الصفحة الرئيسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > المعارضة الفرنسية تتوحد بفضل المهاجرين... مصطفى نور الدين

المعارضة الفرنسية تتوحد بفضل المهاجرين... مصطفى نور الدين

سيحدد التاريخ لاحقا

الأربعاء 16 كانون الثاني (يناير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

المعارضة الفرنسية تتوحد بفضل المهاجرين... مصطفى نور الدين

لا يعرف النظام الفرنسي الحاكم كيف يجد المخرج السليم من أسوء قانون سنه للحد من الهجرة بفرض الاختبار للشفرة الوراثية لمن يريدون الهجرة واللحاق بعائلهم المقيم بفرنسا. أي إثبات صلة القرابة المباشرة بينهم. فأمام رفض مجلس الشيوخ يوم 26 سبتمبر إعتماد القانون الذي اقره البرلمان يوم 20 سبتمبر حاولت الحكومة إدخال تعديلات عليه لكي تتحمل نفقاته وتطبيقه لفترة اختبارية حتى 2010 والادعاء بأنه اختياري ولا يتم إلا إذا قرره قاضي مستقل مختص بفحص ملف صاحب الطلب.

وبرغم ذلك يتواصل الرفض من الطبقة الواعية من السياسيين والمثقفين ورجال الدين والمواطن العادي. فالاحتجاج تجاوز ما كانت تتصوره الحكومة إذ جاء من مجلس الشيوخ الذي حذف بند إجراء اختبار للشفرة الوراثية من القانون كما حذف ضرورة أن يلم المهاجر بالفرنسية مقدما قبل حضوره لفرنسا.

ولم تقف الكنائس صامتة أمام هذا الإهدار لحقوق الإنسان فأصدر ممثلي الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية العديد من البيانات الرافضة للقانون كمناقض لقيم المسيحية التي لا تفرق بين المهاجرين وتعتبر البحث في الشفرة الوراثية تدخلا لا أخلاقيا في خصوصيات الإنسان والتي لا يحق لسلطة ما معرفتها. فالاختبار يطبق لأهداف البحث العلمي أو القضائي في حالة الضرورة القاهرة طبقا للقوانين الفرنسية.

وتجمعت أكثر من 800 جمعية أهلية في تقديم بيانات للتوقيع من المواطنين تحت شعار: "لا تلمس شفرتي الوراثية" ووقع عليها أكثر من مائتي ألف مواطن (202 ألف) من المثقفين ورجال العلم والفن والمواطنين العاديين ومن كل التيارات السياسية.

ونظمت جريدتي "ليبراسيون" اليومية و"شارل ايبدو" الأسبوعية بالاشتراك مع جمعية "النجدة.. عنصرية" حفلة سياسية غنائية عملاقة، يوم 14 أكتوبر، في صالة "زينيت" وشارك في حفل الرفض أكثر من 6 ألاف شخص. وكان من بين الحضور الكثير من الشخصيات الهامة مثل الممثلة ايزابيل ادجاني والممثل القدير ميشيل بيكولي الذي قال :"لم اعد احتمل منذ وقت طويل ساركوزي منذ كان وزيرا للاقتصاد ثم الداخلية والآن كرئيس للجمهورية... ولم اعد احتمل أن يكون في فرنسا وزير للهجرة فهي سياسة للحكم على الشخص من سحنته." وأضاف فبتطبيق هذا الفحص نتدخل في علاقة حب بين أب وأم وأطفالهما سواء كان هؤلاء أطفالهما بالفعل أو بالتبني فهذه مسألتهم الخاصة. فمن الأفضل أن يسهل نيكولا ساركوزي عملية تبني الأطفال. واعتبر الممثل الكبير ما قاله رئيس الوزراء الفرنسي، فرنسوا فيون، مخجلا لفرنسا. إذ كان فرنسوا فيون قد صرح أمام البرلمان بأن مسألة الشفرة الوراثية مجرد "تفاصيل" أي ليس بشيء جوهري.
وتلزم إضافة أن استخدام كلمة "تفاصيل" لها وقع خاص في الحياة السياسية الفرنسية إذ استخدمها ممثل اليمين المتطرف، جان ماري لوبن، في كلامه عن المحرقة النازية واعتبارها مجرد تفاصيل في التاريخ وحكم عليه قضائيا بسببها. وعندما يستخدمها فرنسوا فيون، بشأن مسألة المهاجرين فهو يتوجه بخطابه لجمهور اليمين المتطرف الذين لحقوا بساركوزي وتركوا زعيمهم، لوبن، في انتخابات الرئاسة في مايو الماضي. وهي دعوة غير مباشرة ليدعموا حزب الرئيس في الانتخابات المحلية في مارس القادم.

وجاء تعليق هنري لوكرير، الرئيس الشرفي لجمعية حقوق الإنسان لاذعا حيال وصف رئيس الوزراء إذ قال:"إن مجمل نص القانون رجعي ومعادي للأجانب بشكل خطير. ولقد استخدم "لوبن" كلمة "تفاصيل" للكلام عن الماضي بينما استخدام رئيس الوزراء يخص الحاضر. فلو أن الفحص للشفرة الوراثية مجرد "تفاصيل" أي ليس بشيء جوهري فليحذفه." ويقول مولود اونيت، سكرتير جمعية "مناهضة العنصرية والمحبة بين الشعوب":"إن السياسة بهذا القانون تجاوزت مالا يجب تجاوزه بإثارتها غير المحتملة لكل الجمهوريين". ويضيف ادوار بالادير، رئيس الوزراء الديجولي السابق:"ليس هناك خجل من الخطأ ويجب إلغاء التعديل الخاص بالجنيتيك."

أما أهم علماء الجينيتك في فرنسا اكسل كان فيقول:"لقد قلت لأعضاء البرلمان بأن هذا القانون لا نفع منه ولا يخص في النهاية إلا عدد قليل من المهاجرين ولكنه يسبب الكثير من المضار فيما يخص التعريف الذي نعطيه للأسرة إذ يقصر هذا التعريف على الجانب العضوي "البيولوجي". والأكثر خطورة أنه في أفريقيا التعسة توجد نساء كريمات يقمن بتبن أطفال أيتام بسبب المجاعات والأوبئة والمذابح. فاختبار الشفرة الوراثية سوف يكشف لهؤلاء الأطفال أن أمهاتهم الحبيبة ليست أمهاتهم الحقيقية. وهكذا فان الجمهورية الفرنسية، التي بفضل كرمها ابتدعت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تبعث رسالة أنانية إلى نساء أفريقيا تقول فيها من تريد يوما اللحاق بزوجها بفرنسا تكف عن تبني الأطفال. إن هذا التعديل بقانون الهجرة عار على فرنسا."

والكثير من الاعتراضات جاءت من اليمين الحاكم نفسه. كما هو الحال من جان-بيير رفاران، رئيس الوزراء السابق، وشارل باسكوا، وزير الداخلية السابق. وكذا جاء الاعتراض من قلب أفراد الحكومة الراهنة وكان أكثرها حدة هو تصريح فضيلة عمارة، وزيرة الدولة لشؤون المدن، التي وصفت القانون بأنه "وسخ" وأثارت موجة من الاعتراض من قبل طاقم الحزب اليميني الحاكم.

ويقول فرنسوا جولار، عضو البرلمان من الحزب اليمين الحاكم ووزير البحث العلمي سابقا:"أنا ضد هذا القانون ومن الطبيعي أن أشارك في التظاهرات المطالبة بسحب موضوع مسألة فحص الشفرة الوراثية. والذي له أهمية انه في الاعتراض يجتمع شخصيات من اليمين واليسار للدفاع عن مبادئ حقوق الإنسان وعن قيم الجمهورية. وبعد مرور تعديلات القانون على مجلس الشيوخ ومعاودة تعديلها بالبرلمان أصبح القانون خال من المعنى. وبرغم ذلك فسوف أجعل من معركتي لحذفه مسألة مبدأ وأخلاق سياسية." وصرح دومينيك دو فيلبان، رئيس الوزراء السابق، بضرورة سحب هذا القانون وان الخلط بين الجينتيك والهجرة ببساطة أمر لا نملك إلا أدانته."

يضاف من النقاط الايجابية الفعلية تواجد خليط من السياسيين الذين تدور بينهم منافسة لا ترحم في مراحل الانتخابات ولكن جمعهم هنا الدفاع عن مبدأ هام من مبادئ حقوق الإنسان وأسس الجمهورية عن الحرية والمساواة الإخاء. إذ بالفعل تواجد فيه فرنسوا بايرو، يمين الوسط، وفرنسوا هولاند ولوران فابيوس من الحزب الاشتراكي وفرنسوا جورلان من اليمين الحاكم وجاك لاريت من الحزب الشيوعي.

وفي افتتاحية جريدة "ليبراسيون" كتب لوران جوفران، رئيس التحرير:"سيكون لقاء "حفلة زينيت" أول تجمع معارضة لعصر ساركوزي. فسوف يجمع كل من لا يريدون رؤية فحص الشفرة الوراثية تطبق على الأجانب ولا أن يتحول هؤلاء إلى "كوباي" للتجريب لهذه التجارب". وأشار إلى أن التجمع الذي يقاوم الحكومة يجمع السلطات الروحية والعلمية ممثلة في المدافعين عن البحوث العلمية وكذا اجتمع حوله فصائل من الديموقراطيين المسيحيين ويمين الوسط والديجوليين والاشتراكيين والجمهوريين...

وكانت الدول الأفريقية قد أعلنت استياؤها من تعديلات قانون الهجرة الفرنسي التي يمسها بشكل أساسي. وصرح الفا عمر كونريه، باسم الاتحاد الإفريقي الذي يضم 53 دولة:"بالنسبة لنا إجراء اختبار الشفرة الوراثية شيء لا نقبله لا أخلاقيا ولا ثقافيا. فمن وجهة نظرنا كأفريقيين لا يتفق أطلاقا هذا التحليل للجينيات مع تصورنا للإنسان والأسرة." وكتبت صحيفة "سولي" في دكار تدين "هذا القانون السيئ الذي يريد إجراء الفرز في قلب الأسر الأفريقية." ويقول الفيلسوف السنغالي سليمان بشير دياجن:"تطبيق هذا القانون هو استغلال ضعف المهاجرين ليفرض عليهم ما لا يمكن أن يقبل الفرنسي أن يطبق عليه"

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك