الصفحة الرئيسية > على الهامش.. دراسات ومقالات للتحميل > كل شئ هادئ في فرنسا ! .. مصطفى نور الدين

كل شئ هادئ في فرنسا ! .. مصطفى نور الدين

مجلة الديمقراطية .. عدد شهر أغسطس ٢٠١٧ .. القاهرة

الثلاثاء 1 آب (أغسطس) 2017, بقلم مصطفى نور الدين عطية

جسدت الانتخابات الرئاسية في فرنسا في مايو ٢٠١٧ حجم التحولات الجذرية التي كانت تختمر منذ عقود كنتيجة لسياسات النظام الرأسمالي التي اتسمت بالعقم بعدم مقدرتها على إحداث تحولات كيفية لا اقتصاديا ولا اجتماعيا سواء في ظل الأحزاب اليمينية أو الحزب الاشتراكي. وقبل تناول تفاصيل الوضع الفرنسي الراهن والآفاق المحتملة نوجز نتيجة الدورة الثانية للانتخابات وكيفية تفسيرها اجتماعيا وسياسيا.
بحسب وزارة الداخلية الفرنسية كان عدد المسجلين في قوائم الانتخابات ٤٧ مليون و٤٤٩ ألف مواطن. ومن قاموا بالإدلاء بأصواتهم ٣٥ مليون و٤٠٨ ألف مواطن ومن بين هؤلاء لم تحسب أصوات نحو ٤ مليون إذ قاموا بوضع بطاقة بيضاء أو باطلة في الصندوق. وبلغ عدد من قاطعوا الانتخابات ١٢ مليون مواطن. بمعنى أخر فقد قاطع بشكل اجابي أو سلبي أكثر من ١٦ مليون مواطنا إما لرفضهم لكل من المرشحين أو لتقديرهم أن هذا النظام الديمقراطي التمثيلي ليس أفضل أشكال الديمقراطية.
وجاءت النتيجة بحصول ماكرون على ٦٦.١ ٪‏ من الأصوات أي ٢٠مليون و٧٠٣ صوتا. بمعنى أدق أن من يمكن اعتبارهم اتباع ماكرون حقا هم من أعطوه أصواتهم في المرحلة الأولى من الانتخابات أي ٨.٦ مليون مواطن. ومن لحق به في المرحلة الثانية هم من الأحزاب الأخرى ليحولوا دون وصول اليمين المتطرف للسلطة.
وحصلت المنافسة "مارين لوبن" على ٣٣.٩ ٪‏ من الأصوات أي ١٠ مليون و٦٣٧ صوتا.
تلك السطور محاولة لقياس عمق تلك التحولات وخلفياتها الممتدة منذ ٣ عقود من الزمن وبشكل أكثر في السنوات الراهنة.
فالانتخابات الرئاسية والاقليمية، لاختيار عمد المدن والقرى، وكذا الانتخابات البرلمانية هي « ترمومتر » لقياس ردود فعل تعكس تغيرات في التوجهات السياسية. هذه التغيرات هي نتاج لسياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية مارستها الحكومات المختلفة التي شكلتها أحزاب « مختلفة ايديولوجيا » ولكن في الواقع الاختلاف فيما بينها في الدرجة وليس في الكيف فحينما تستقر في السلطة لا تحيد عن السياسات الليبرالية الاقتصادية بأية حال.
فنحن أمام عدة ظواهر جديدة في المشهد السياسي. أولها تمثل في فقدان الثقة في الحزبين الكبيرين (حزب اليمين التقليدي والحزب الاشتراكي) وليس واضحا كيف يمكن لأي من الحزبين العودة للساحة السياسية بعد أن قضي عليهما تماما. ثانيا، الصعود الهائل لليمين المتطرف العنصري. ثالثا، ظاهرة الالتفاف حول حزب جديد يعلن أن هويته لا يمنية ولا يسارية.
ولأنه لا يوجد حزب سياسي بدون فكر يتبناه كمحور للتباين عن غيره ويشكل قاعدته التي يدافع عنها في كل نواحي المجتمع وسمات هذا الفكر لها أهميتها غير أن الواقع الملموس اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا هو الدالة التي توضح أسباب الانتماء لهذا الحزب أو ذاك ولذلك نتعرض لبعض التفاصيل عن توزع المواطنين على اليمين المتطرف وحزب "الجمهورية سائرة" حسبما أطلق عليه الرئيس "ماكرون" أخيرا.
وقد كشفت الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠١٧ بشكل كبير أن هذه الاختيارات طبقية بامتياز ويحاول البعض نفي أنها أيديولوجية وكأن هناك انفصال بين ما هو طبقي وما هو ايديولوجي. فنظرة على المناطق الجغرافية التي حقق كل حزب فيها أعلى معدلات نجاحه وكذا عن مستوى درجة التعليم والدخل والفرق بين المدن الكبرى والقرى والمدن الصغرى تظهر هذا التداخل بين ما هو طبقي وما هو أيديولوجي في الانتماء السياسي لهذا الحزب أو ذاك.
حقق حزب الجبهة الوطنية، اليميني المتطرف، توسعا هائلا في عدد من أدلوا بأصواتهم لرئيسته، مارين لوبن، ليتجاوز ١٠ مليون مواطنا. أي شكل هؤلاء نحو ربع عدد المسجلين في قوائم الانتخابات البالغ عددهم نحو ٤٧ مليون مواطن (يصل عدد السكان في ٢٠١٦ إلى نحو ٦٧ مليون).
وتعتبر تلك القفزة ضعف ما حققها "جان ماري لوبن" حينما كان رئيسا للحزب والمنافس للديجولي "جاك شيراك"، في ٢٠٠٢ بعد خروج ممثل الحزب الاشتراكي، "ليونيل جوسبان"، من تصفية الدورة الثانية.
ومن تحليل المعطيات نلحظ أن اليمين المتطرف حقق أعلى قفزاته في المناطق الفقيرة والريفية والأقل عددا من حيث السكان. فقد وصلت نسبة من منحوا أصواتهم للجبهة الوطنية من أجمالي الأصوات إلى أكثر من ٤٤ ٪‏ في المناطق التي لم يصل عدد سكانها إلى ٥٠٠ ساكن ونحو ٤٠ ٪‏ للمناطق المأهولة بنحو ٢٥٠٠ ساكن. وهكذا بالتدريج لتنخفض إلى ما يقرب من ٢٣ ٪‏ في المدن الكبرى التي يسكنها مائة ألف ساكن أو أكثر.
وبشكل مناظر فإنه كلما كانت المنطقة الجغرافية ثرية تنخفض فيها نسبة تقدم الجبهة الوطنية والعكس صحيح. ففي المناطق الثرية جدا نجحت الجبهة الوطنية في حصد نسبة ٣٠ ٪‏ فقط بينما بلغت تلك النسبة ٤٣ ٪‏ في المناطق الفقيرة و٣٧ ٪‏ في المناطق شديدة الفقر بالتأكيد لارتفاع نسبة الذين لم يشاركوا في التصويت لتدني الحالة التعليمية أو لعدم اهتمامهم بالشأن العام أو لتقديرهم أن ذلك لن يغير من الحال أو من كل ذلك معا.
أي أنه بشكل عام كلما كانت المنطقة أو المدينة حضرية قل تقدم الجبهة الوطنية ففي باريس مثلا كانت نسبة من منحوا أصواتهم لهذا الحزب ٩.٨ ٪‏ فقط بينما في المنطقة الأدنى حضرية "لوكلوز" فبلغت النسبة ٨٠ ٪‏ لصالح اليمين المتطرف.
وفي دراسات متعددة أتضح أن أكثر من ٦٤ ٪‏ من العمال الفقراء يمنحون أصواتهم لليمين المتطرف وهي ظاهرة تتكرر منذ سنوات نظرا لما لمسوه من سياسات الحزب الاشتراكي الذي تداول السلطة مرات عديدة ولم تتحسن أحوالهم فانفضوا عنه وكذلك انفضوا عن الأحزاب الأكثر راديكالية لعلمهم أنها لن تصل أبدا للسلطة.
وتوصلت بعض دراسات استطلاع الرأي إلى أن الكوادر الذين يميلون لمنح أصواتهم لليمين المتطرف أقل ١٣٪‏ بينما إمانويل ماكرون فيميل إليه ٣٣ ٪‏. وأن العمال يميلون إلى اليمين المتطرف بنسبة ٤٠ ٪‏ وبنسبة ١٣ ٪‏ إلى "ماكرون". وفيما يخص فئات العمر بين (١٨-٣٤ سنة) فنسبة ٢٦ ٪‏ تميل لليمين المتطرف و٢٢ ٪‏ إلى ماكرون.
غير أن المدهش في نتائج الانتخابات هو انخفاض عدد من منحوا أصواتهم لليمين المتطرف من المناطق التي تتميز بعدد مهاجرين كبير. أي أنه برغم التلويح الدائم في برامج اليمين المتطرف، منذ عقود، عن مخاطر الهجرة على الثقافة والخصوصية الفرنسية وكسبب في ارتفاع عدد العاطلين عن العمل فإن أعلى معدلات حصل عليها الحزب هي تلك تنخفض فيها أعداد المهاجرين عن المعدل الوطني. وتلك الظاهرة هي تأكيد لما سبق عرضه في السطور السابقة. فالمناطق الريفية التي لا توجد بها أعداد كبيرة خصت اليمين المتطرف بأعلى نسبة من الأصوات. وعلى النقيض المناطق الحضرية التي يتركز فيها نحو ٨٠ ٪‏ من المهاجرين كانت الأصوات التي حصدها اليمين المتطرف أدنى على بشكل كبير مع إستثاء لبعض المدن التي شكلت قواعد للحزب من عشرات السنين.

لماذا يمنح الفرنسيون أصواتهم للجبة الوطنية المتطرفة ؟

وهنا يحق طرح السؤال خلف هذه الظاهرة وفي عدد من الدراسات والكتب لباحثين في الجغرافيا والأبحاث الاجتماعية نجد الإجابة بشكل واضح.
فالتأكيد في تلك الدراسات يظهر أنه توجد "فرنسا المركز" أي المدن الحضرية و"فرنسا الهوامش أو الأطراف" أي المناطق الريفية. هذه التسمية تكاد تكون اقتباس من الاستخدام الذي استعمله سمير أمين في سبعينيات القرن الماضي عن المركز والهوامش ليعني بالمركز الدول الرأسمالية المتقدمة وبالهوامش المجتمعات التابعة المتخلفة.
وقبل التعرض لتلك النقطة تلزم الإشارة إلى معدل البطالة بلغ ١٠٪‏ من السكان في سن العمل ويضرب شريحة المواطنين بين ٢٥- ٤٩ سنة. ويبلغ عدد العاطلين نحو ٣ مليون مواطن وهو ما يشهد زيادة كبيرة بالقياس بعام ١٩٨٠ حيث كان العدد نحو مليون و٢٠٠ ألف مواطن فقط شكلوا نحو ٥ ٪‏ من السكان في سن العمل كما هو الحال دوما تتحمل المرأة غالبية بين العاطلين وترتفع فقد كانت نحو ٧ ٪‏ في ١٩٨٠ واليوم ٩.٥ ٪‏.
ولتفسير أحد أسباب التوجهات في اختيار اليمين المتطرف عند العمال والمواطنين من ذوي التعليم المتدني أو بدون شهادات نشير أن نسبة البطالة تضربهم أكثر من أي فئة اجتماعية أخرى. فهذه الفئات نسبة البطالة بينها تصل إلى نحو ١٦.٨ ٪‏ طبقا لمعطيات ٢٠١٥ في حين أن نسبة البطالة لدى الكادر هي ٤ ٪‏ فقط.
وكما سبق كانت من الظواهر الهامة هو اتجاه الفقراء لمنح أصواتهم لليمين المتطرف. ويعرف الفقر في الاتحاد الأوربي في فئتين قياسا بأقل من دخل شهري يقدر بألف يورو. الفئة الأولى من الفقراء هم الذين يصل دخلهم إلى ٦٠ ٪‏ من هذا الحد المعين والفئة الثانية التي يبلغ دخلها نصف المبلغ مع ضرورة الإشارة إلى أن الحد الأدنى الصافي للأجور يقترب في فرنسا من ١٣٠٠ يورو.
وطبقا للمعطيات الرسمية لجهاز الإحصاءات الفرنسي في ٢٠١٤ فإن ٢.٨ مليون طفل يعيشون في أسر دخلها الشهري أقل من ألف يورو. وإذا جمعنا كل فئتي الفقراء فإن عددهم يقترب من ١٤ مليون مواطنا.
.
والدراسات الحقلية التي يقوم بها « كريستوف جيولوي » تكشف عن تزايد ظاهرة الإهمال التي يتعرض لها سكان المناطق الريفية التي يطلق عليها « فرنسا الهامشية ». وتلك الظاهرة ناجمة أساسا عن العولمة المعممة التي تركز على الحضر على حساب الريف. فكل الجهود موجهة للمراكز الحضرية عبر تركيز الكوادر للدولة وللشركات والعمالة المهاجرة للخدمات.
ويصحب ظاهرة العولمة اغلاق المصانع ونقلها إلى بلدان أخرى حيث أجر العمالة منخفضة وهو ما يترك سكان المناطق الفرنسية دون عمل. وذات الشيء يتمثل في التوسع في ذرع المحلات الكبرى « السوبر ماركت » في المدن الصغيرة وبالقرب من القرى وهو ما يتسبب في اغلاق المحلات الصغرى فيها وتحول بعض أصحابها إلى أجراء في المحلات الكبرى وفقدان الغالبية لأعمالهم. وينطبق الأمر أيضا على المدارس والمستشفيات التي تغلق وتحول تلك المناطق لصحراء سكانية لا يتمتعون برعاية الدولة المركزية. يطلق الباحث على تلك الظاهرة « التمزقات الاجتماعية » وهي في عرفه من ناحية بين المركز والأطراف ومن ناحية أخرى نتاج الهجرة المتزايدة والتي تمنح الاحساس لدى الفرنسيين « من ذوي اللون الأبيض » بأنهم يفقدون هويتهم.
.
وتلك الفكرة الأخيرة يقول بها بعض الكتاب الآخرين مثلما هو الحال في كتابات « ميشيل ويلبيك » وخاصة لدى « رينو كامو » في « الإحلال الكبير » و « تجرد الحضارة » إذ يرى نهاية الثقافة الفرنسية وحضارتها وإحلال تلك التي يحملها المهاجرين لتصبح الغالبة. هذه الفكرة تأتي نتيجة الانتخابات لتكذب صدق تأثيرها بشكل مطلق حيث كما ذكرت في السطور السابقة لم تكن هناك علاقة مباشرة بين التوجه لليمين المتطرف وكثافة تواجد المهاجرين في المدن والمناطق الفرنسية. فالأسباب تظل صالحة فيما يتعلق بتأثير العولمة وما تحدثه من هدم للبناء الاقتصادي والاجتماعي في تلك المناطق.

حول اليمين واليسار وغموض أمره !

منذ عشرات السنوات يعاد طرح التساؤل حول الاختلاف بين اليسار واليمين في ظل عالم تتحكم فيه آلية العولمة المعممة. فهل مازال خطاب اليسار مقبولا ومفهوما من المواطنين ؟ المفكر "جان كلود ميشيا" أخص المسألة بالعديد من كتاباته وأهمها « غموض أمر اليسار » و « عدونا : رأس المال ». فالكاتب يرى أننا نحيا في « مجتمع مستهلكين في النزع الأخير » يتقلص عددهم بالتدريج ليصبحوا حفنة مستهلكين هائلي الثراء ». وفي هذا المجتمع يضع اليسار قضاياه مقلوبة. فأولوياته تذهب لمسألة « الزواج للجميع » أو « إباحة الحشيش » وتشييد أوروبا أساسا سلعية بدلا من التطرق لحال العاملين المطحونين في أشغال صعبة وظروف لا إنسانية. لقد أطلقت منذ سنوات في واحدة من مقالاتي عن الحمالات الانتخابية أن اليسار يغازل "البناء التحتي للإنسان" للتعبير عن تلك التوجهات التي تبعده عن القضايا الأساسية للمواطنين. بجانب أن هذا "اليسار" انشغل بقضية التحالفات الانتخابية ولم يهتم بتطوير لغة خطابه ليتفهمه العمال البسطاء في كل القطاعات ومن كل الاجناس. وفي تقدير المفكر "آلان تورين" أن الحزب الاشتراكي هو ما قام بتفجير نفسه بسياسته الخاطئة المتتالية وخاصة التخلي عن سياسة تصنيع وقفل المصانع ونقل الصناعات إلى بلدان أخرى حيث تكلفة الانتاج أدنى وكذلك بهدف التخلص من الطبقة العاملة. فاليسار لم ينشغل بالعمال اطلاقا.

وتلك قضية يتطرق لها باستفاضة الفيلسوف "آلان باديو" الذي يرى أن الديمقراطية التمثيلية غير حقيقية إذ هي إشغال للمواطنين بتحقيق نزواتهم الفردية من كل صنف فيتصورون أن تلك هي الديمقراطية. فالمجتمع الاستهلاكي يمنح هذا الوهم.نجد تلك الفكرة أيضا لدى "هربرت ماركوزه" في كتاباته خاصة "الإنسان ذو البعد الواحد" و"إيروس والحضارة" وكذا في كتابات "جي دي بور" وخاصة في كتابه "مجتمع الفرجة" فالديمقراطية التي تروج لها الرأسمالية هي تلك الأفكار التي ترفض أن يكون للشارع السياسي كلمته في أمور الحياة وأن يترك الأمر كما هو الحال للنخبة القادرة ماديا والمهيمنة على المؤسسات والشركات الكبرى المتعددة الجنسية والاحتكارية.
وليس هناك من اندهاش من سقوط ممثل الحزب اليميني التقليدي وخروج مرشحه "فرنسوا فيون" من التصفية في الجولة الأولى فلقد شغل "فيون" رئاسة الوزارة طوال فترة حكم الرئيس "نيكولا ساركوزي" الذي لم يتمكن في ٢٠١٢ من تجديد فترة رئاسته التي تميزت بسياسات تقترب من اليمين المتطرف. يضاف لذلك تفجر قضية فساد تخص "فيون" ولم يتراجع برغم ذلك عن مواصلة حملته الانتخابية ورفض الامتثال للقضاء فظهر بصورة "شخص فوق القانون".
ماذا يحمل ماكرون لفرنسا ؟
نجاح "إيمانويل ماكرون" يثير التساؤل حول من يكون وما الفكر الذي يحمله فعليا كشخص برغم أنه كان عضوا بالحزب الاشتراكي ووزيرا للاقتصاد فإنه تقدم كمرشح لا يساري ولا يميني ! فما هذا المخلوق السياسي الجديد ؟
يرى المؤرخ "جيروم بيريه" أنه يوجد تعدد ليبرالي ولا توجد ليبرالية واحدة. وأن "ماكرون" ليبرالي كمدافع عن دولة القانون والحرية الفردية وقبول الاخر فهو يقترب من مدرسة "جون ستيوارت مل" إذ يجمع بين الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية الحديثة وبالتالي فهو يقترب من "الطريق الثالث" الذي تبناه عالم الاجتماع البريطاني "أنطوني جيدنس". "فماكرون" يتبنى فكرة الفرد الحامل لمشروع وأن الدولة هي اليد أو الآلة التي تعين الفرد على تحقيق مشروعه.
ويضاف أنه في برنامجه يضع الدولة كمستثمر بتخصيص ٥٠ مليار يورو لمشروعات كبرى.. فالدولة سوف تلعب دورا اقتصاديا هائلا أي في ظله سوف يتم انجاز ليبرالية دولة.
أما الكاتب "أليكسي فانتراي" فيرى أنه "اشتراكي اجتماعي" أو بدقه فهو "خطوة يساري نحو قبول اقتصاد السوق". فلديه المساواة الليبرالية هي حق كل شخص في التمتع بحظه ويرمي ليس لمنح فرصة للجميع ولكن لمن لا يملكون فرصة بسبب عاهة او تجريم عنصري او غيره.
وترى الباحثة "سبيراتا دومتري" أنه "ليبرالي عدالي". فهو يتكلم عن فرنسا التي يجب أن تكون حظا للجميع. وبشكل مكمل يتكلم عن منح مساعدة لأصحاب الاعمال الذين يوظفون عمالة جديدة او للمعلم الذي يقبل العمل في مدارس المناطق الصعبة اجتماعيا لكثافة تواجد المهاجرين والفقراء. وكذا هناك حرص للمساواة بين الرجل والمرأة في كل المجالات.
فجرت الانتخابات الرئاسية الاخيرة تلك القضايا لدى كثير من المفكرين ومنهم "رجيس دوبريه" الذي يرى في الرئيس الجديد نموذجا أمريكيا بينما يقول المفكر "إدجار موران" أن العقبة الأولى هي البرلمان المقبل وتشكيله وهل سيكون مواليا للرئيس أم لا والعقبة الثانية هي الرئيس نفسه وهل لديه المقدرة للوعي بمشاكل الواقع ومواجهتها بشكل جيد. بينما ترى الباحثة "مونيك بينسون – شارلو" أن الرئيس الجديد هو ملياردير. فما يحدث في فرنسا مماثلا لوصول الرئيس الامريكي "دونالد ترامب" للرئاسة وكما كان الحال في ايطاليا مع رئاسة "بيرولسكوني". ربما ليس ثريا بذات الدرجة إلا أن من يسنده ويتحدث باسمهم هم أثرياء أوروبا والشركات الكبرى فهو توجه نحو الخصخصة وانتهاء القطاع العام. فرأس المال أصبح "سلاح تدمير شامل". ويرى المفكر "ميشيل أنفوري" أن "ماكرون" هو خادم لرأس المال ولأوروبا التي تأخذ لديه الأولوية قبل فرنسا.
إن البرنامج المعلن للرئيس "إيمانويل ماكرون" يتضمن الكثير من المآخذ لعل أهمها هو دوام العلاقة الفرنسية مع حلف شمال الاطلسي ومشاركة فرنسا للدور العدواني للولايات المتحدة. وعلى صعيد السياسة الداخلية يؤخذ عليه التراجع عن مكاسب اجتماعية واقتصادية ثمرة نضال أجيال من المواطنين تتعلق بحقوق العمال. هذا التراجع يشكل مظهرا من مظاهر اليبرالية الجديدة التي تمنح أصحاب الأعمال نفوذا دون حدود لطرد العاملين.
ولكن المظهر الأكثر خطورة ويضرب الديمقراطية التمثيلية في مقتل هو ما أعلنه "ماكرون" عن الكيفية التي سوف تنفذ به الحكومة المسار الذي أعلن عنه تحت بند اعادة التكوين للنظام أو الاصلاح. إذ يعتمد في ذلك على حق الحكومة في فرض "روشتة" لوضع القوانين وتمريرها دون مناقشة في البرلمان وكذا اللجوء لما يسمى "طرح الثقة في الحكومة" لفرض القانون الذي تشاء دون اعتراض من البرلمان. تلك السياسة هي لتمرير قرارات الحكومة على البرلمان باللجوء للمادة ٣٨ من الدستور غير أن استخدامها لم يكن يتم في الماضي البعيد إلا بشكل استثنائي ولكن هذا الاستخدام تزايدت وتيرته منذ تسعينيات القرن الماضي في ظل حكومات الحزب الاشتراكي أو الحكومات اليمينية ثم تضاعف مرتين ونصف المرة استخدام هذه الآلية وبشكل ملفت في السنوات ٢٠٠٤- ٢٠١٣.
المغزى السياسي لهذه الآلية له أهمية خاصة إذ يعني تجاوز السلطة التنفيذية لكل من البرلمان ومجلس الشيوخ وفرض إرادة سياسية فوقية على الإرادة المنتخبة شعبيا. ولذا فإن هيمنة برلمان بأغلبية تابعة للرئيس إذا تم في شهر يونيو القادم يعني تمرير كل السياسات بدون معارضة.
هذه التطورات تخص مسألة الدولة الرأسمالية والديمقراطية ومستقبلها نرى تصورا مبكرا به تنبأ به المفكر « نيكوس بولنتازاس »، في حوار معه قبل شهرين من وفاته في ١٩٧٩، لتنطبق على فرنسا اليوم إذ قال : « الدولة المتسلطة » يمكن أن تتجسد في النيوليبرالية ويصحب هذا الاضمحلال للديمقراطية التمثيلية في صورتها الكلاسيكية ولكن دون أن يصل بها الحال لتتساوى مع الفاشية".
وفي النهاية كان الإحساس الذي تولد لدي منذ انتخابات ٢٠٠٢ هو أن المجتمع الفرنسي لا يمكن أن تحدث به قفزة وعي نوعي ما لم يمر بأزمة حادة وصادمة. هذه الأزمة لم تحدث في هذا التاريخ بنجاح الديجولي "جاك شيراك" ولم تحدث في ٢٠١٧ بفوز "إيمانويل ماكرون" وبالتالي سوف تستمر السياسات النيوليبرالية في ظل تشاحنات تقليدية بين القوى السياسية وتمزقات وتوافقات معتادة حتى يأتي موعد انتخابات أخرى.

تحميل المقال من أسفل

كل شئ هادئ في فرنسا ! .. مصطفى نور الدين

عرض مباشر : مجلة الديمقراطية

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك