الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > المسخ الشرق أوسطي الجديد... بفلم مصطفى نور الدين

المسخ الشرق أوسطي الجديد... بفلم مصطفى نور الدين

نشر بجريدة التجمع بالقاهرة ... سيحدد التاريخ لاحقا

الأربعاء 16 كانون الثاني (يناير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

المسخ الشرق أوسطي الجديد... بفلم مصطفى نور الدين

الإنسان حيوان ناطق، سياسي، عاقل، ذو تاريخ... ؟ والإنسان
في الشرق .. إلي ما ينتمي ؟ ما يدور بالشرق يعطي الإحساس
أن التاريخ يكاد يخرج ولفترة طويلة من يد الدول التي تقطن
هذا الموقع الاستراتيجي وان القرارات كلها سيتم رسمها من
نقطة خارج الدائرة. فالتمزق يتم بمباركة لا عقلانية من أيد
غير خفية والشعوب بدأت تسير نحو مجهول الأكيد واليقيني فيه
هو استقرار الضعف الإرادي العربي إلي حين غير مسمي. هل
مازال قائما الاندهاش من عدم تدخل الولايات المتحدة لوقف
إطلاق النار ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني ؟ هل وصلت
"رسالة" إقرار موافقة إسرائيل في الحرب من الكونجرس ؟ هل
شاهدتم فشل مؤتمر روما يوم 26 يوليو وكان "جعجعة بلا طحن".
وان "رايس" نفت فاعلية أي دور دولي فالحل أمريكي 100 % عبر
حوارها مع رئيس وزراء لبنان ورئيس وزراء إسرائيل ! أي هذه
مسألتنا فلا ترهقوا أنفسكم. إن "رايس" أو الإمبراطور نيرون
لا يكف عن الحديث الحلو بينما تحترق لبنان. أمريكا المغتصب
والقابلة هل فهم ما قالته "رايس"، وزيرة الخارجية
الأمريكية، بالفم المليان: "مازلنا في مرحلة المخاض الصعب
لمولد الشرق الأوسط الجديد"؟ هل فهم أن هذا "المسخ الأوسطي
الجديد" هو ابن الولايات المتحدة وهي أيضا القابلة
(الداية) أما المغتصبة فهي الأمة العربية وليس لبنان فقط ؟
من المحتمل أن هذا لم يعد بخفي عن العمي ولا عن الطرش. فمن
لا يري سمع ومن لا يسمع شاهد. وليكن المخاض صعبا ! ولكن لا
نريد أن تلد الأمة العربية بعد كل هذا العذاب مسخا أوسطيا
تحت هيمنة إسرائيل بل نريد إجهاضا شعبيا له. أن "من ليس
معي فهو ضدي.." ! القول المأثور والأيديولوجية في السياسة
العالمية للمخلص جورج بوش في حربه ضد العراق مازال فاعلا
وعلي هداه يريد أن ترسم الملامح المقبلة للشرق كمسخ. ومن
ثم فان المعادلة الحاكمة للسياسة العربية الآن عند البعض
هي: " عدو الولايات المتحدة هو عدو العرب". وكانت أول
الثمار الانقسام الفعلي لما يمكن تسميته الآن "مفرقة"،
وليس جامعة، الدول العربية". فالعرب لم يعد يجمعهم إلا
الافتراق علي مصيرهم. فالدول العربية الكبري تعرف أين توجد
مصالحها. بينما الدول الصغيرة الفقيرة فتقاوم في أحسن
الأحوال لما تراه للان حقا شرعيا في المقاومة أو في أسؤ
الأحوال لتحسين أثمان شراء إرادتها بالاعتذار والرجوع إلي
الطريق المستقيم لتكون مع الكبار بعد إقناعها طبعا. أو أن
تصنف إذا "ركبت دماغها" كحليف احتمالي أو فعلي لمحور الشر
حسب درجة "نشوف دماغها". أن هذا الوضع شاهدنا له أمثلة
متعددة لعل أهمها كان اتفاقية "كامب دافيد" وانقسام العرب
البعض معها ومن طرف أخر "جبهة الرفض". وها هم يتفرقون مرة
أخري ولم يتمكنوا من الاتفاق علي مجرد محاولة حماية بلد من
أمتهم برفض حاسم للعدوان عليه بشكل عملي وليس بتقديم شيكات
للتعمير اللاحق. وماذا عن الضحايا ؟ هل سيعيدون لهم الحياة
أم سيضمنون لهم الفردوس ؟ وماذا عن معاناة الأطفال والنساء
؟ أين ذهبت النخوة العربية ؟ إن شرق أوسط جديد بمنظور
أمريكي- إسرائيلي يعني تفتيت المجتمعات العربية وتحولها
إلي أحزاب ومحاور متنافرة من ناحية. وتمزيق النسيج
الاجتماعي لكل بلد إلي مكونات دينية وقبلية وعرقية من
ناحية ثانية. وكل من الوجهين بدأ تحقيقه فعليا منذ سنوات
وما بقي هو تحويل هذه الأوضاع إلي شكلها المؤسسي في العراق
والسودان وفي لبنان منذ اغتيال رفيق الحريري. أكثر ما يثير
الدهشة هو استغراب بعض المحللين والسياسيين العرب من
الموقف الأمريكي من اعتداءات إسرائيل علي كل من لبنان
والفلسطينيين. فهل أصحاب القلم والسياسيين لا يقرؤون ما
تعلنه أمريكا من استراتيجيات مستقبلية للمنطقة وللعالم ؟
هل لا يقرؤون ما بين السطور وما لم يكف محللين وسياسيين
آخرين من التنبيه إليه من مخطط مبرمج للمنطقة وكان سافرا
مع اندلاع حرب العراق الثانية ؟ إنها ليست مؤامرة إنها
إستراتيجية. فالمؤامرة تحدث في الخفاء والإستراتيجية
معلنة. وهي معلنة. لقد توصلت ورشة عمل "ناشونال انتلجينس
كونسي" في مارس 2004 لاستطلاع مستقبل الشرق الأوسط حتي عام
2020 ووضعت سيناريوهات لتطور الأوضاع للدول العربية : أولا
" هناك احتمال لتفتت الدول العربية في السنوات المقبلة
بسبب صراعات بين دول المنطقة وصراعات داخل الدول ذاتها...
فإذا فشلت التدخلات الأمريكية في المنطقة في حربها ضد
الإرهاب وبالتالي لم تحقيق سلام دائم فان ذلك سيصب وقودا
إضافيا علي الصراعات والانقسامات الداخلية ويؤدي إلي
كارثة. وإن كان ذلك احتمال غير متصور فلا يمكن استبعاده...
والبديل الأكثر احتمالا يتمثل في تشكل مناطق مستقلة كل
منطقة تضم مجموعة من الدول. وخطورة هذا الاحتمال هو
إمكانية ظهور بعض المتطرفين الذين يرفضون السير في رحاب
السياسة السائدة لأجهزة الدولة." وأخيرا الحل الأفضل هو: "
ظهور رجل دولة جديد يقبله الجميع بما في ذلك إسرائيل
ويستطيع أن يلم شمل الدول العربية في وحدة وفي إطار سياسة
سلمية.. ولكن لا يوجد هذا الرجل بعد." ! أن هذه الحرب
بالذات أظهرت بعض من النوايا أو باطن الاستراتيجية
الأمريكية بل مما هو معلن وجاري تنفيذه وما سيلحق كخطوات
ويمكن القول أن ما يحدث يتم بتأثير عوامل خارجية وداخلية
كخليط من مجموعة هذه التصورات. بقي أن نخمن هل توصلوا إلي
صنع زعيم يلم شمل العرب وترضي عنه إسرائيل ومن هو ؟ لقد
ساد استغراب من راهنوا علي الصداقة العميقة مع الولايات
المتحدة التي منحتهم الدور الأول في المطالبة بخروج القوات
السورية ليكون القرار السياسي بيدهم. وبرغم القبلات بين
"رايس" وسعد الحريري، في كل لقاء، لم يخف اندهاشه من
الموقف الأمريكي ورفضه بوقف إطلاق النار ! فهل ازداد
اندهاشه بعد تصريحه بذلك بساعات عندما ضربت إسرائيل شبكة
التلفزيون التي تملكها أسرته ؟ وعندما صرح وزير الدفاع
اللبناني بأن الجيش سيشارك في المعركة لو توغلت إسرائيل في
لبنان ضربت اسرائيل مبني وزارة الدفاع اللبناني بعد ساعات
ونفي رئيس الوزراء اللبناني أي تدخل للجيش في الحرب !!
ولعل الحل السياسي الذي تسعي له الولايات المتحدة تكشفه
الضربات العسكرية الإسرائيلية. أي من الذي لا تستهدفه
الضربات برغم شمولها لعشرات من المدن اللبنانية. وبوضوح من
يتم عدم ضرب مدنه وممتلكاته هم الذين أدانوا صراحة حزب
الله. أي الحريري وجمبلاط وجعجع والجميل. وهذا في حد ذاته
كاف لفهم الخريطة السياسية التي يتم تنفيذها عبر ممثل هذا
التيار الذي يعرف بتيار المستقبل. الفتنة أشد من القتل
وإذا كان رئيس وزراء العرق حذر لما يحدث ضد حزب الله في
لبنان علي العراق وطالب بوقف إطلاق النار.. فهل يفهم أحد
المعني من ذلك أو لا يريد الجميع أن يفهموا أن الوجود
الشيعي في لبنان وجود جوهري كجزء من مكونات الشعب اللبناني
ولا يمكن التعامل معه كما تعاملت إسرائيل مع منظمة التحرير
الفلسطينية عام 1982 بإخراجها من بيروت. فلن نسطع قوة ما
إفناء جزأ من الشعب ولن يقبل مجمل الشعب اللبناني الهزيمة.
ومن ناحية أخري فهو يعني أن ضرب "حزب الله" له أصدأ لدي
شيعة العراق التي تحاول الولايات المتحدة المحافظة بها علي
مصالحها في العراق والمنطقة. وكذا سيكون له أثره علي
إيران. وبرغم الاختلافات السياسية من حزب الله من الغالبية
السياسية اللبنانية إلا أنها ليست من الغباء في اللحظة
الراهنة لطعن المقاومة في الظهر و إلا أصبح ذلك انتحارها
السياسي. وتزداد صعوبة ذلك في أن حليف هذه الأحزاب من
الغرب وخاصة الولايات المتحدة لم تلبي ندائها بالمطالبة
بوقف إطلاق النار. فهذه الخيانة التي راهنت عليه أمريكا لن
تحدث برغم اللقاء المتميز الذي خصت به "رايس" هذه الأحزاب
"لأكل العيش والملح" معا في السفارة الأمريكية في الوقت
الذي تواصل فيه إسرائيل ضربها للشعب بالطائرات والدبابات
والصواريخ. وربما كان غريبا علي هؤلاء الضيوف تناول ما لذ
من أطعمة مع "قائدة العمليات العسكرية" التي ترفض وقف
إطلاق النار علي شعبهم وتشريد أكثر من 700 ألف مواطن وقتل
نحو 400 وآلاف من الجرحي وتحطيم نصف لبنانهم ! وليس بغريب
في ظل هذه الأزمة عدم المشاركة في هذا "الغذاء الأخير" لكل
من السنيورة، رئيس الوزراء، ولا "لحود" رئيس الجمهورية،
ولا "نبيل بري" رئيس مجلس النواب. فالأول يتلقي الأوامر من
الحريري ولحود مغضوب عليه من الولايات المتحدة وتيار
المستقبل وبري يشارك رجاله من "حزب أمل" في المعركة بجانب
"حزب الله". فنبيل بري يقول صراحة لو أن حزب الله كان قبل
ما تريد فرضه الإدارة الأمريكية لرفضها هو ليس فقط باسم
"حزب أمل" وإنما باسم الشعب اللبناني كله. فالحرب ليست من
اجل جنديين بل هي حرب أمريكية موجهة بشكل غير مباشر لسوريا ولإيران ولا يستبعد أن تتحول لحرب إقليمية أن لم تتدخل
الدول العربية الكبري والمجتمع الدولي. وان لبنان تحطمها
إسرائيل لأنها تري فيها المنافس الاقتصادي والمالي في
المنطقة. وأهم من ذلك أنه مجتمع يرسخ فيه المستقبل
الديمقراطي الذي يتعايش فيه الشعب بطوائفه السبعة عشر. أي
النموذج النافي للمجتمع الأحادي الديانة الذي تتبناه
إسرائيل. أين مضحك السلطان ؟ في التكتيك ما يسمي باللحظة
الراهنة وكيفية التعامل معها. بالتأكيد هناك "خطوة إلي
الأمام وخطوتين للخلف". ولكن ما هو أهم أن هناك "خطوة إلي
الأمام وقفزة أبعد". وبرغم أن الدول العربية في مرحلة جزر
قومي فإن ذلك لا ينفي أنها تمتلك أوراقا عظيمة التأثير لو
كانت لديها إرادة استخدمها. فإن اللحظة الراهنة التي لن
تتكرر كثيرا في الأجل القصير. والعبقرية هي أن تحول هذه
اللحظة إلي خطوة قطعت للإمام. حقا لقد حدثت برغمها وبغير
قرار منها، وأنها، برغم ذلك، فرصة نادرة لتحولها لقفزة لحل
كل المشاكل التي تراكمت منذ عشرات السنين. فنحن بحاجة إلي
"مضحك السلطان" الذي يجمع في شخصيته بين الجنون والحكمة
مما يسمح له بتجاوز المسموح به في طرق الأمور مع الحاكم.
فهل ينقص من بين كبار المستشارين من تنقصه رؤية "داهية"
وعبقرية معاوية وينصح سادته نصيحة ربما قد تنقص من "علاوته
السنوية" ولكن لن يدفع فيها حياته. هل لو همس "مضحك
السلطان" في أذان أصحاب السمو: " يا أصحاب السلطان، لا
تؤاخذوني وأنصتوا لي وانسوا لو زل لساني فما أريد إلا علاء
شئنكم بين الرعية وفي أعين العالم. لقد زودتم الغرب
بالبترول ووضعتم في بنوكه العوائد الطائلة واستثمرتم
بلايين الدولارات في شركاته و اشتريتم منه كل شيء من لعب
الأطفال إلي السلع التكنولوجية المتقدمة وأكثر الأسلحة
تقدما وأرسلنا ملايين من لدينا كسائحين وأصحاب أعمال...
وحضروا يستثمرون في أرضنا بتسهيلات وجعلتموهم يحضرون
بعسكرهم وعتادهم وأسلحتهم إلي أرض بلادنا بدون تأشيرات
دخول ولا استئذان وكأنهم في بلادهم... يعني أنتم أصحاب ؟
ألا يحق لكم أن تطلبوا من أصدقائكم الكف عن العربدة والقتل
وإصرارهم كما تجسد في مؤتمر روما أن يحلوا مشاكلكم وكأنكم
مازلتم أطفال قصر. وان تجلسوا معا جلسة ندماء وتدعون كل
الدول الغربية والدول العربية التي احتلت أرضها وتصفوا كل
مشاكل الشعوب ليعيش الناس ما تبقي لهم من حياة قصيرة علي
هذه الأرض في سلام وأمان. وأن ننهي الحروب والمجاعات وتمرح
الشعوب قليلا قبل أن تأتي ساعتها الأكيدة. وإذا استحال
التفاهم فبدلا من انتظار أن يحضر الموت ليسقط علينا أذلة
نذهب نحن إليه بعزة وكرامة" ربما ينزل وحي بشكل استثنائي
علي هؤلاء العظام ويدركوا أن لديهم القوة وتنقصهم الإرادة
ويهشوا رؤوسهم قائلين : خذوا الحكمة من أفواه المجانين.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك