موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > ركن الأصدقاء > Rime Ateya > نفوس فرض عليها الحصار .. بقلم : ريم عطية.. ترجمة : مصطفى نور الدين

نفوس فرض عليها الحصار .. بقلم : ريم عطية.. ترجمة : مصطفى نور الدين

الثلاثاء 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2016, بقلم ريم عطية Rime Ateya

استأذنت ريم عطية Rime Ateya لترجمة بعض التحقيقات التي تقوم بها عن المهاجرين في فرنسا ونشرت في المجلة الفصلية "كوز كومين" Causes communes. ريم (ماستير ٢ "ماجستير" تاريخ وماستير ٢ "ماجستير" علم اجتماع).. صحفية وعضو بهيئة تحرير المجلة التي تصدرها جمعية "لا سيماد" La Cimade الفرنسية المتخصصة في قضايا الهجرة واللجوء السياسي .. الجمعية تم تأسيسها عام ١٩٣٩.

التحقيقات دراسات واقعية بلقاءات مع الباحثين المتخصصين بشأن الهجرة واللجوء السياسي والجانب الغالب من التحقيقات باللقاء مع المهاجرين من كل الجنسيات في المدن التي يتواجدون بها ومع الذين يتولون أمرهم لحل مشكلاتهم من المهنيين وغيرهم من الذين يسهمون في ذلك بعمل تطوعي.

اترجم هنا تحقيقا مؤلما عن أوضاع الذين عبروا إلى الأراضي الفرنسية دون تأشيرة دخول وتم رفض حصولهم على اللجوء.

وبالمصادفة قامت قوات من الشرطة الفرنسية بداية من اليوم باجلاء معسكر الحجز في مدينة كاليه حيث يتواجد ما يقدر بنحو ١٠٠٠٠ آلاف مهاجر. وتوزيعهم على باقي المدن الفرنسية في معسكرات حجز أخرى.
............................................................................................................
يلازم الأشخاص الذين فرضت عليهم الإقامة الجبرية علامات قلق دائم وتثقل عليهم الرقابة المستمرة. في هذا التحقيق لن نكشف عن أسماء ولن تظهر وجوه النساء والرجال الذين صاحبونا (ريم وسيليا بونا Célia Bonnin المصورة المرافقة لها) في شوارع "بيزانسو"، فهي مدينة (شرق فرنسا) يأخذ فيها إجراء الاقامة الجبرية سمة قاسية، تمارس على من تم رفض طلبهم للحصول على اللجوء، إذ تحاط حياتهم بمصاعب هائلة وعنها يقدمون هنا شهادتهم حولها.

يستحيل قضاء ليلة في فندق "فورميل ١" الواقع على هامش المدينة (توجد سلسلة من الفنادق تحت هذا الاسم بحجرات ضيقة رخيصة وتجهيزات دنيا). على الباب علقت لافتة "كامل العدد" وجولة في الدور تكفي لدرء أي شك. لا غرف مجهول ساكنيها هنا وإنما الحياة اليومية هي ما يسود. عربات ودراجات أطفال في الأركان، ملاية نشرت لتجف على درابزين السلم، مجموعات من المقيمين يتبادلون الحديث على عتبات الحجرات. كل حجرات فنادق بيزانسو، مثل هذا الفندق، مخصصة كمأوى لطالبي اللجوء، وهو ما يعد فرصة ثمينة يستغلها بعض أصحاب الفنادق السيئة ومعدة لاستقبال زبائن مؤقتين عابرين.

أسرت سيدة تحتل أحدى الغرف، إن الرضا بالعثور على سقف يحميها حل محله سريعا أحساس بالسقوط في فخ. وشهادتها تستند على مصير جيران سابقين لها. فهي تتوقع في كل لحظة أن تجبر على "التوقيع" بدورها. أي أن تفرض عليها الإقامة الجبرية. تقول :"في هذه الحال، سوف أكون معرضة للخطر، إذ من السهل أن يحضروا للعثور علي."

تحت المراقبة

فمنذ أكثر من سنة ونظام الإقامة الجبرية يطبق بشكل مكثف، في هذه المنطقة، علي الذين تم رفض طلبهم اللجوء وبشكل أخص على العائلات. وبهذا الشكل أصبحت أماكن الإيواء العاجل هي محل للإقامة الجبرية بالفعل. ولقد تم اتخاذ هذا القرار، ليخص الأشخاص المعرضين للمغادرة الاجبارية للأراضي الفرنسية، على إثر استدعائهم، من قبل "المكتب الفرنسي للهجرة والتكامل"، لإجراء مقابلة معهم.

وفي المرحلة الأولي، يعرض عليهم تقديم مساعدات من أجل العودة "الاختيارية" إلى بلدانهم. وفي حال رفضهم يتم وضعهم في الاقامة الجبرية لمدة ٤٥ يوما وهي مدة قابلة للتجديد، وخلال تلك الفترة تسعى الجهات الادارية لاتخاذ الاجراءات التي بمقتضاها يحق لها إبعادهم عن الأراضي الفرنسية.

فالمعني الفعلي لذلك أنه يتم حرمانهم من الحرية بشكل تام. فهم مجبرون على البقاء في نفس العنوان الذي يعيشون فيه وألا يتجاوزون في حركتهم حدود جغرافية محددة سواء كانت في داخل المحافظة أو المدينة، بالإضافة بالإجبار على الذهاب أحيانا يوميا، إلى قسم الشرطة، للتوقيع لإثبات تواجدهم. وإذا تهربوا من الالتزام بتلك التعليمات الاجبارية يعدون هاربين ويتعرضون حينئذ لحبسهم في معسكرات الاحتجاز.

في العودة من وسط البلد، مع هبوط الليل، لحقنا بعائلات تتجه نحو أحد الأبواب بالقرب من مبني مستوصف قديم. المبنى عبارة عن كتلة خرسانية خربة، مسيئة بمظهرها للمبنى المتبقي من مستشفى سان جاك المجاور بمعماره الذي يرجع للعصور الوسطى، ولقد تحول هذا المبنى منذ ثلاث سنوات إلى مكان للاستقبال.

وفي مكان الاستقبال هذا لا يحق للعائلات التواجد بداخله إلا من الساعة الثامنة مساء حتى الثامنة صباحا. وتقوم بالإشراف عليه جمعية "دوب" بالمحافظة ومهمتها "حماية الطفولة والبالغين" ويشارك هذه الجمعية جهة لشؤون الوثائق الإدارية. بالمبني ٢٨ غرفة مخصصة أساسا لمن رفضت طلباتهم للبقاء في الأراضي الفرنسية. وفي مدخل المبنى وضع سجل يتولاه مسئول للتأكد، في الساعة العاشرة مساء، من تواجد الجميع. فبعد هذه الساعة ممنوع الدخول أو الخروج.

تجولنا، في الممرات الباهتة اللون، للوصول إلى واحدة من الحجرات حيث تعيش أسرة لديها أطفال صغار. والملاحظ أنه مازالت توجد في الحجرة أثار متناثرة، مزعجة للعين، تخص ما كانت الحجرة مخصصه له في الماضي مثل جرس لاستدعاء الممرضين أو لوحة مكتوب عليها تعليمات من كل نوع. وبجانب هذا المبني، جناح للأمراض النفسية وهو من الأقسام النادرة التي ما زالت تعمل وملاصق لهذا المستوصف القديم، ويبعث قربه الشديد القلق لدى الأطفال بسبب الصرخات الآتية منه في الليل.

شعرنا بالدفء بكوب الشاي الساخن الذي قدم لنا، وواصل الآباء الحكي عن المساعي التي يقومون بها وعن حياتهم اليومية. ففي البدء كان المرور بفترة قضوها في الشارع وكذا بالعون الذي قدمه لهم بعض المتعاطفين بالمدينة ثم منذ بضعة أشهر أستقر بهم الحال في هذا المستوصف كسكن. غير أنه منذ فترة وجيزة، فرضت عليهم حالة الإقامة الجبرية، ومن حينها أصبح الاستيقاظ مقلقا. يحكيان :" أنه ذات يوم، في السادسة صباحا، تواجد كل من مدير المكان والشرطة. وقال المدير للجيران جهزوا أنفسكم، هل ترون هذا، تلك هي الأوراق، يمكنكم أن تعودوا ثانية هنا، أخرجوا واصحبوني !". لذلك فعندما نسمع ضوضاء وصوت الحارس يطرق الباب نمتلئ رعبا...". فليست هي أول مرة كانوا فيها شهودا على عملية إلقاء القبض على ساكن.

غير ذلك، فعليهم في الثامنة صباحا مغادرة المكان ويتحولون إلى سجناء طوال اليوم، هذه المرة للخارج. فتكون بداية اليوم بالذهاب لقسم الشرطة حيث يتحتم عليهم الذهاب يوميا. وفي طابور الانتظار تقف في الغالبية العائلات مجبرة برفقة أطفالهم قبل الاسراع لاصطحابهم للمدارس. ولا يهم إذا لحق هؤلاء الأطفال برفاقهم في الفصل متأخرين، فساعة التمام في قسم الشرطة لا يمكن الفصال فيها.

حالة انتظار معلقة

إن واقع هؤلاء الناس يكشف عن بؤس شديد إذ ليس لهم حق التمتع بالمساعدة المالية وليس من حقهم العمل. وتشهد ربة الأسرة بقولها :"إذا ما أردت يمكنني التصرف ولكن في ظل هذا التقييد ما الذي يمكن فعله ؟ لقد أرهقنا هذا الوضع". أنهم مجبرون للمرور على كل الأماكن التي تقدم العون مثل "الصليب الأحمر" و جمعية "الانقاذ الشعبي" لكي يمكنهم الحصول على بعض المواد الغذائية. غير أنه منذ عدة أسابيع، لم يعد يتوفر لديها "خافضات أو لفات" لطفلها. ويضاف أنه حين تهطل الأمطار يضطرون لاستقلال الترام ذهابا وعودة للاحتماء.
وإن كان صحيحا أن بالمدينة بعض "أماكن استقبال" أثناء النهار وتقدم وجبات بجانب ما يقدم من قبل جمعية "رصيف ستراسبور" الذي يتولى إدارته "جمعية جان انتيد"، غير أن إمكانيات كل هذه الجمعيات محدودة ولا تتجاوز مقدرتها إلا على مساعدة ١٠ عائلات ويتم اختيارهم بعد عقد لقاءات "للتنظيم".

فبالفعل يتم كل أسبوع، اجتماع للتنظيم للتشاور حول أحوال الأشخاص الذين فرضت عليهم الإقامة الجبرية. وتحت ضغط من قسم الشرطة يشارك في هذه الاجتماعات كل المسئولين عن الأماكن التي تستخدم للاستقبال. وتطرح في تلك الجلسات كل المسائل المتعلقة بالإيواء للنوم وتلك الخاصة بالاستقبال أثناء اليوم، بل وتتعرض للحالات التي سوف يتم طردها مستقبلا.

وتقول واحدة من أعضاء "جمعية لا سيماد" فرع بيزانسو، وهم من المتطوعين، بأن تلك الممارسات تدخل ضمن التشدد الهائل الذي تتم ممارسته خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وتعبر بأسف عن ذلك بقولها :"لا أحد يفكر في هؤلاء الناس، لا أحد يقول لنفسه أنه بالإمكان أن يظلوا هنا وبأن وجودهم سوف يحمل لنا فائدة كبيرة." فمنذ بدأت تلك الإجراءات القاسية في التنفيذ، لم تعد تغلق هاتفها المحمول في انتظار ما ستحمله الأخبار مع كل صباح حيث لا أحد يعرف ما يمكن أن يستجد.

فالخوف هو "أن يصبح شخص ما الأول علي قائمة الترحيل" فهذا يصاحبه انهيار للأشخاص الذين فرضت عليهم الاقامة الجبرية.

انقضى اليوم، ووصلنا لمفترق طريق عنده ننفصل بالقرب من ضفة نهر "دوب". فقالت :"كل يوم نقول اليوم مر بخير والخوف هو من الغد."

نشر التحقيق في مجلة Causes communes الفصلية،تصدرها جمعية La Cimade باريس، عدد يناير ٢٠١٦


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك