موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > ركن الأصدقاء > Rime Ateya > نازحو المناخ: شكل جديد من المنفى .. بقلم ريم عطية .. ترجمة مصطفى نور (...)

نازحو المناخ: شكل جديد من المنفى .. بقلم ريم عطية .. ترجمة مصطفى نور الدين

الأربعاء 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2016, بقلم ريم عطية Rime Ateya

استأذنت ريم عطية Rime Ateya لترجمة بعض التحقيقات التي تقوم بها عن المهاجرين في فرنسا ونشرت في المجلة الفصلية "كوز كومين" Causes communes. ريم (ماستير ٢ "ماجستير" تاريخ وماستير ٢ "ماجستير" علم اجتماع).. صحفية وعضو بهيئة تحرير المجلة التي تصدرها جمعية "لا سيماد" La Cimade الفرنسية المتخصصة في قضايا الهجرة واللجوء السياسي .. الجمعية تم تأسيسها عام ١٩٣٩.

التحقيقات دراسات واقعية بلقاءات مع الباحثين المتخصصين بشأن الهجرة واللجوء السياسي والجانب الغالب من التحقيقات باللقاء مع المهاجرين من كل الجنسيات في المدن التي يتواجدون بها ومع الذين يتولون أمرهم لحل مشكلاتهم من المهنيين وغيرهم من الذين يسهمون في ذلك بعمل تطوعي.
أبدأ بترجمة تقرير يتعرض لأسباب الهجرة على الصعيد العالمي
..................................................................................

تعتبر الهجرات التي تحدث بسبب المناخ تحد جديد للسنوات المقبلة. فبين الحقيقة الفعلية لهذه الظاهرة وما سينتج عنها تتباين وجهات نظر الذين ينشغلون بأمرها. إذ ما العواقب التي تتشكل حول ظهور هذه الفئة الجديدة من المهاجرين ؟

طوال التاريخ الإنساني، تحرك البشر تحت تأثير ظروف المناخ. وكانت أهمية هذا الحراك وليدة للوعي المتزايد بتدهور الظروف البيئية، كما تقول كريستل كورنيل، الأستاذة في القانون العام بجامعة باريس ١٣.
ولأهمية تلك المسألة ينشغل، منذ نحو ثلاثين سنة، المتخصصون في المجال العلمي بتقدير المضار الواقعة على الكرة الأرضية وما لها من تأثيرات على المجتمعات البشرية. فالسكان الذين تعرضوا لهذا النزوح من مكان لآخر هرب نسبة ٥٥ ٪‏ منهم بسبب الفيضانات، و ٢٩ ٪‏ بسبب الزوابع، و ١٤ ٪‏ بسبب الزلازل.
بجانب تلك توجد ظواهر أخرى بطيئة غير أنها ملموسة ويمكن تقديرها كميا بالإضافة إلى أنها ظواهر شديدة التدمير. فالجفاف الذي يلحق ببحيرة تشاد، التي تشكل المصدر الرابع من حيث الأهمية للمياه العذبة في أفريقيا، حرم أحيانا، نيجريا والنيجر من الحصول على المياه وبالتالي التعرض لمخاطر الجفاف الذي يزحف تدريجيا.
تلك الإشكاليات تمس أيضا البلدان المتطورة، مثلما هو الحال فيما يتعلق بمخاطر الهزات الأرضية التي تهدد إيطاليا أو إرتفاع منسوب الفيضان في نهر الدانوب وتشكل حالة من القلق لدول البلقان، غير أن الذين يعانون قبل غيرهم من السكان هم جماعة الروم (الغجر)، الذين يعيشون في ظروف سيئة وأمورهم مهملة من قبل السلطات العامة.
ففي مواجهة هذه الظاهرة يكون السكان الأكثر فقرا هم أول الضحايا. وإذا وسعنا حقل الرؤية على كل المستوايات، نجد أن انعدام المساواة الاقتصادية هي محل القلق الأولي على الصعيد العالمي. فالدول التي تسمى بدول الجنوب هي الدول الأقل قدرة على المواجهة. فمثلا بنجلاديش من البلدان الأكثر ضعفا في مواجهة التغيرات المناخية والبيئية إذ تتعرض لارتفاع مياه البحر، وللغرق وللجفاف وللأعاصير وتآكل التربة. ومن هنا فالهجرة هي واحدة من إستراتيجيات الحفاظ على البقاء لسكانها. بينما بالنظر، لهولندا، حيث يحيا نحو ٦٠ ٪‏ من السكان على أرض منخفضة عن مستوى البحر، فإن المدن تمتعت بمقدرة أكبر على المقاومة، نتيجة نمط التشييد ولمقدرة السكان على التأقلم في مواجهة ارتفاع مستوى مياه البحر.

سيناريوهات تدعو أحيانا للحيطة

تقدر الأمم المتحدة عدد المهاجرين على الصعيد العالمي بنحو ٢٥٠ مليون مهاجر تحت تأثير المناخ. وبطيعة الحال يلزم النظر لتلك التوقعات بحذر إذ تعتمد على حسابات قائمة على معطيات غير معروفة بدقة. فالأمر يتوقف على الكيفية التي نبني عليها بنك المعلومات الذي على أساسه نرسم صورة للقادم. فالمسألة تتحدد أكثر إذا تجاوزت المعلومات ما يخص المهاجرين نتيجة المناخ وحده وتغيرها. إذ لو أضيف لذلك ضحايا الكوارث الطبيعية وحوادث الصناعات فإن تقديرات الأمم المتحدة ترتفع أكثر وهو ما تؤكد عليه الأستاذة كريستل كورنيل بقولها « الأرقام شديدة التذبذب، فبعض التقديرات ترى أن عدد المهاجرين سيصل إلى مليار مهاجر. فسيناريو حركة السكان يتسم بصعوبة خاصة وأنه متشابك مع الظروف البيئية وتغيرها. كل ذلك يحول دون التوصل إلى معرفة أي استراتيجية يمكن تبنيها وكذلك لا نعرف الأثر الذي سينتج من تنفيذها على المهاجرين. »

تداخل العوامل الجوية والصراعات في الهجرة

من الملفت من ناحية أخرى، أن موضوع الهجرات ينتج عنه أحكام مسبقة وتصورات خيالية، لذا يلزم الحذر واليقظة عندما تطرح السيناريوهات الأكثر تشاؤما. وبرغم أن الهجرات تحت وطأة المناخ بعيدة عن اهتمام وسائل التواصل الاعلامية، إلا أن هذا الوجه الجديد للهجرة تم استغلاله من أجل غايات سياسية مستندة إلي تلك الأرقام العشوائية. فكما تقول الأستاذة كورنيل : « يوجد تلاعب في الخطاب من قبل اليمين المتطرف ولكن ليس وحده من يقوم بذلك. فكلمة مثل لجيء أو مثل مهاجر تحت وطأة الظروف المناخية يتم التطرق إليه كما لو كان غزوا لأوربا أو لفرنسا ». والحال هو النقيض من ذلك تماما وعلى عكس الأفكار التي تتردد. إذ أن النزوح يحدث أولا في داخل البلدان الأكثر تعرضا للتغيرات المناخية وأساسا في أسيا وأفريقيا جنوب الصحراء. فالسكان ينزحون من منطقة إلى أخرى، من القرية إلى المدينة. وحركة السكان هذه حركة مؤقتة، دوارة أو دائمة.
ومن الضروري أن يؤخذ هنا العامل الاقتصادي في الاعتبار كما يقول أنطوان بيكو، أستاذ علم الاجتماع في جامعة باريس ١٣. « ففي البلدان المعنية لا تستشعر الطبقات الوسطى التي تعيش في المدن بذات الدرجة وقع الكارثة مثلما تستشعره الطبقات الفقيرة التي تعمل، مثلا، في الزراعة ». فالأثر يكون كبيرا على من لا موارد مالية لهم ولا شبكة علاقات.

تقبل الهجرات

وبرغم أنه بدأ وعي المجتمع الدولي، بصدمة التغيرات المناخية، يأخذ في التغير ويضعه في الحسبان، غير أنه وعي مازال هامشيا. وبحسب الأستاذة كريستل كورنيل تتضمن المباحثات حول المناخ ثلاث ضرورات يلزم العمل عليها معا. أولا، الوعي بأن الهدف من تقليل الغازات التي تؤثر على ارتفاع الاحتباس الحراري سوف يصحبه بطأ في التغيرات المناخية. ثانيا، أن العمل على مسألة التأقلم يعني ما الذي يمكن تقديمه لمساعدة السكان على مواجهة التغيرات المحتملة. ثالثا، يلزم تشجيع ودعم السكان على استباق المشكلة ومصاحبتهم في مواجهتها والعمل علي أن تحصل الدول التي تعرضت لأضرار بالغة على تعويضات عن الخسائر الناجمة.
ففي أثناء انعقاد المؤتمر ٢١ للأمم المتحدة للتغير المناخي، من ٣٠ نوفمبر إلى ١١ ديسمبر ٢٠١٥، حدثت لأول مرة حوارات حول آليات استقبال المهاجرين. وبرغم أن تلك الحوارات لم ينتج عنها ما يمكن أن نطلق عليه باتفاق ملموس وبرغم أن أتفاق باريس الذي عقد بها المؤتمر لا يعتبر كافيا إلا أنه سجل فكرة واقع والاعتراف بحدوث خسائر وأضرار ناتجة عن التقلبات المناخية. وكذا أن ترحال البشر ذاته هو خسارة يلزم تعويضها، وتلك تعتبر خطوة للأمام بحسب الأستاذة كورنيل.
وفيما يتعلق بما يسمى بضرورة التأقلم فالملاحظة التي يطرحها أنطوان بيكو تقول : « إن الخطاب السياسي السائد بشأنه له صيغ متعددة ومنها ما يتكلم عن المهاجرين ويعتبر وجودهم كعلامة فشل لأنه يتوقف عند تقديم العون للبلاد المعنية وضرورة تأقلمها مع المعطيات الجديدة الخاصة بالمناخ ولا يتطرق هذا الخطاب كأولوية لمساعدة المهاجرين أنفسهم. » فالبديل الذي يقدم حتى الآن لا يأخذ في اعتباره الاهتمام بحركة السكان. فالتوجه يذهب نحو المطالبة بأن يظل الأمر محليا وأن تتولى القارات والمناطق المعنية العناية بمشكلة النازحين تحت وطأة المناخ بحسب إمكانياتها الموجودة.

دوافع متشابكة
وبالذهاب أبعد من مسألة المناخ، تدخل عوامل أخرى في الحسابات على مستوى القضايا المحلية بعضها يخص الصراعات أو الأمن الغذائي. فمن الأكيد أن مخاطر المناخ حقيقية للدول القومية المتواجدة على جزر وتتعرض عدة مرات سنويا لغمر المياه لأقدام الذين يعيشون بها ويهددهم بالاندثار. حسبما ترى الأستاذة كوريل. غير أنه في العديد من الحالات تتشابك العوامل وتتداخل بحيث يصعب أحيانا تقدير دور المناخ فيما يحدث. « ففي أفريقيا الغربية، على الحدود التشادية، تأخذ ظاهرة نزوح السكان أبعادا شديدة التعقيد لما يتداخل فيها من أسباب سياسية واقتصادية. »
هذه العلاقات المتداخلة بين العوامل المناخية والصراعات يمكن ملاحظتها أيضا في نيجيريا أو في سوريا وهو ما يدفع لضرورة أخذ المسألة في كليتها عندما يتعلق الأمر بنزوح البشر. وعادة قليلا ما يلفت هذا الانتباه بالمقارنة بوضع المهاجرين في مدينة « كاليه » في فرنسا (حيث توجد معسكرات حجز المهاجرين الذين دخلوا فرنسا دون تأشيرة) إذ أنها ظاهرة ملموسة وواضحة للعين مباشرة في حين تظل ظاهرة الهجرة تحت وطأة التغيرات المناخية ظاهرة مجردة، تتواجد على مسافات بعيدة وينظر إليها كمجرد ظاهرة افتراضية برغم وقوعها فعليا.
فواقع هذه التعقيدات وتشابكها يجعل فصلها صعبا لتحديد ما هو متعلق منها بالتغيرات المناخية ومن الذي يندرج تحت تلك الفئة من المهاجرين الذين يبحثون عن مأوى. وعلى صعيد الموقف الجمعي توجد سبل للمواجهة برغم أن الصعوبات أبعد مما يمكن القول بانتهائها. فعلى سبيل المثال، بعض الجزر في المحيط الهادئ، مثل جزيرة توفولو (البولينيزية)، ‪وجزيرتي كيريباتي وتونجا، يتولى أمرهم برنامج الباسفيك أكسيس كاتجوري، الذي يحدد نسبة معينة من المهاجرين يمكنهم الترحال إلى نيوزيلندا. وحتى الآن، يسمح المعيار بالهجرة فقط لمن يبحثون عن عمل أو يذهبون للدراسة. غير أن هذا النظام ربما يتطور ليسمح بالهجرة لأسباب التغيرات المناخية. ويشكك الأستاذ أنطوان بيكو في إيجابية معالجة مسألة الهجرة بتقسيمها تقسيما متدرجا من حيث المخاطر والأولويات. لذا إذا كانت النية ترمي إلى تأسيس وضعية قانونية تستند على الإجراءات الخاصة بالحالات الفردية فإن القواعد الصعبة التي تواجهها تلك الفئة الجديدة ممن يلتمسون اللجوء الآن سوف تتضاعف وتزداد تعقيدا. وكذلك الحال يلزم التساؤل حول ما يجب عمله حيال المتضررين من الظواهر المناخية البطيئة مثل التصحر. فيقول بأنه " إن عمل فئات متدرجة بحسب المخاطر خطر تماما إذ سيتم تقديم فئة في الأولوية على حساب الأخريات. بجانب أن تلك الفئة ليست بالضرورة فئة مهاجرة كضحية للتغيرات المناخية فهناك أسباب أخرى مثل العوامل الاقتصادية والعوامل الأمنية في الحروب وندرة الأراضي الزراعية. والحال أنه لم تقدم أي حلول لتلك القضايا لا من قبل الدول الغربية ولا من التشريع العالمي. ولذا فهناك ضرورة لمعاودة فحص السياسات المعنية بالهجرة في شموليتها وأن تكون هناك إمكانية لاستقبال البشر سواء كان المهاجر دفعته لذلك ظروف اقتصادية أو سياسية أو مناخية "‬
...........................
الكادر

تعريف للمصطلح

التعريف الذي بلوره برنامج الأمم المتحدة للنازحين بسبب المناخ يرجع لعام ١٩٨٥ ويحدد ما يعنيه بالكلمات التالية : "هم الأشخاص الذين أجبروا علي ترك مكان سكنهم التقليدي إما بشكل مؤقت أو دائم بسبب التدهور التام للمحيط الذي يعيشون فيه (المحيط الطبيعي أو البشري) ويؤدي هذا إلى قلب نمط حياتهم كلية بشكل خطير وينتج عنه اختلال تام لكيف الحياة."
ولأن هذا التعريف لم ينحصر في التعرض لمسألة الاحتباس الحراري فهو يجمع في داخله الظاهرة بإجمالها. أي أنه تعريف يشمل التدهور المناخي (التصحر وتقلص مساحات الأشجار في الغابات، وحوادث الصناعات) ويمتد إلى الكوارث الطبيعية (الأعاصير، الزوابع، الهزات الأرضية، التفجيرات البركانية، الطوفان وحرائق الغابات) ويضاف لذلك التنظيمات الإدارية من أجل مشروعات عامة ينتج عنها اندثار قرى بأكملها.
إن التعرض لكلمة "لاجيء" تفجر حولها حوارات بين أولئك الذين يتكلمون عن العنف الناجم من المنفى وغيرهم الذي يرى أنها كلمة ترد بشكل مبالغ إلى وضعية قانونية. وهو مصطلح يتضمن من ناحية أخرى فكرة اختراق للحدود في حين أن غالبية النازحين يتحركون في داخل مناطق محلية. ومن ناحية أخرى نجد أن كلمة "النزوح" أكثر حيادية تنطبق بشكل أكثر دقة على كل أنواع التحرك السكاني أما كلمة "مهاجر" فيمكن أن تفهم لأنها أكثر شمولا.




ريم عطية
صحفية
عضو بهيئة تحرير مجلة "كوز كومين" Cause communes الفصلية التي تصدرها جمعية " لا سيماد" La cimade التي تنشغل بقضايا المهاجرين واللاجئين. أسست الجمعية " عام ١٩٣٩.
نشر المقال في عدد ٨٨ أبريل ٢٠١٦

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك