موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > على الهامش.. دراسات ومقالات للتحميل > الحقيقة والسلطة عند ميشيل فوكو .. مصطفى نور الدين

الحقيقة والسلطة عند ميشيل فوكو .. مصطفى نور الدين

مجلة الديمقراطية .. القاهرة .. أكتوبر ٢٠١٨

الاثنين 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2018, بقلم مصطفى نور الدين عطية

هذا المقال حول مفهومي "الحقيقة والسلطة"، بحسب المفكر ميشيل فوكو Michel Foucault (١٩٢٦-١٩٨٤)، هو مجرد لمحة، موجزة، وترجمة أمينة لفكره، المتعدد الأبعاد، والمتشابك. فتلك السطور، لا هي رؤية نقدية، ولا تأويلية، بل صياغة لفكره، بداية من كتبه، وحواراته، ودروسه، ومحاضراته، ومقالاته (آلاف الصفحات). وقد أستعنت أساسا، ببعض كتابات سنواته الأخيرة، إذ شكلت تمام نضج تصوراته، فلا يمكن التطرق للمفهومين، في انفصال، عن العديد من مفاهيم أخرى، تشكل معا كلا لا يتجزأ. والغاية، هي تكوين صورة واضحة نسبيا، عن بعض أبعاد فكره المتفرد، في الثقافة الفرنسية، والذي يثير مناظرات عالمية بين كبار المفكرين.

استمر استخدام فوكو، لبعض المفاهيم، التي درس بها الثقافة الغربية، عبر التاريخ، منذ الفترة اليونانية، ليصل للواقع المعاصر. وفي كل القضايا التي عالجها، منذ بدايات كتاباته، تعمق بالتدريج، في كل تدخل لاحق، في موضوعات جديدة، وإضافة مفاهيم أخرى، لتكتمل رؤيته.

ويحدد فوكو عمله الفكري بحقل تاريخ الأفكار، لمحاولة الاجابة على أسئلة مثل: كيف تتشكل المعرفة؟، وما علاقة الفكر كفكر بالحقيقة؟، وكيف توضيح أن لتلك العلاقة تاريخها الخاص بها؟ 1
غير أن كتابات فوكو، لا يمكن حصرها في حقل بعينه، إذ تطرقت للفلسفة، والتاريخ، والاقتصاد، والسياسة، والطب، والقضاء، والجنس، وغير ذلك، ومن هنا تناول فكره بمجمله يستدعي سلسلة دراسات.

وسوف تتضح، بالتدريج عبر تلك السطور، العلاقة بين "الحقيقة والسلطة"، بعد تناول كل مفهوم منفصلا، ثم نرى كيف يحدث الترابط بينهما.

تطور مفهوم البحث عن الحقيقة

يتتبع فوكو مفهوم الحقيقة في الفلسفة، بداية من سقراط Socrates (٤٧٠-٣٩٩ قبل الميلاد) ومطالبته بأن ينشغل الإنسان بنفسه، ويهتم بها وتبلور ذلك في عبارته: "اعرف نفسك بنفسك". فالحقيقة التي يتوخاها سقراط، هي أن يتجاوز الإنسان بمعرفته، لما حوله، ويولي الاهتمام لذاته، بفهمها دون وسيط. غير أن في ذلك بعدا أكثر عمقا، وهو أن من أراد أن يحكم الغير، فعليه أولا الانشغال بذاته، ومعرفة نفسه بنفسه، أي بلوغ مقدرته على حكم نفسه، قبل الطموح في منصب لحكم الغير. ولكي يصل المرء لهذه المرتبة، عليه تربية نفسه، عبر سلسلة من الممارسات، لكي يطهر نفسه، ويحافظ على وحدتها وعدم تبعثرها، وأن يلجأ إلى العزلة، لكي يحقق ذلك كله، وبعدها يكون بالفعل قد "عرف نفسه بنفسه".

ويستمر انشغال الفلسفة اليونانية والهيلينية والرومانية بهذا المطلب لدى كل الفلاسفة. فيقول إبيقور Épicure (٣٤١ أو ٣٤٢- ٢٧٠ قبل الميلاد):"كل إنسان ملزم بالانشغال بنفسه، ليلا نهارا، وطوال حياته".

وتحولت فكرة الانشغال بالذات إلى "ظاهرة ثقافية"، أي كانت ممارسة، وانشغالا فلسفيا معا. وانتقلت بعدها إلى الزهد المسيحي. فالفكرة استمرت تنتقل، وتتحول، من القرن الخامس، قبل الميلاد، إلى القرن الخامس الميلادي.

ويرى فوكو أن الفلسفة كانت بذلك المنهج "روحانية"، في هذا البحث، إذ كان على الذات، أن تمارس على نفسها، تحولات، وتتبع تجارب خاصة، لتصبح الحقيقة في متناولها، ومن غير هذا السبيل، لا تتكشف الحقيقة. يضاف أن الحقيقة، في تجليها للإنسان، تحدث بالذات تحولا، وتصل بها إلى مرتبة الطمأنينة، والغبطة، إذ هي ليست تحولا له كفرد فحسب، ولكن له ككيان.

بعد ذلك، سوف تحدث قطيعة مع فكرة القدماء، وينشأ صراع بين التوجه الروحي la spiritualité والفكر الديني أو التيولوجي la théologie. وسوف يستمر هذا الصراع، بداية من في نهاية القرن الخامس، واستمر حتى القرن السابع عشر. وهذه القطيعة لم تحدث فجأة، ولم تكن صراعا، بين التوجه الروحي والعلوم.

ولكن مع فلسفة رونيه ديكارت Descartes (١٥٩٦- ١٦٥٠) كنقطة بداية، تحدث عودة لفكرة سقراط، ولكن يتم إهمال مسألة "الانشغال بالذات"، كمطلب فلسفي، وتتوقف المسألة عند "الذات العارفة بوجودها"، بداية من مقولة ديكارت: "أنا أفكر، إذاً أنا موجود".
وبرغم ذلك، فالتشابك ظل موجودا، بين التوجه الروحي وفلسفة المعرفة، ولم يحدث انفصال بينهما فورا، ويتجسد هذا التشابك في فلسفة سبينوزا Spinoza (١٦٣٢- ١٦٧٧)، التي جمعت معا، بين فلسفة البحث عن الحقيقة، والتوجه الروحي، الذي يرمي إلى قيام الإنسان بإحداث تحولات، بنفسه لنفسه، لتتحقق ذاتيته العارفة. ويستمر نفس التوجه، بعد ذلك، في فلسفة كانت Kant (١٧٢٤- ١٨٠٤)، وهيجل Hegel (١٧٧٠- ١٨٣١)، ونيتشه Nietzsche (١٨٤٤- ١٩٠٠) وغيرهم، إذ تدوم تلك العلاقة بين فلسفة للمعرفة، ويصاحبها المطالبة بجهد لتحول ذات الإنسان، الباحث عن الحقيقة، لنفسه.

بل نجد علاقة تجاور بين العلوم والتوجه الروحي، ليقوم الإنسان بتغيير في كينونته، للتوصل للحقيقة، في أسطورة فاوست Faust. وهو ما يعني، أنه لم يكن هناك صراعا، بين البحث عن الحقيقة عبر العلوم والتوجه الروحي.

وبحسب فوكو، يمكن العثور على هذه العلاقة المزدوجة، في كل من التحليل النفسي، وفي الماركسية، حيث يكون بلوغ الحقيقة، في تشابك مع جهد داخلي، لتغير الذات، كسبيل للوصول إليها. وتتخفى تلك الابعاد الروحية، خلف أشكال اجتماعية، مثل الانتماء لطبقة، أو لحزب سياسي، أو التدرب والتأهيل في جماعة ما، أو في الانتماء لمدرسة فكرية... فمثلا نجد أن المحلل النفسي، لاكان Lacan (١٩٠١-١٩٨١) كان أول من طرح، في التحليل النفسي، مسألة العلاقة بين الحقيقة والذات. وذلك بالتوصل لمعرفة الحقيقة، بجهد الشخص الذي قبل الكلام عن ذاته، في وجود المحلل النفسي. وتتجسد تلك العملية، في قبول الشخص، أن يدفع نقودا كثمن، ومقابل لما سوف يقوله هو، كقيقة عن نفسه، للمحلل النفسي، لكي يتوصل الشخص بذاته لحقيقة كينونته وذاتيته. وكذا يوجد تأثير، لما يقوله الشخص، من حقيقة عن نفسه، في التحول الذي سيحدث له. فهي بصورة ما عودة، لما كان يطرحه سقراط: "اعرف نفسك بنفسك".

فالفلسفة، كحقل من حقول الفكر، تتساءل عما يسمح للإنسان إلى التوصل إلى الحقيقة، وتحديد شروط هذا التوصل وحدوده. وبناء على هذا التحول، لم يعد ضروريا للتوصل للحقيقة، إلا سبيل المعرفة فقط، ودون أن يستلزم ذلك لا تجارب محددة، ولا شيء آخر إلا طريق المعرفة. وأصبح ذلك هو السبيل، الذي يسلكه طالب الحقيقة، سواء كان عالما، أو فيلسوفا، أو غير ذلك.

فللتوصل للحقيقة، لم يعد هناك غير سبيلين هما: قواعد منهج صارمة، وطبيعة موضوع المعرفة. ويضاف، ألا يكون الشخص مجنونا، وأن يكون قد حصل قدرا جيدا من العلم، وأن يتمتع بالنزاهة، ولا يكون خلفه مصلحة، إلا التوصل للحقيقة. فمنذ اللحظة التي أصبحت فيها هوية الإنسان، لا علاقة شخصية لها بالحقيقة، يتحقق الانفصال بين الذاتية والحقيقة، ويكون ذلك هو المؤشر على الولوج إلى فترة تاريخية مختلفة للعلاقة بينهما، أي نقول إن عصرا حديثا للحقيقة بدأ. 2

الحقيقة والسلطة

سوف يتطور استخدام فوكو للعديد من المفاهيم ولعل أهمها مفهوم السلطة الذي تكرر في كتاباته الأساسية. ففي محاضراته، ودروسه، سوف يلتفت أقل لمفهوم السلطة ويستبدله بمفهوم "السياسة الحيوية Biopolitique ". وهو يعني بهذا المفهوم، السبل التي تم اتباعها، منذ القرن السابع عشر، ثم الثامن عشر، لصبع العقلانية أو الرشادة، على ممارسة الحكومة، حيال ظواهر تتعلق بالسكان، حيويا أو عضويا، مثلما هو الحال، في الرعاية الصحية، والنظافة، والتناسل والتعداد السكاني والتعليم والعقاب وغير ذلك. وأن هذه المسألة ظلت كذلك، طوال القرن التاسع عشر وحتى الآن. فهي إذاً تخص المجتمع المعاصر، والتحولات التي طرأت على الدولة، وعلى السلطة وعلى الأفراد، وخاصة في ظل "النيوليبرالية". فالليبرالية، ينظر إليها فوكو، كممارسة، أي كطريقة فعل، موجه نحو أهداف، والقيام بإعادة تنظيم نفسها، بمعاودة تفكر مستمرة، في الممارسة. فهي مبدأ، ومنهج للعقلنة لممارسات الحكومة. هي عقلانية تطيع القاعدة الداخلية لأقصى اقتصاد. وهي كذلك قطيعة مع فلسفة "المزيد من الدولة"، التي كانت سائدة حتى القرن السادس عشر. 3

مسعى فوكو رمى، لمعرفة كيف تمارس الحكومة إدارتها، وكيف تتجسد هذه الممارسات في سلوك الانسان. أي كيف تتم ممارسة السلطة، والتغيرات التي تحدث في تلك الممارسة، وظروفها، على مسار التاريخ وكذا على الإنسان داخل الثقافة الغربية. فالمسعى، هو كشف استراتيجية السلطة، وهدفها، وآليات عملها.

واستكشاف هذا، يستلزم فحص المجالات، والاماكن، التي تمارس فيها السلطة سياساتها، في السجون، والمستشفيات، والمدارس، وفي الجيش، وفي المنزل، وكذا في نظم الاعترافات، وفي سبر وعي الانسان. بجانب ذلك، كيف تتم ممارسة حكم الدولة، وعلى الجانب المقابل، كيف يحكم الإنسان نفسه. وكيف تشكلت هذه الحكومة، في الثقافة المسيحية الأوربية، التي تطلب من البشر، الطاعة، والخضوع، وبأن "يُصدقوا القول". بل أن يفصحوا، "بقول الحقيقة" عن أنفسهم، فيما يخص خطاياهم، ورغباتهم، وامزجتهم.

"فنظام الحقيقة"، هو إجبار، وفحص للضمير، يطالب الإنسان، بأن يعترف بحقيقته، وأن يثبت ذلك بالفعل، وأن تتسق الحقيقة مع كلامه. وتلك الحقيقة عبر فعله، وممارسته، يلزم الاعلان عنها، والموافقة عليها، أمام نفسه، وأمام الغير، وأن يقبل قيام سلطة مخولة، بالتأكد من مصداقيته.

ومن بين الحالات، التي كان على الإنسان الغربي الانشغال بها، حتى القرون الوسطي، لإظهار حقيقته، نجد قضايا مثل: الردة، الزنا، القتل، والاضطهاد. فكل تلك كانت مسائل، يتم البوح بها، في الاعترافات في الكنيسة. فكانت حقيقة الانسان، تتم في مشهد احتفالي عام، كمرحلة أولي، يتلوها آخر، لتنفيذ عقاب، قد يصل لحد الموت. 4

ويقول فوكو، أن ما يظل غامضا، في تاريخ تجربة الإنسان الباحث عن نفسه، هو كيف تم التفكير، والتبرير، لقسر الخاطئ أو الآثم على الاعتراف، وأن يتكلم بصدق، وأن يظهر هو نفسه، حقيقته، لكي ينعم بالمغفرة.

فهذا القسر تتكرر المطالبة به، في الكتابات الدينية: "لا مغفرة دون اعتراف"، واقرار الآثم بذنبه، بوضوح، لكي يصبح هذا الاعتراف بينا: "فمن يعترف للرب، يعتق من العبودية". فهو لم يتم فقط الغفران له، ولكنه أيضا أصبح حرا وعادلا، بعد اعترافه. وكذا: "أعترف تحطم خطيئتك". بل أن رجل الدين، باعتباره هو من يملك منح الغفران، مارس دورا في المصحات، بدلا عن الطبيب. فكان على الفرد، أن يعترف له، بحقيقته، بشكل شخصي، ويكشف بالتفصيل، عن خطاياه، وعن المرض الذي أصابه، وعن عاهاته التي يخفيها، والآلام التي يشعر بها.
وفي النموذج القضائي مارس رجال الدين دور القضاة. ولكنهم قضاة يمثلون الرب، ويستمعون لاعترافات المذنب، والتي تشكل قسما أساسيا، من اجراءات المحاكمة. 5

بدايات التحول الفلسفي

ويحدد فوكو، نهاية القرن الثامن عشر، كنقطة تغيرت فيها التساؤلات الفلسفية. إذ كانت تقليديا، تدور حول: ما الكون؟ وما الإنسان؟ وما الحقيقة؟ وما حدود المعرفة؟ وهل المعرفة ممكنة؟ فتحولت إلى تساؤل جديد وجوهري هو: "من نحن في هذا الزمن الذي نحيا فيه؟"، وذلك مع بقاء التساؤلات التقليدية أيضا.

وظل هذا التساؤل الجديد، بداية من الفيلسوف كانت Kant، شاغلا لكل الفلاسفة من بعده. وأعتبر فوكو، هذا التساؤل شاغله الأساسي هو نفسه وجوهر كتاباته.

فالتساؤلات الجديدة، كانت نتاج ما يقع من أحداث في تاريخ أوربا المعاصر، إذ تفجرت أحداث كبرى تدفع للتساؤل. ففي وقت انطلاق الثورة الفرنسية، صدر في المانيا كتابا، هو الأول من نوعه، إذ يدعو، الدولة الحديثة، للعناية بالطب، والصحة العامة، لحماية الفرد. في حين أنه، مع الثورة الفرنسية، وما تلاها تفجرت واحدة من كبرى مذابح الحروب القومية. وذات الشيء حدث مع بداية الحرب العالمية الثانية، التي سجلت قمة المذابح التاريخية، وحينها سن بفرنسا قانون التأمينات الاجتماعية والصحة العامة وضمان الرعاية الطبية، وهو أيضا، ما حدث في انجلترا، بوضع برنامج "لدولة الرفاهية".

فهنا تتجسد المفارقات، والازدواجية، في العقل السياسي الغربي، وتتلخص في شعار: "اذهبوا ليقتل كل منكم الآخر، ونعدكم بحياة طويلة ممتعة" أي أن السلطة في الوقت الذي سنت فيه قانونا "لتأمين الحياة"، أصدرت: "أمرا بالذهاب للموت"!

فمنذ بدأت الدولة الحديثة، الالتفات للصحة العقلية، والبدنية للفرد، بدأت المذابح الكبرى. فالمشترك في الدولة الحديثة، هو ضبط سلوك الفرد، من ناحية، والمذابح الجماعية، من ناحية أخرى.

وهنا يظهر انشغال فوكو أساسا، بإظهار وتحليل العلاقة بين أنواع تقنية سلطة المؤسسات، وكيف تمارس نوعية محددة، لضبط سلوك الأفراد، بعقلانية متسقة مع البنى السياسية، والاجتماعية والاقتصادية. وهو لا يعني "أن العقلانية تنفي وجود العنف فلا يوجد أي تعارض بين الأمرين. فما هو هام، هو تحديد طبيعة هذه العقلانية، وليس محاربة العقل." إذ لا توجد سلطة سياسية، لا تُمارِس هيمنتها في مجتمع بشري معاصر.

فالعقلانية تتجسد في المؤسسات، وفي حكم أو قيادة الناس. فهي عقلانية، تقوم ببرمجة البشر، وتوجيههم. إذ يوجد منطق في المؤسسات، مثلما يوجد منطق في سلوك الأفراد، وكذا في العلاقات السياسية. وهذه العقلانية، تتجلى بأكثر ما يكون، في العنف الأكثر شراسة وخطورة. واستمرارية العنف ذاته، يستمد منطقه، من العقلانية التي يستند إليها. 6

ولعل تقديم أمثلة عينية، تساعد على متابعة بعض ما يرمي إليه فوكو، في بعض دراساته. فكتاباته كلها تنشغل بوضع الإنسان وسلوكياته في علاقاتها مع السلطة، في الثقافة الغربية، عبر الزمن وفي مجالات الحياة.

ففيما يتعلق بالحبس العقابي، أو الحجر، على الذين ينظر إليهم كمرضى عقليا، كان ضروريا معرفة متى أصبحت تلك العقوبة، أو هذا الحجر، من الأمور المقبولة في المجتمع، كما لو كانت من الأمور الطبيعية، أو العادية، بل والضرورية. فهو تحليل "لنظم الممارسات". أي لهذا الوعاء، أو الأجهزة، التي تتم في داخلها، "برمجة السلوك"، الذي يجب إتباعه، كامتداد لما تم إقراره حقوقيا، وقضائيا، وتحوله لنمط يتم اتباعه، بالتصديق عليه، باعتباره صحيحا، أي حقيقة. وبالتالي، أصبح تطبيق الحبس، أو الحجر، أساسي في القانون الجنائي.

ولفهم تلك الممارسة، التي أخذت صبغة الأمر "الطبيعي"، أو "الأمر العادي"، المفهوم والمقر بضرورته، يلزم البحث عن الأسباب، والمنطق، وما وراء ذلك من استراتيجية، لكي تتحول، من أمر غير مقبول مسبقا، إلى مقبول بالإجماع. أي معالجتها في إطار ظرفها التاريخي.

فالعقلانية، هي القيام بتحويل، إلى أمر مقبول، ممارسة قاسية، مثل الحبس في زنزانة، أو إيقاع عقوبة تعذيب، أو إعدام في مشهد عام.

وهذا يعني، أنه سبق ذلك، تقديم مصوغات، لقبول هذه الممارسات، عبر تبريرات، وحسابات، عن نفعيتها، أو عن فائدتها للمجتمع. وبذا يتم عقلنة تلك الممارسة، في نظم تخصها. هذه النفعية لا ينظر إليها أساسا، باعتبارها أقل كلفة على المجتمع، ولكنها هي السبيل لترويض البشر. فتتشابك في تلك العملية، السلطة مع المعرفة، لتقديم ما تراه كحقيقة، أو كأمر سليم، وصحيح كممارسة.

فالهدف، هو السعي لمعرفة العلاقة، بين لعبة "القاعدة المنظِمة" لكيفية تطبيق الممارسة في الواقع، وبين وضع قواعد الخطاب، الذي يشكل الأساس، والمبرِر، والمستند إلى عقلانية، لهذه التحولات، لكي يمكن القيام بها، وتنفيذها من ناحية، وفي نفس الوقت، تقبلها كحقيقة.

بقول آخر، هي عملية ترمي إلى الكشف، عن كيف يحكم الناس الغير، وكيف يحكمون أنفسهم، عبر إنتاج الحقيقة. وإنتاج الحقيقة، يعني إعداد، وترتيب المجالات، والأماكن التي تتم فيها، ممارسة ما هو حقيقة، وما هو غير الحقيقة، على السواء، وبشكل دقيق.
فهو ما يعني القيام بهذه الممارسات النوعية، وجعلها تأخذ مظهرها، لتوحي بأنها نظم، حقوقية، وقضائية، مختلفة، وتقنينها، باعتبارها صحيحة.

فنحن أمام برامج واضحة، وأوامر محسوبة، و"مُعقلنة"، وبحسبها، يلزم تنظيم المؤسسات، وترتيب الأماكن، وضبط السلوك. فهي "تكنولوجية ترويض الانسان"، ومراقبة سلوكه. هو ترويض يتجسد، في الواقع، في شكل انضباط، مثلما هو في التعليم بالمدارس، أو في الجيش. وتلك "البرمجة" تحرك في الواقع الفعلي، سلسلة من التأثيرات، تتبلور في المؤسسات، وكذا تمتد، لتصل لسلوكيات الأفراد، وتلعب دورها "كشبكة رموز". وهذه الشبكة هي ما يستعان بها، كمعيار لرؤية كل شيء، ومصداقيته. 7

فالبحث عن الحقيقة، فيما يخص مسألة الجنون، مثلا، يركز أساسا، على تعين اللحظة التاريخية، في الزمن الحديث، التي توجهت فيها الجهود، في الطب النفسي، لفحص "حقيقة الأنا"، وما تراه فيه كجنون. أي عندما أصبح سلوك شخص ما، موضوعا للبحث عن حقيقة جنونه. وهذه الفترة يمكن تعينها، ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر. وتجسد البحث عن الحقيقة، في ممارسة المؤسسات، التي قامت بعزل الشخص، عن المجتمع في بحثها عن حقيقة جنونه.

وفي يخص الجريمة، فمنذ القرن السابع عشر، حدث تحولا هاما، تمثل في "عملية الاستجواب"، ليس لتحديد حجم العقوبة، ولكن لسبر أغوار حقيقة شخصية المتهم. أي البحث عن دوافعه، وعن رغباته العادية، وعن تلك التي تشكل رغبات متخيلة "فانتزم".

ومنذ القرن التاسع عشر، لم يتوقف الأمر على عزل المتهم، ولكن القيام بإجراءات، لتحديد نوع العقوبة عليه. فالقضية هنا لا تخص السجون، التي وجدت دوما، في العصور السابقة، ولكن بداية من ذلك العصر الحديث، يمكن القول بأنها بداية اعتبارها ضرورية، للسيطرة على المجرمين، والقيام بالتشريع لها، بعقلانية تبرر تلك الضرورة، وتجعلها مقبولة. فالمسألة هي تحديد، في داخل أي النظم العقلانية، بدأ التنظيم لتلك الممارسة. بجانب ذلك فأسلوب الاعتراف يعني الكشف، عن حقيقة الشخص، بداية من كلماته، التي يقولها في الاستجواب، ليس فقط عما أرتكب، ولكن لتكشف عن "من يكون".

وفيما يخص الحياة الجنسية، فإن مسألة الحقيقة، تعلقت بالكيفية التي حدثت فيها التغيرات، ليصبح السلوك الجنسي، موضوعا للتدخل، ليس فقط الفعلي، ولكن النظري أيضا. وكيف حدث أن بدأ الإنسان المعاصر، في البحث عن حقيقته، عبر رغباته الجنسية.

فتاريخيا، تعود مسألة البحث عن الحقيقة، المتعلقة بالجنس، إلى العصور الأولى للمسيحية، مع بدايات ممارسة الاعتراف، والإقرار بالذنوب. وسوف يتطور الأمر في العصر الحديث، بالسيطرة ليس على الشهوة الجنسية، ولكن أيضا، على السلوك الجنسي، والمطالبة بضبطه، وعدم الإفراط فيه، وكأن العكس، سيودي إلى ضعف بدني، وتدني في القدرة على العمل، وانحدار الانتاجية، وكان هذا الضبط، يناظره آخر، بالدعوة لكبت الشهوة للطعام. فالتحول التاريخي، تدرج من العلاقة بالجسد، بكبح الرغبة في الأكل، في الثقافة المسيحية، إلى الالتفات إلى العلاقات الجنسية، مع المجتمع الحديث. 8

الحقيقة بين الخطاب والجدال

يحتل الخطاب مكانة محورية في فكر فوكو. والخطاب هو مجمل المعاني المُقيدة، والمُجبرة، التي تتواجد عبر العلاقات الاجتماعية. فالخطاب هو سلاح سلطة، وضبط، واخضاع، وهو تعين لأهلية، وتجريد من الأهلية، وهما معا، دعامة الصراع الجوهري. فيلزم أن يظهر في الخطاب وظائف، لا تتحدد بالاستخدام البسيط في تعابير (عن علاقة قوى، موجودة بالفعل، ومستقرة)، أو أن يعكس إعادة انتاج (لنظام اجتماعي سابق). فمجرد تضمن الخطاب لفعل الكلام، واستخدامه لألفاظ يفهمها الغير، ويتقبلونها، يمنحه قوته. فالخطاب، هو علاقات قوى، ليس فقط كتسجيل مكتوب، وإنما كفاعل في الواقع. 9

‫‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬وتحليل فوكو للخطاب، يختبر السبل المتنوعة، التي يقوم فيها الخطاب، بلعب دوره، في داخل نظام استراتيجي، تتواجد السلطة فيه، وبالاعتماد على هذا الخطاب، تستمر ممارساتها كسلطة. فالسلطة تقوم بممارسة دورها، عبر الخطاب، لأن الخطاب ذاته، هو عنصر من آلة استراتيجية، لعلاقات السلطة.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

فالخطاب هو سلسلة من العناصر، تعمل داخل الآليات العامة للسلطة. وبالتالي يجب النظر للخطاب كسلسلة من الأحداث événements. وهي أحداث سياسية، وعبرها تتواجد السلطة، وتحدد توجهها. فهذه الأحداث، تتم في أعماق التاريخ. فالهدف من دراسة الخطاب، هو تحديد ما ارتبط، وتبع، النطق به، في لحظة معينة، من وظائف باعتباره مرجعية أي كحقيقة. 10

‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬التحول في جوهر السلطة

يرى فوكو، أن النظر للتاريخ كمراحل، سحيقة، وقديمة، وحديثة، ومعاصرة، ليست نظرة سليمة، لأن كل ما فات مازال يتجلى في الجديد الراهن. فكل ما هو موجود اليوم، فيما يتعلق بنظم الآمن، والعقاب، والحجر، ليس إلا الامتداد لما كان يطبق، في الماضي. وذات الشيء، ينطبق على قواعد الانضباط، في المدرسة، وفي الجيش، وفي المصنع، وفي كل مجال آخر.

وإن الحرية كأيديولوجية، وكتقنية حكومة، لابد من فهمها، من داخل التحولات، والتغيرات، في "تكنولوجيات السلطة". فالحرية، ليست إلا التلازم مع وضع أجهزة للأمن. فلفرض جهاز أمن، لزم تقديم شيء بالمقابل، يسمى بالحرية، وعني بها حرية تنقل الأفراد، والأشياء، في المجتمع الرأسمالي الليبرالي.

فشكل المجتمع، والاقتصاد، والسكان، والأمن، والحرية، عناصر تقوم على اعتبارات الحاكمية الجديدة la nouvelle gouvernementalité التي نعرفها الآن، وما هي إلا أشكالا أخذت تحويرات معاصرة من السابقة عليها.

فبالنسبة لفوكو، الحاكمية هي "فنون الحكم"، التي تواجدت بداية من القرن الثامن عشر، وبخلفية مسيحية في العمق. فالدولة الحديثة ولدت، عندما أصبحت الحاكمية متجسدة في ممارسات سياسية محسوبة بدقة وبتفكر.

فالامتيازات، التي بدأت تمارسها الحكومة، قد تمثلت في تقليص سلطة الملك، الجالس على كرسي العرش، ولكنه لا يحكم، وبهذا أصبحت الحكومة تتمتع بسلطة أعلى من سلطة «أنا الملك»، وأعلى من السيادة، وأعلى من الامبراطورية. فالتحول حدث من فكرة اعتبارات المصلحة العامة la raison d’Etat، حيث كانت في ظلها كل السلطة، في يد العاهل، إلى اعتبارات "مصلحة الحاكمية"، لتقليص دور العاهل، وباحتلال مكانة أكبر في قلب السلطة بدلا عنه. 11

الخطاب والجدال والحقيقة

وللتوصل للحقيقة، أخلاقيات يلزم توفرها، في العلاقة بين من يسعون للتوصل إليها معا. فالغاية، في حالة سؤال وجواب، بين شخصين، هي التوصل، إلى ايضاح متبادل، من قبل الطرفين، وحفظ حق كل منهما في الحوار. فمن يوجه السؤال، يستخدم حقه، في القول بأنه ليس مقتنعا، ويشك في وجود تناقضات، وبحاحة لمعلومات إضافية، ويبدي أدلة مختلفة، ويظهر أخطاء في التفسير، قال بها الآخر.

أما الذي يرد على السؤال، فهو مرتبط بمنطق خطابه، أي بما سبق له قوله، وفي نفس الوقت، بقبول مساءلة نظيره له. فكل من المتحاورين ينعمان، بما أعطاه كل منهما للآخر من حق، في ظل شكل مقبول للحوار.

أما المجادل، بكلام هجومي، فهو مسلح برؤية مسبقة، ولا يقبل أبدا التشكيك فيها. فهو يمتلك، من حيث المبدأ، حقوقا تسمح له بدخول حرب، وتجعل منها صراعا عادلا، في نظره. فهو لا يري فيمن يحاوره ندا، يبحث معه عن الحقيقة، ولكن عدوا أخطأ، وخطر، ووجوده ذاته يشكل تهديدا.

فهو لا يرى فيه إذاً، "ذاتا" لها حق الكلام، وإنما يسعى للتخلص منها كنظير، في حوار ممكن. فهدفه النهائي، ليس التقارب، قدر ما هو في الامكان، ولكن أن يحقق الانتصار للقضية، التي يحملها بوضوح منذ البداية. فالمجادل المعادي، يمنح نفسه حق نفي وجود الآخر. ولذا فإن "المجادل المعادي"، هو شخصية طفيلية، تحول دون مواصلة البحث عن الحقيقة.

ويطبق فوكو هذه الرؤية، ويقول بوجود ثلاثة نماذج لهذا النوع من المجادلين: النموذج الديني، ويتجسد في أتباع البدع، و"الهرطقة"، التي تنشغل بتعين مسألة، في العقيدة لا يحق المساس بها، وتعتبر أن المعارض لرؤيتها، أهملها أو قام بتجاوزات بشأنها. وبالتالي وقع في خطأ أخلاقي، يحاكم بناء عليه، بذنب في ارتكابه.

وفي النموذج القضائي، لا يفتح، الجدال في الممارسات، الباب لحوار ممكن، تتحقق فيه الندية. فهو جدال يُجري محاكمة، ولا مكان فيها لحوار بين متناقشين، ولكن مواجهة، مشتبه فيه، وجمع الأدلة لإدانته، وتحديد المخالفة، التي وقع فيها، ثم إصدار حكم بالإدانة.

ويعتبر فوكو أن المجادل السياسي، في الزمن المعاصر، هو الأكثر سطوة. فالجدال السياسي، يحدد التحالفات، ويلم المشايعين، ويوحد المصالح، أو الآراء، ويمثل حزبا، ويحدد الآخر، كعدو له مصالح متعارضة، ويلزم الصراع معه، حتى تتم هزيمته، فلا يظل أمامه، إلا الخضوع، أو الاختفاء.
كل هذه المجادلات تلوح كما لو كانت مشاهد في مسرحية. ولكن في واقع الأمر، كلها تدخل في صلب نظام الخطاب، فهي ممارسات، لها عواقبها التي لا يمكن إهمالها. 12

تحقق ذاتية الإنسان

ولدراسة تعدد انماط تحقق "ذاتية الإنسان"، كسبيل للتوصل للحقيقة، في الثقافة الغربية، يقول فوكو بوجود ثلاثة انماط لتحول البشر إلى ذوات. ولكن يلزم الوعي بأن للذات وضعين، فهي إما خاضعة، أو ساعية لتكوين هويتها، بشكل مستقل، بتحقيق نفسها بتجاوز مجرد الوعي بالذات.

أولا: الأنماط المختلفة لبلوغ مكانة في العلوم اللغوية، وكذا الذاتية المنتجة، أي الذات العاملة، في الاقتصاد وزيادة الثروة. بالإضافة إلى امكانية تحقق تلك الذاتية، لمجرد العيش في تاريخ طبيعي وحيوي.

ثانيا: تحقق الذاتية، فيما يمكن تسميته "الممارسات المُفرِقة"، وهي ما تقوم بتحويل الذات إلى مجرد شيء، حيث يتم تقسيم الذات من داخلها على نفسها، أو أن يتم تفرقتها عن الذوات الأخرى. فتتم التفرقة بين الذوات، على اعتبار بعضها مجنونة، في مواجهة أخرى عاقلة، أو بعضها مجرمة، في مقابل أخرى، سوية طيبة.

ثالثا: تحول الإنسان إلى ذات، عبر وعيه بذاته بطبيعة خصائصه الجنسية.

وتلك الأنماط في تنوعها، تدخل بالضرورة، في علاقات مع السلطة. ومن هنا تتضح أهمية دراسة السلطة كضرورة. ولكن دراستها، يجب أن تتم أساسا، عبر الوظائف، التي تقوم بينها، وبين تلك الذوات كأفراد، أو كجماعات، أو كطبقات، أو كثقافات. أي لا يمكن الاكتفاء، كما هو الحال، بدراسة السلطة، عبر مسائل حقوقية، مثل شرعية السلطة، أو دراسة مؤسساتها، والتساؤل ما الدولة؟ وأن ما يلزم، هو البحث عن الأسباب التاريخية، التي دفعت إلى اللجوء لهذا المنهج، أو ذاك. أي الوعي التاريخي، بالحال الذي نحياه.

فدور الفلسفة الآن، هو مراقبة السلطة، في تجاوزاتها، المستندة إلى العقلانية السياسية. والدليل على أهمية تلك المراقبة هو أن العقلانية لم تغب، لا في معسكرات الإبادة النازية، ولا معسكرات الستالينية.

فالسؤال المطروح هو: ما الموقف من تلك الحقيقة؟ فبالتأكيد، ليس الحل، في محاكمة العقل، أو الرشادة. فسيكون عقيما القيام بمواجهة عقلنة ولا عقلنة. وكذا يلزم عدم التعميم، بالحديث عن ثقافة بكاملها، أو عن مجتمع ما، ولكن تحديد القضايا، في مجالات بعينها، مثل الجنون، المرض، الموت، الجريمة، الجنس، الحرب إلى آخره.

فبرغم أن عصر "الأنوار"، شكل مرحلة هامة في تطور الغرب التاريخي، وابتداع "تكنولوجية سياسية"، غير أنه يلزم العودة، إلى ما قبل ذلك العصر، لفهم الآليات التي جعلت الغرب سجينا لتاريخيه ذاته.

فما ظهر قبل عصر الأنور، تجسد في سلسلة من المعارضات لما كان ساريا. وهي معارضات، لم تخص بلدا بعينه بل ثقافات متعددة. وكانت معارضات في مواجهة سلطات، وضد ممارستها دون رقابة عليها، مثلما هو الحال في الطب، الذي بيده حياة الإنسان وموته.

فهو صراع يتعلق بوضعية الفرد، وحقه في الاختلاف، وحقه في أن يكون فردا، ويعارض كل ما من شأنه عزله عن الأخرين. باختصار فهو صراع، ضد ممارسة حكم، يعامل الناس بشكل أحادي كأفراد. وهي كذلك مقاومة، لأثار السلطة المستندة للمعرفة واحتكارها لهذه المعرفة، وبالتالي، في حقها في ترويجها، أو القول بوجود أسرار خفية عن الغير، والقيام بخداع وبتلاعب بالناس.

فكل ذلك يمكن تلخصه، في رفض "نظام المعرفة"، وكيف كان يسير، وعلاقته بالسلطة. فهذا الصراع الذي يتجسد في سؤال "من نحن ومن نكون؟". هو رفض للعنف، الذي تمارسه الدولة، اقتصاديا، وايديولوجيا، ولا تريد الاعتراف بالفرد وخصوصيته. وهو أيضا، رفض للمؤسسات، وللعلوم، التي تشكل ما يشبه محاكم تفتيش، لتحديد هوية كل فرد. فهو رفض "لشكل الحكم"، الذي يمارس سلطته، في الحياة اليومية، ويحدد هوية كل شخص في فئة، ويريد منه أن يعترف بها، وأن يراه الغير عبرها.

فعبر هذا الشكل، في الحكم القامع، يتواجد الإنسان وتحوله إلى "ذات". فهناك ذات خاضعة، وتابعة للغير وتحت سيطرتها، وفي مقابلها، ذات متمسكة بهويتها، مستقلة، تبحث، عبر الوعي والمعرفة، للتوصل لإدراك نفسها.

وبإيجاز، فهناك صراع ضد القهر الإثني، أو الديني، أو الاجتماعي. وآخر ضد الاستغلال، وفصل المنتج عما ينتجه. وثالث ضد من يرفض، ما يربط الفرد بذاته، ويريد تحويله إلى ذات خاضعة للغير. 13

فبالعودة للقرن السادس عشر، وما بعده، سنجد أنه قد ظهرت كتابات تتساءل حول السلطة وحول الفرد. وجوهر التساؤلات، في بحثها عن الحقيقة، تجسدت في انتقادات موجهة للكنيسة التي اتخذت لنفسها مكانة "الراعي" لأرواح، واجساد الجميع، لتصل بهم، قسرا، إلى حالة الطمأنينة والسلام. فالكل ملزم بقبول هيمنتها وعليه الخضوع لإرادتها لأنها تمتلك "الحقيقة".

وكانت الانتقادات أيضا لشكل الحاكم. فكانت التساؤلات تدور حول قضايا فن قيادة أو حكم الناس، وكذا ممارسة حكم الناس في الحياة العامة، وفي الأسرة أو في الجيش أو حكم الفقراء أو المتسولين في المدينة، أو في الدولة. أي كيف يحكم الإنسان روحه، وعقله، وجسده. فتلك التساؤلات، هي فنون في التربية، والاقتصاد، والسياسة. ولذا كانت تتضمن ما يعني: "لا نريد أن نُحكم بهذه الطريقة، ومقابل هذا الثمن".

فهذه التساؤلات حول الحكم، في أشكاله المختلفة، أي بالكنيسة من جهة وبالدولة من جهة أخرى، شكل انشغال الافراد والمجتمع والفلاسفة. فهي بشكل ما، عودة للقانون الطبيعي، الذي يُفضل الانسان فيه، ألا يكون محكوما، بواسطة سلطة ما. ومن ناحية أخرى، هي تساؤلات، عن الحدود التي لا يجب أن يتجاوزها حكم. ويضاف، أنه رفض، لما تقوله سلطة باعتباره "حقيقة"، وحق عدم القناعة بأنها حقيقة، لأن السلطة قالت بذلك. كل هذه التساؤلات، شكلت مرحلة حاسمة في الثقافة الغربية، في كل المجالات، التي فتح فيها باب التساؤلات، والشك لأنها شملت ثلاث مسائل جوهرية وهي: "الحقيقة، والسلطة، والذات".

ونجد أفضل تجسيد لتلك التساؤلات في نص قصير للفيلسوف كانت Kant تحت عنوان: "اجابة على سؤال ما الأنوار؟". فهو يستهله بالقول: "يمكن تعريف "الأنوار" بأنها خروج الإنسان، من حالة الوصاية، التي يعيشها، والخاضع لها، فهو المسؤول، هو نفسه، عن هذا الوضع. فحالة الوصاية، هي فقدان مقدرته الاستعانة بقدراته الذهنية، دون حاجة أن يقوده آخر. هي حالة ناجمة، من خطئنا نحن، حينما تنتج، ليس من نقصان في قدرتنا على الادراك، ولكن من انعدام ارادتنا، وانعدام شجاعتنا، للاستعانة بتلك القدرات، دون انتظار آخر ليقودنا." وتلك هي بحسب ميشيل فوكو "سياسة الحقيقة" التي تحققت بممارسة النقد، أي "فن الانعتاق الاختياري من العبودية". 14

هوامش :
1
Foucault Michel, Entretien avec D. Trombadori, fin 1978, Dits et Ecrits, Tome IV, 1980-1988, Editions Gallimard, Paris, 1994, pp. 41-95.

2
Foucault Michel, L’Herméneutique du Sujet, Cours au Collège de France 1981-82, Editions Gallimard, Paris, 2001, les cours des 6 et 13 janvier 1982.

3
- Foucault Michel, Naissance de la biopolitique : Cours au Collège de France, Année 1977-1978, Editions Gallimard, Paris, 2004, pp. 9-22

- Foucault Michel, Naissance de la biopolitique : Résumé du cours au Collège de France, juin 1979, Dits et Ecrits, Tome III, 1976-1979, Editions Gallimard, Paris, 1994, pp. 818-825.

4
Foucault Michel, Du gouvernement des vivants, Dits et Ecrits, 1980-1988, tome IV, Editions Gallimard, Paris, 1994, pp. 125-129.

5
Foucault Michel, Histoire de la sexualité, Tome 4, les aveux de la chair, Édition établie par Frédéric Gros, Éditions Gallimard, Paris, 2018, pp. 119-122.

6
Foucault Michel, Foucault étudié La raison d’État, Dits et Ecrits, 1976-1979, Tome III, 24 octobre 1979, Editions Gallimard, Paris, 1994, pp. 801-805.

7
Foucault Michel, L’impossible Prison, Table ronde du mai 1978, Dits et Ecrits, 1980-1988, Tome IV, Editions Gallimard, Paris, 1994, pp. 20-34

8
Foucault Michel, Entretien avec J. François et J. de Wit, 22 mai 1981, Dits et Ecrits, 1980-1988, Tome IV, Editions Gallimard, Paris, 1994, pp.656-667.

9
Foucault Michel, Le discours ne doit pas être pris comme…, Dits et Ecrits, 1976-1979, Tome III, Editions Gallimard, Paris, 1994, p.123-24

10
Foucault Michel, Dialogue sur le pouvoir, entretien avec des étudiants de Los Angeles‪,‬ mai 1975‪,‬ Dits et Ecrits, 1976-1979, Tome III, Editions Gallimard, Paris, 1994, pp‪. 464-477.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

11
Foucault Michel, Sécurité, territoire, population, Cours au Collège de France, (1977-1978), Editions Seuil-Gallimard, 2004, Paris, pp. 8-13, 50, 78, 168-169, 262.

12
Foucault Michel, Polémique, politique et problématisations, Entretien avec P. Rabinow, mai 1984, Dits et Ecrits, 1980-1988, Tome IV, Editions Gallimard, 1994, Paris, p.591-92.

13
Foucault Michel, « Le sujet et le pouvoir », 1982, Dits et écris, 1980-1988, Tome IV, Editions Gallimard, Paris, 1994, pp. 222-243.

14
- Foucault Michel, Qu’est-ce que la critique ? suivi de La culture de soi, Édition établie par
Henri-Paul Fruchaud et Daniele Lorenzini, Librairie Philosophique J. VRIN, 2015, pp. 33-39, 81-84.

- Foucault Michel, Qu’est-ce que les Lumières ? », Magazine littéraire, no 207, mai 1984, , Dits et écris, 1980-1988, Tome IV, Editions Gallimard, Paris, 1994, pp. 679-688.

تحميل المقال

الحقيقة والسلطة عند ميشيل فوكو .. مصطفى نور الدين

عرض مباشر : الحقيقة والسلطة عند ميشيل فوكو .. مصطفى نور الدين

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك