثلين الفرنسيين من اصل مهاجر، هو قصة مشاركة شعوب المستعمرات في "جيش فرنسا الإفريقي" الذي شارك، في الصفوف الأولى، في مناصرة الحلفاء إبان الحرب العالمية الثانية ضد النازية وتحرير أوروبا. أي كانت سياسة "إنتقائية" أيضا لمن يتلقون الطلقة الأولى في الصدور لبشر من هذه المستعمرات التي لم يكن لها "لا في الثور ولا في الطحين" في هذا الصراع فيما بين الدول الإمبريالية وبرغم ذلك دافعوا مع الغرب من اجل الاستقلال والحرية.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك