موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الهجرة > الهجرة تفجر وحدة اليمين الفرنسي... مصطفى نور الدين

الهجرة تفجر وحدة اليمين الفرنسي... مصطفى نور الدين

نشر في جريدة البديل اليومية بالقاهرة يوم 5 اكتوبر 2007

الجمعة 5 تشرين الأول (أكتوبر) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الهجرة تفجر وحدة اليمين الفرنسي... مصطفى نور الدين

نشر في جريدة البديل اليومية بالقاهرة يوم 5 اكتوبر 2007

بدأت حركات الرفض في فرنسا حيال السياسة اليمنية الجديدة تتبلور من حيث لم يتوقعها أحد إذ جاء الرفض من مجلس الشيوخ الذي عرف بسياساته المحافظة. إذ رفضت لجنة القانون بالمجلس، يوم 26 سبتمبر، اعتماد التعديلات الجديدة على قانون الهجرة الذي اقره البرلمان يوم 20 سبتمبر. وتلك أول صدمة لليمين الذي جاهد لتمرير تلك التعديلات باعتبارها الحل الأفضل للتحكم في حركة الهجرة.

ووقع الصدمة أكبر لأن مجلس الشيوخ حذف مواد القانون التي اعتبرها البرلمان ثورة تشريعية. فالرفض خص : إجراء اختبار جينتيك للمهاجرين الراغبين في اللحاق بعائلهم المقيم بفرنسا. وكذا إجبار المهاجر على تعلم الفرنسية مسبقا في بلده الأصلي إذا أراد أن يلحق بالزوج الفرنسي أو الزوجة. ورفض ما اقترحه القانون بتخفيض مدة البت في اللجوء السياسي من شهر إلى 15 يوم. وأدخل تعديلا بمد مدة رفع اعتراض على الطرد من فرنسا أمام المحاكم من 12 ساعة إلى 24 ساعة. أي إعطاء فرصة لطالب اللجوء السياسي بالحماية بالقضاء الذي من الممكن أن يحول دون طرده من الأراضي الفرنسية.

وبرغم التراجعات التي قدمتها الحكومة اليمينية بتعديلات على النص الأصلي لم ينته الخلاف. إذ قررت بتعديلاتها أن يتم قرار إجراء اختبار الشفرة الوراثية بناء على طلب قاضي مدني مسئول عن دراسة ملف طالب تأشيرة الدخول. وأن يكون الاختبار محصورا بين الابن والأم وليس الأب لتحاشي اكتشاف علاقة خارج العلاقة الزوجية. وأن تتحمل الدولة تكاليف الاختبار. وأن يطبق القانون لفترة تجريبية حتى عام 2010 ثم تقوم لجنة متخصصة بفحص جدوى التطبيق.

غير أن ذلك لم يكف للقناعة بالموافقة على القانون برغم أنه أضاف بأن فحص الشفرة الوراثية اختياري. وهو تعمية وغير صحيح إذ في الممارسة هو إجباري لمن شاء اللحاق بفرد من أسرته مقيم بفرنسا وهو حق يشرع له الدستور الفرنسي ومباديء حقوق الإنسان العالمية التي تعتبر الحفاظ على وحدة الأسرة مسألة جوهرية.

وقد استند اليمين إلى حجة أن 12 دولة أوربية تطبق تحليل للشفرة الوراثية للمهاجرين. وهو ما يحدث بالفعل إلا أنه لا يتم عبر قوانين وإنما كإجراء إداري بجانب أن هذه الدول هي التي تتحمل الثمن الباهظ لاختبار التحليل الجينتيك (200 يورو).

وهذا الخلاف بدأت مناقشته في لجنة استثنائية مغلقة، يوم 2 أكتوبر، بين سبعة برلمانيين وسبعة من مجلس الشيوخ وتبعها جلسة برلمانية علنية. وقد علقت الصحف على الصراع بين مجلس الشيوخ والبرلمان بعبارات: "مجلس الشيوخ يقود المقاومة" و"مجلس الشيوخ ضد القصر الجمهوري".

اليمين يتمزق:
والقضية بوصولها إلى هذا الحد تعكس التمزق وحالة من الوعي التعس. إذ من يرفضون هم من المعارضة اليسارية ويمين الوسط والأكثر إشكالية أن الكثير من بين أتباع اليمين الحاكم يرفضون القانون ولا يتورعون عن نعته بأسوء الصفات باعتباره صفعة للقيم المؤسسة للجمهورية الفرنسية ولقيم حقوق الإنسان.

والأزمة حقيقية إذ أن خمسة وزراء في الحكومة اليمينية يعارضون القانون بجانب أعضاء مجلس الشيوخ من الأغلبية اليمينية. ومن بين الشخصيات السياسية الهامة التي ترفض فرنسوا بايرو، زعيم يمين الوسط وأحد المرشحين لرئاسة الجمهورية في انتخابات مايو الماضي. وكذلك جان-بيير رفاران رئيس الوزراء سابقا وشارل باسكوا، وزير الداخلية سابقا وأكثر ممثلي اليمين صرامة حيال المهاجرين والذي عرفت فترة ممارسته بالوزارة بفضائح شحن المهاجرين على طائرات "الشارتر" حينما كان فرنسوا ميتران، الرئيس الاشتراكي، يتعايش مع حكومة يمينية. إذ صرح شارل باسكوا في صحيفة "لو باريزيان" يوم 2 أكتوبر :"اللجوء إلى اختبار جينتيك مرفوض كلية. فهو يعيد للذاكرة، لنا كديجوليين، ذكريات سيئة. فنحن نعرف كيف استخدام النظام النازي الجينتيك".

المسيحيون ضد القانون:
ولقد جاء رفض القانون من كل رجال الكنائس من الكاثوليك والبروتستانت. أجمعت الكنائس في بياناتهم الموجهة للبرلمانيين في أول أكتوبر بأن "استقبال الأجانب واجب على المسيحيين." وعبروا "عن قلقهم بشأن هذا القانون الذي يتنافى مع القيم المسيحية". و "أن المسيحية ترفض التفرقة بين مهاجر له أوراق رسمية وأخر ليس له" و "أن القانون بدلا من أن يعكس التعاضد يشيع الخوف من العولمة". وأشار البيان إلى أن "القانون يصدم المسيحيين لأنه يتدخل في حياة أسرة المهاجر الذاتية والخاصة في حين أنه لا يسمح بممارسة ذلك في الأسر الفرنسية. وأن الصدمة أكبر بتصويت ممثلي الشعب في البرلمان على القانون" و" إذا كان القانون يريد التحكم في الهجرة لأسباب اقتصادية فذلك لا يبرر منع لم شمل الأسر التي تمر بصعوبات إذ أن ذلك يزيد من مشاكل آلاف الأسر التي تعان بشدة الآن." وهاجمت الكنائس أيضا القيود التي يفرضها القانون على حق اللجوء السياسي إذ كيف ترفض فرنسا، بلد حقوق الإنسان، شخص أتى يطلب الحماية في أرضها من خطر يتهدده." وأشارت الجمعية المسيحية للطفولة أن:"القانون يناقض الاتفاقية الدولية لحماية الطفولة والتي وقعت فرنسا عليها".

الجمعيات الأهلية تقود الاحتجاج:
وتلعب جمعيات المجتمع المدني دورا محوريا إذ وقع على نداء "تجمع حماية البحوث العلمية" نحو 35 ألف مواطن يطالبون بعدم اقرار قانون "العار". وفي نداء أخر يقوم به "تجمع معا ضد هجرة المزبلة"، والذي يجمع 815 جمعية أهلية ونقابة وهيئة دينية ومدنية، وقع ما يقترب من 110 ألف مواطن على بيان حاد اللهجة ضد القانون وممارسات اليمين حيال المهاجرين.

وجاء الانتقاد للقانون من حيث لم يحتسب اليمين الحاكم. إذ بلورت "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" احتجاجا لما سوف يتسبب فيه تطبيق القانون من عقبات على الكوادر العاملة بها من الدول الأخرى ومنع زوجاتهم أو أزواجهم من اللحاق بهم في مكاتب المنظمة العاملة في فرنسا. وبلور سفير اليابان امتعاضا حيال القانون لذات الأسباب المعوقة للمهاجرين من بلده واستقروا بفرنسا.
ولا تكاد صحيفة تخلو من مقالات الرفض. وأفردت صحيفة "لبراسيون" صفحتها الأولى كإعلان "أوقفوا كل شيء.. أسحبوا القانون". ورفض اللجوء للشفرة الوراثية يرجع للبعد اللا أخلاقي فيه ولكونه تعديا على الحريات. فالمجتمعات المتقدمة استهلت استخدام المنهج منذ 30 سنة في انجلترا لأسباب قانونية سواء فيما يخص الجريمة أو لتحديد البنوة في قضايا خلافية وفي حالات الاغتصاب بالإضافة للبعد العلمي في الأبحاث البيولوجية. وتطور الاستخدام خارج هذا الإطار يطرح إشكالية الرقابة المتزايدة على المواطنين إذ يلحق هذا الأسلوب بكاميرات التجسس على حركة المواطنين في الأماكن العامة وكذا المراقبة للتليفون الجوال وبطاقات السفر الاليكترونية (الاشتراك الاليكتروني) في المواصلات العامة... فكل هذه التدخلات في الحياة الشخصية للمواطنين هي في قلب الاعتراض. ويضاف إليها أساسا البعد العنصري والمشاكل الاجتماعية المترتبة عن اكتشاف عدم انتماء الأبناء للأباء.

وبحسب ما قله بريس هورتيفو، وزير الهجرة والهوية الوطنية، يوم 30 سبتمبر في راديو - ج (اليهودي):"أن الكلمة الأخيرة تعود لأعضاء البرلمان". وستحسم القضية في الأسبوع الأول من أكتوبر الجاري. وهو ما يعني الإصرار على نص القانون المرفوض. فالغالبية اليمينية الحاكمة لا ترغب في تلقي ضربة برفض هذا القانون إذ سيكون ذلك ضد وزير الهجرة وقبل كل شيء ضربة مبرحة لرئيس الجمهورية، نيكولا ساركوزي.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك