الصفحة الرئيسية > الشرق وغموض مستقبله > المأساة اللبنانية – الفلسطينية وسقوط الأقنعة... بقلم: مصطفى نور الدين

المأساة اللبنانية – الفلسطينية وسقوط الأقنعة... بقلم: مصطفى نور الدين

سيحدد التاريخ لاحقا

الأربعاء 16 كانون الثاني (يناير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

المأساة اللبنانية – الفلسطينية وسقوط الأقنعة... بقلم: مصطفى نور الدين


في أواخر سبعينات القرن العشرين وفي جامعة مونبليه، بجنوب فرنسا، كان الأستاذ "أندريه تيانو" يثير غضبنا نحن الطلاب العرب، من بلدان المشرق والمغرب، أثناء التحضير للدكتوراه في الاقتصاد. كان "تيانو" يقول :"لا توجد امة عربية ولا قومية عربية ولا أي وحدة ممكنة بين هذه البلدان التي يتكلم كل منها لغة لا يفهمها سكان البلدان الأخرى. وإذا تفاهم بعض الصفوة فان لا اتفاق يحدث بينهم في أي أمر" فهم قبائل وبطون وعشائر وعروق ومصالح متناقضة. وكان الموقف العربي الموحد إبان حرب 1973 دليلا لنا على عدم صحة ما يقوله. ونقول فيما بيننا انه من بقايا الإمبريالية ولم يستوعب عظمة حركة التحرر الوطني وثوريتها وإمكانيات عودة الوحدة العربية التي أجهضت مع حرب 1967.

من الأكيد أن بروفيسور "تيانو" لم تعد به الآن حاجة لطرق الموضوع أصلا لان القضية اختفت ولم يعد تطرح الفكرة رسميا حتى "كوهم احتمالي". فلم يعد الاعتداء على دولة عربية اعتداء على "الوطن العربي". وجاء "لا" بيان وزراء الخارجية العرب بالقاهرة ليكشف القناع عما كانت تخفيه هذه الاجتماعات الرفيعة المستوى من بؤس عربي وانعدام إرادة و انعدام انشغال بالقضايا العربية منذ زمن طويل وتحويل الملفات إلى المجتمع الدولي لتقرر فيها الاستراتيجية الغربية ما تراه مناسبا لمصالحها.

ولقد وصلت المأساة بالخطاب العربي إلى درجة إدانة حركة ما لإيقاظ الضمير العربي والعالمي حول مأساتها التي لا ينشغل بها أحد وتتهم "بالمقاومة" ! فنحن في زمن الخنوع.. الخضوع.. التنازل ليستقر إنتاج البترول لعدم تعريض الغرب للمخاطر والحفاظ على استقرار سعر الدولار لاستقرار التبادل التجاري ولتأتي أفواج السياح. أما الأرض المحتلة ومعسكرات اللاجئين وتذبيح الشعوب بصواريخ "الصديق" الإسرائيلي المدعوم بالحليف الأمريكي لتنفيذ استراتيجيته فجزائهم في المستقبل البعيد لصبرهم على البلاء.

إذن قضي الأمر الذي كنتم فيه تختلفون. وانكشفت أوراق اللعبة وأعلن رسميا عن قواعد الخروج منها والدخول فيها وعرفت غايتها. فهل على الشعوب العربية البصم لقبول "اللا إرادة" العربية الرسمية؟ وهل كان من المستحيل أن يكون القرار العربي صوريا كمجرد غطاء نفسي للشعبين الفلسطيني واللبناني ليموتا ذبحا بالصواريخ الإسرائيلية ولديهم بريق من الأمل ؟ فإيران هي التي ترفع الشعار البديل بان الاعتداء على سوريا اعتداء على إيران وعلى العالم الإسلامي.. عجبي !

إن ما يخيف الدول العربية ليس إسرائيل ولكن كلمة مقاومة. فالدول كفت عن مجرد ذكر حق مقاومة الاحتلال واستبدلت اللفظ بالإرهاب لكل من يقاوم. وليس تاريخ كراهية المقاومة مرتبطا بتفجيرات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة. فهي منذ سبتمبر الأسود في الأردن وفي الحرب الأهلية في لبنان ثم مع اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 وإخراج المقاومة الفلسطينية ثم كانت في حصار عرفات رام الله. ولم تكن المقاومة حتى ذلك الوقت "إسلامية". ثم تواصلت مع معادة حماس وإعادة حصار غزة لتفي أي وهم في دولة فلسطينية.

سقوط قناع "يهوذا"

وسقوط قناع أخر.. "فالصديق" الإسرائيلي لم يكف عن إظهار انشغاله باستقلال لبنان وضرورة طرد السوريين ليحقق حريته واستقلال قراره بتطبيق قرارات الأمم المتحدة "الغربية". وها هي إسرائيل مازالت تنشغل بمصير لبنان وتجاهد وحدها في الساحة حربيا بكل أسلحتها الفتاكة لتخليص لبنان من النفوذ الإيراني وبقايا النفوذ السوري الذي يجسده حزب الله الذي اجمع المجتمع الغربي على أدراجه بين اخطر التنظيمات الإرهابية !

وليس بخفي أن ضرب لبنان يهدف إلى تفكيك الجبهة الداخلية اللبنانية ودفعها للغضب على حزب الله الذي تصور أن الرد سيكون ضده فقط فجاء تطبيقا لاستراتيجية أوسع.

فتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1559 هو هدف إسرائيل والمجتمع الدولي والمتحالفين من الدول العربية. وكأن إسرائيل أصبحت أداة لتنفيذ قرارات مجلس الأمن الذي لم تحترم يوما منذ وجدت أيا من قراراته بشان القضية الفلسطينية.

بل أن إسرائيل قد سويت بين حزب الله وتنظيم القاعدة مثلما قالت بالأمس القريب عن منظمة التحرير الفلسطينية. وها هو فضل الله يلحق بعرفات في الحصول على لقب بن لادن.. وبعد أيام سيصبح "هتلر" العرب !

وما كشف بوضوح للنخبة الذكية القريبة من أمريكا إذا فهمت هو أن الصديق الأمريكي وحلفائه في المنطقة وإسرائيل والغرب يتكلمون لغة واضحة تنفي جذريا كل "الادعاءات" التي قالتها عن لبنان وحريته وتحريره من الأجانب. فها هو العالم كله صاحب مبادئ حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية يكشف للمرة الألف القناع عن وجهه الحقيقي. وجه لا يحمل ذرة من الأهمية لأي بلد في الشرق إلا انطلاقا من مصالحه الاستراتيجية من البترول إلى إسرائيل والنظم المتعاونة معه لتنفيذ هذه الاستراتيجية. لا عناء في استنتاج ذلك فهو مخطوط "اسود على ابيض" في التقارير وتحمله موجات الأثير في موازاة مع الصواريخ والقنابل على لبنان وفلسطين.

واستنتج البعض أن عدم مساندة لبنان من الدول العربية والغربية مرجعه لشبح إيران وراء عملية حزب الله. بل بأنه جزء من استراتيجيتها في مواجهاتها للضغوط الغربية وما يمكن أن تثيره في المنطقة من قلاقل لو حدث اعتداء عليها. ومن ناحية أخرى فالتحليلات في الصحف الغربية تركز على أن الحرب الدائرة في لبنان وفي غزة هي حرب بين الولايات المتحدة وإيران وان إسرائيل هي الأداة.

وآيا كانت الاحتمالات وراء تنسيق ما لقوى المقاومة التي تتعرض للهجوم عليها في لبنان وفلسطين فان هذه الأطروحة كاذبة في جزء كبير. فالسؤال الذي لم يطرحه العرب على أنفسهم هو : ألا تتهجم إسرائيل طوال تاريخها على البلدان الأخرى وعلى الفلسطينيين حين تشاء وأين تشاء ودون إنذار ولا تلتزم بأي قرار دولي ؟ فلم تكن إسرائيل بحاجة لشن حروبها جميعا بسبب تهديد إرهابي وإنما من اجل التوسع لتحقيق كامل مشروعها الصهيوني.

سقوط قناع "البتاع ده"
كشف الموقف العربي عن حقيقة رفع يده عن شؤون الشعوب العربية إلا من خلال المنظور الأمريكي والغربي والإسرائيلي. فالكلمات لا تورية فيها والصراحة نادرا ما عبر عنها كما في هذه الأزمة. فالصمت طوال سنين والذي كان يعكس الرضا عما تنفذه الاستراتيجية الغربية تحول اليوم إلى "دستور" على كل حركات المقاومة أن تستوعبه وهو لا مقاومة ولكن قبول "خارطة الطريق" الأمريكية أي قبول ما تمليه الولايات المتحدة من استراتيجية "شرق أوسط كبير" منزوع السلاح من طرف واحد لعدم الاعتداء على إسرائيل التي تملك وحدها حق "الدفاع" عن نفسها أي حق العدوان.

فالنظام الدولي برمته بما فيه الدول العربية الكبرى تتفق كلية على موقف استراتيجي محدد لتطبيق قوانين المجتمع الدولي الرامية لتدجين الشعوب العربية.

وكانت الكلمات الحزينة لعمرو موسى عن "موت عملية السلام" دليلا على سقوط قناع أخر هو القناع الغربي وإعطاء الوهم منذ 50 سنة بأن قضايا العرب تشغله.

لقد أعطت الولايات المتحدة في الأمم المتحدة إسرائيل التصريح دون أي خفاء بحقها "بالدفاع عن نفسها" وعدم مطالبتها بوقف إطلاق النار. ولا تخفي تحليلات الصحف الغربية بما فيها الأمريكية أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تتم الآن على الأرض اللبنانية. ومن اجل تحقيق هذه الاستراتيجية لا تتوارى إسرائيل عن إرجاع لبنان 50 سنة للخلف بحسب التصريحات الرسمية وهو ما يضاهي تصريحات أمريكية في حربها الثانية ضد العراق بإرجاع العراق إلى العصر الحجري. وهو ما قد تم بمباركة عربية.

وعلى الصعيد الأوربي صرحت السيدة ميركل بان "الاعتداء لم تبدؤه إسرائيل ولكن حزب الله". أما توني بلير "فتمنت حكومته أن يكون رد إسرائيل متناسبا مع الحدث". وكانت الإدانة الأكثر حدة من "الفاتيكان" الذي أعلن عن أسفه من الاعتداء على دولة ذات سيادة عان شعبها الكثير من اجل استقلاله". وكذا أعلن الاتحاد الأوربي "بأنه من غير المبرر محاصرة لبنان برا وبحرا وبأنه مخالف للقوانين الدولية."

وبرغم أن منظمة حقوق الإنسان الفرنسية طالبت يوم 8 يوليو من الحكومة الفرنسية إدانة ما تقوم به إسرائيل في غزة من انتهاكات فان الحكومة الفرنسية لم تصدر إلا بيانا توازنيا يطالب بالإفراج على الجندي الإسرائيلي الأسير وان تكف إسرائيل عن تحطيم البنية التحتية في قطاع غزة. إذ جاءت النصيحة من سفير فرنسا في إسرائيل لباريس وهي "أن تكف عن الكلام عن الفلسطينيين لإرضاء كل من أمريكا وإسرائيل".

أما عن لبنان ففرنسا التي شغلتها المسألة اللبنانية خاصة بعد اغتيال رفيق الحريري ولاحت المسألة كأنها مسألة فرنسية وليست لبنانية فإن موقفها الرسمي من العدوان الإسرائيلي على لبنان كان كاشفا عن أكذوبة الانشغال بلبنان. فهو يتم في إطار الاستراتيجية الغربية التي وضعتها مع الولايات المتحدة باستصدار قرار مجلس الأمن رقم 1559 لطرد السوريين وتجريد المقاومة من سلاحها. وقد استمر ذات الموقف من الدول الثمانية الكبرى ولم يستطع "جاك شيراك" جمع الموافقة على المطالبة بوقف إطلاق النار. وكان إرسال رئيس الوزراء الفرنسي ووزير الخارجية يدور في نفس الإطار بجانب تقديم المساعدات الإنسانية !

ومن الضروري الإشارة أن هناك توزيع ادوار بين الدول الكبرى. ففي حين فرغ صبر الولايات المتحدة من حكومة لبنان لأنها لا تسعى جديا أو ليس لديها القدرة على تجريد حزب الله من أسلحته فأنها أعطت هذه المهمة لإسرائيل لتنفذها مع أول فرصة متاحة وكان أسر الجنديين الإسرائيليين الفرصة التي لا يجب تركها تمر خاصة لأنه مات في العملية 8 جنود إسرائيليين.

ففرنسا تظل تاريخيا الطرف الذي يزرف دموع التماسيح على ما يحدث بلبنان دون أن يدين في أي لحظة إسرائيل. أي يمسك العصا من الوسط لتظل هناك واحدة من القوى العظمى ممسكة بطرف من الخيط للعب دور الوسيط. وهو نفس الموقف لكل من روسيا وايطاليا.

وفي مهد "الحرية والمساواة والإخاء وحقوق الإنسان" يتعرى التوجه العام للصحافة الفرنسية، باستثناء الصحافة اليسارية، بالتعرض لما يدور في الشرق الأوسط باعتباره معارك وصراع وعمليات عسكرية بين حزب الله وحماس وإسرائيل وليس عدوانا إسرائيليا على فلسطين ولبنان.

إن ترحيل مئات الآلاف من الغربيين من لبنان أظهر بدقة معرفة الدول الغربية بأن الحرب لن تتوقف على الفور. إذ من ناحية لن يتراجع حزب الله عن موقفه ولن يسلم سلاحه إلا مضطرا ومن ناحية أخرى فان الهدف غير المعلن من الحرب من طرف إسرائيل لم يكتمل بعد. أي احتمال إدراج سوريا وإيران في جدول الحرب أو على الأقل لابد أن تكون الضربة قاضية لحزب الله ليكون الدرس واضحا لإيران وما ينسب إليها من تدخل في العراق بجانب مشروعها النووي بطبيعة الحال.

والنتيجة المنطقية هي إذا كان العرب قد ضحوا بالعراق على مذبح الغرب فلما لا يضحوا بلبنان وهي اقل أهمية في مواجهة لن تأتي مع العدو الذي يتحول كل يوم إلى صديق بقبلات "يهوذا" التي تسر البعض وتتحول بعد ساعات إلى أنياب ومخالب تواصل تمزيق الجسد العربي الرافض للتخلي عن حقوقه.

لقد أطلق الجنرال ديجول على الأمم المتحدة عام 1945 اسم "البتاع ده" le machin ليعبر عن عدم فاعليتها في القرار العالمي. ولم تكشف الأمم المتحدة طوال تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي إلا عن هذا العجز الذي عبر عنه عمرو موسى بدوره وجسده مجلس الأمن برفض تبني قرار إدانة للعدوان الإسرائيلي على غزة أو على لبنان كدولة ذات سيادة ولا حتى قرار يطالب بوقف إطلاق النار على أي من الشعبين. ولم تقدم الأمم المتحدة أي إدانات لإسرائيل لا لخطف الفلسطينيين بما فيهم الوزراء وأعضاء البرلمان الفلسطيني ولا للقتل شبه اليومي للقيادات الفلسطينية. ولا عجب في ذلك فمثل هذا مثل الحرب الأمريكية الإجرامية ضد العراق التي كانت أيضا بمباركة من نفس "البتاع ده"

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك