الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > القذافي في باريس ملكا!... مصطفى نور الدين

القذافي في باريس ملكا!... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الأهالي (القاهرة) يوم 26 ديسمبر 2007

الأربعاء 26 كانون الأول (ديسمبر) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

القذافي في باريس ملكا!... مصطفى نور الدين

من العسير العثور على مقال واحد في الصحافة الفرنسية يقول كلمة طيبة عن زيارة العقيد القذافي لفرنسا من 10 إلى 14 ديسمبر. فبرغم التصريحات الايجابية للرئيس نيكولا ساركوزي وقف الإعلام صفا واحدا ضدها ومعه كل أحزاب المعارضة من الاشتراكيين والشيوعيين والخضر ويمين الوسط وبعض من اليمين الحاكم.

ولتحليل هذا الرفض مداخل بحسب الأهواء فهو إما صراع حضارات لمن شاء المغالاة أو توزيع الأدوار لمن يرى في ازدواجية الممارسة أمرا طبيعيا أو هو افتعال قضية معارضة للمعارضة أو للمعارضة للظهور أو الميكافيلية أو البراجماتية أو لأن حقوق الإنسان أصبحت سياسة دولية أو في النهاية هي كل ذلك لنستريح.

ولوضع القضية بوضوح يلزم طرح السؤال : كم حاكم أجنبي ينتهك حقوق الإنسان زار فرنسا وتكبله منظمات العالمية في تقريرها السنوي ولا يرتفع ضده صوت ؟ عشرات بالتأكيد. ولماذا الصمت حياله ؟ سؤال مكمل.

فلم يحدث أن شنت حملة ضد أي حاكم مثلما تعرض القذافي. فلم تخلو صحيفة أو مجلة من مقلات عديدة حوله وتاريخه القديم والجديد طوال فترة تواجده وسوف تكون حديث العام في الإعلام.

ولم يحدث أن أثارت القوي السياسية من المعارضة ومن داخل الحزب الحاكم قضية مثلما حدث خلال تلك الأيام. فالانتقاد بدء منذ عرف أن العقيد سيحضر واشتعلت الأجواء مع كل لقاء رسمي معه أو زيارته لأي مكان أو لأي كلمة تفوه بها. ولم يخفف من الحملة لا التفجيرات الإرهابية بالجزائر ولا اغتيال العميد فرنسوا الحاج في لبنان.

وكانت حدة الانتقاد متجاوزة لحدود الدبلوماسية ودخلت في دائرة السب ودون تقديم اعتذار من الرئيس ساركوزي. إذ صرحت يادي راما، وزيرة الدولة لشئون حقوق الإنسان، بأن "فرنسا ليست دواسة ليمسح القذافي عليها أثار الدم العالق بحذائه" و"إنها تأسف من قبلة الموت التي سيبادلها لمضيفه." أي كقبلة يهوذا للمسيح. في حين صرح ساركوزي للقذافي بأنه "سعيد لاستقباله في فرنسا !" وبرغم ذلك لم تقدم الوزيرة استقالة ولم تقال ولكن تراجعت وخففت من تصريحها بعد استدعائها لتوضيح موقفها في قصر الرئاسة إذ سبق وذهبت إلى ليبيا بصحبة الرئيس ووزير الخارجية، برنار كوشنر، في يوليو الماضي، وتعرف بأن الزيارة ستتم ووافقت عليها.

وموقف كوشنر، شبيه واتهمه رفاقه القدامى من الحزب الاشتراكي بالنفاق في جلسة برلمانية وسخرت الصحف من موقفه المتناقض إذ يبرر الزيارة ولم يلتق بالضيوف الليبيين (ربما لأنه مصاحب بلوز حادة كما تقول صحيفة لو موند). فهو ربما يحضر لخروجه من الوزارة بفرقعة إعلامية يحبها كأسلوب ممارسة. إذ صرح كوشنر أن العقيد : "تخلى عن الإرهاب وأصبح احد المتعاونين مع الغرب في محاربته وهي خطوة تستدعي التشجيع وسنكون على حذر حيال تصرفاته في المستقبل." وأثار موقف كوشنر أيضا وزير الخارجية الليبي الذي صرح:"إن سلوك كوشنر مضحك فهو يصرح في الصباح بشئ وفي المساء بنقيضه. لقد حضر إلى ليبيا وتحدثنا وأكلنا ووقعنا معا على اتفاقيات. فإذا لم يكن يرغب في رؤيتنا فنحن أيضا لا نريد أن نراه" !

ويضاف نقطة محورية وهي أن السياسة الخارجية الفرنسية يحددها ويطبقها رئيس الجمهورية. أما وزراء الخارجية أو غيرهم عند الاختلاف العلني مع سياسة الرئيس فليس عليهم إلا التراجع أو الاستقالة. وفي زيارة القذافي تراجعوا وفي ظل فرنسوا ميتران استقال جان بيير شيفينمو، وزير الدفاع، لمعارضته لمشاركة فرنسا في حرب الولايات المتحدة الأولى ضد العراق.
وكأن الأحداث تتواجد بالصدفة. ففي أثناء أيام العقيد عقد البرلمان الفرنسي جلسة استماع لأقول كلود جوليا، السكرتير الأول في الإليزية والذي لعب دورا في المفاوضات مع السلطات الليبية للإفراج عن الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني الذين سجنوا لاتهامهم بنقل فيروس الإيدز إراديا لمئات الأطفال. إذ أن المعارضة الفرنسية كانت قد فرضت تشكيل لجنة تقصي الحقائق لمعرفة الثمن الذي قدمته فرنسا للجماهيرية لقاء هذا الإفراج. وكان أعضاء البرلمان قد طالبوا أن تمثل سيسليا، الزوجة السابقة للرئيس، أمام اللجنة إلا أن ساركوزي رفض وإن كانت سيسليا لا ترفض. فهي لعبت دورا محوريا مازال الغموض يحيط به إذ المباحثات كانت انفرادية بينها والقذافي.

وفي وقت الزيارة فتحت الممرضات البلغاريات قضية ضد العقيد القذافي في المحاكم الفرنسية تخص فترة تواجدهن بالسجون الليبية إذ تتهمن السلطات الليبية بتعذيبهن وتطالبن بالقبض عليه في أثناء تواجده.

وكذا أصدر المجلس الممثل للجالية اليهودية في فرنسا (كريف) بيانا يقول :"يحضر القذافي يوم احتفال فرنسا باليوم العالمي لحقوق الإنسان ولا ينبغي أن ننسى : أن القذافي شجع العديد من العمليات الدموية وأنه صرح أن من حق الضعفاء اللجوء للإرهاب وأنه يمارس التعذيب... وأنه ضد وجود إسرائيل وضد أن تكون إسرائيل عضوا بمشروع السلام الذي تتبناه فرنسا والمتجسد في (الاتحاد المتوسطي). وسيكون فضيحة أن تستقبل ليبيا مؤتمر (دوربان 2) لأنه سيكون تكرارا (لدوربان 1) الذي عقد عام 2001 والذي تحول إلى مؤتمر مناهض للسامية.. ونطالب الرئيس ساركوزي أن يبذل أقصى جهوده ليحول دون انعقاده في ليبيا."

وللتذكير ساد المؤتمر العالمي الثالث لمناهضة العنصرية الذي تنظمه الأمم المتحدة والذي عقد في دوربان بجنوب أفريقيا اتجاه عام يدين إسرائيل لممارساتها العنصرية بعد سنة من انطلاق الانتفاضة الأولى.

ولم يكن أمام القذافي أمام الحملة المنظمة ضده إلا أن يكيل الصاع صاعين. ففي اللقاء الذي عقده بمقر "اليونسكو" مع أكثر من مئة شخصية من المهاجرين قال:"بودي أن أعرف من هذه اللقاءات التي أجريها مع إخوتي الأفارقة خارج إفريقيا السبب الذي جعلهم يمارسون الغضب وأحيانا العنف ويشعلون النيران ويتظاهرون ويتعرضون للقمع نتيجة هذه الأعمال. ما هو السبب ؟ ... هل هناك حقوق ناقصة، حقوق مهضومة، ظلم واقع عليكم ؟ نحن في بلاد مثل فرنسا التي تتكلم عن حقوق الإنسان وأوروبا كلها وأمريكا يزايدون على العالم بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات وحقوق المهاجرين. إذا كان الإنسان الأجنبي والمهاجر الإفريقي في هذه البلدان مضطهدا أو مظلوما أو ليس لديه حقوق فكيف يزايدون علينا بحقوق الإنسان ويسألون أين حقوق الإنسان في بلدانكم ؟ نحن يمكننا الرد بقوة قبل أن تتكلموا عن حقوق الإنسان في بلدان أخرى دعونا نتأكد من أن الإنسان الإفريقي المهاجر في بلدانكم عنده حقوق أو ليس عنده حقوق المواطن الفرنسي أو البلجيكي أو البريطاني هذه بلده وهو يعيش فيها."

وكذا أنتقد العقيد السياسة الدولية التي تتدخل في مشكلة دارفور والتي تتبناها فرنسا وقال :"لو ترك الأمر لأهل دارفور لتوصلوا لحل مشاكلهم." ورد كوشنر في تصريح بأن "ما قاله القذافي بشأن حقوق الإنسان في فرنسا يثير الرثاء."

وكتب المحلل السياسي ايريك فورترينو، بجريدة لوموند، يوم 15 ديسمبر، تحت عنوان : دبلوماسية الخطر. ويحلل فيها السياسة الخارجية للرئيس ساركوزي وتعليل الزيارة التي دامت 5 أيام ولكنها لاحت كأنها الضعف. وأن ما قدم من تبريرات لها تراوح بين الواقعية والعقلانية وكذا البذاءة والاتجار والوقاحة حتى ما خص مسألة حقوق الإنسان... وأنه مع انتهاء هذه المسرحية الهزلية لا نشعر إلا بالضيق الحقيقي"

ويضيف أن "عصب سياسة فرنسا الخارجية هي تلك السياسة الخطرة. نفس السياسة التي أتبعها الرئيس مع بشير الأسد لإيجاد المخرج للأزمة اللبنانية ومع بوتين بتهنئته له بعد الانتخابات البرلمانية المزيفة. وهو نفس الأسلوب التمثيلي الذي اتبعه في الإشادة بأمريكا خالدة وبجورج بوش." وأن تبرير زيارة القذافي الذي يصفه "بالشخصية المتقلبة الأهواء" يتم للبرهنة علي ضرورتها موافقة القذافي على مشروع ساركوزي عن "اتحاد حوض البحر المتوسط" وأنه سيلعب دور (واسطة الخير) في إفريقيا وسيساعد في حماية أوربا من الهجرة غير الرسمية من إفريقيا. بينما هذه الحرارة مع الصين وروسيا فلبيع مفاعلات نووية وطائرات ومنتجات استراتيجية. وأنها نفس الاستراتيجية المتبعة مع حزب الله في لبنان ولما لا مع إيران لو تخلت عن برنامجها النووي." والخلاصة التي يصل لها المحلل لتبرر هذا النمط من السياسة هو "إخفاء ضعف فرنسا الذي سيلوح كلما ذهب ذات المنهج أبعد." ويعني عدم إتخاذ مواقف جذرية مثلما تفعل ألمانيا القوية.

وتقول جريدة "لو كنار انشينيه" الأسبوعية : " أمام عقود بنحو 10 مليار يورو يتوارى قانون الأخلاق ويترك السبيل لقانون السوق". و"القذافي في بلده مجرد عقيد.. ولكنه زبون في فرنسا.. وفي فرنسا الزبون ملك". فالعقيد اشترى 14 طائرة "رافال" في حين أن شركة داسوا المصنعة لم تستطع بيع طائرة واحدة للخارج طوال عشرين سنة وزبونها الوحيد هو الجيش الفرنسي. وكذا سيقوم بشراء 35 هيلوكبتر و21 طائرة مدنية ايروباص (من الشركة التي تمر بأزمة في تسليم الطائرات للخارج منذ أكثر من سنة وأنقذتها دول الخليج بالمشاركة في رأس مالها وشراء العشرات من طائرتها). يضاف أن ليبيا سشتري مفاعلا نوويا لتحلية مياه البحر. وسيقوم الفرنسيون بتشيد مطار وطرق برية سريعة بالإضافة لصيانة المعدات العسكرية والمائة طائرة "ميراج" التي اشترتها ليبيا بعد حرب 1967 وكانت أول من كسر حظر شراء السلاح من فرنسا بحسب العقيد في تصريحه أمام رجال الأعمال الفرنسيين.

فبحسب جريدة "لو فيجارو"، اليمينية، يوم 11 ديسمبر، تحت عنوان " ليبيا تحلم بان تصبح إمارة على البحر المتوسط". ليبيا في حالة انتعاش اقتصادي وتريد أن تصبح إمارة تحاكي أبو ظبي. وبحسب مراسل الجريدة في ليبيا سيصل الإنفاق 12 مليار يورو لهذا العام على تشييد البناء التحتي من طرق وغيره أي ضعف العام الماضي. ورفعت أجور الشريحة المتوسطة من الموظفين بنسبة 50 % هذا العام و الأجور الصغيرة إلى الضعف. وسوف تشيد الدولة نصف مليون مسكن للتمليك بقروض ميسرة تسدد على 30 سنة.

ويشار أن معظم العقود التي وقعت مع حكومة الفرنسية الراهنة تم التفاوض عليها في فترة الرئيس السابق جاك شيراك عام 2004، حسبما صرح وزير الخارجية الليبي. أي أنه ليس بفضل ساركوزي وحده. ولكن انعدم لقاء وزير الخارجية الفرنسية مع الضيوف الليبيين يضع ساركوزي في صورة مندوب مبيعات للشركات الفرنسية.

لقد بذر القذافي الشقاق بين الفرنسيين. واستنتج المحلل السياسي بجريدة ليبراسيون، دانييل شيندرمان،بأن "القذافي هو المنتصر الوحيد على كل الجبهات". فباريس أغلقت لمدة خمسة أيام شوارعها وكباريها ومتاحفها وقصورها لتمر عربات العقيد في زيارته السياحية لمتحف اللوفر ولقصر فرساي ولجولة بمركب على نهر السين."

وبرغم الانتقادات لم تغب عن بعض الأقلام التشديد على الانتقائية التي يمارسها الغرب في التعامل مع النظم. فكتب المحلل السياسي داني سيفير، رئيس تحرير "بوليتيس" المجلة السياسية الأسبوعية المستقلة، على تلك الانتقائية "باستقبال نتانياهو في نفس يوم استقبال القذافي دون أن يتطرق الإعلام بكلمة انتقاد له وهو أول الداعيين للحرب من بين الإسرائيليين وأكثر المتشددين بشأن المستعمرات في فلسطين المحتلة. وكذا ذكر بالعلاقة الفرنسية مع قادة لبنانيين مقربين من الغرب وشاركوا في مزبحة صبرا وشاتيلا".
يضاف عامل هام يتجسد في فلسفة صناعة العقول والرأي العام مع أو ضد الغرب. وهناك أيضا "دم" بين من يصاحبه الغرب أو يلفظه أو يتعامل معه بحذر. فهذا الدم إذا أساله الغرب في حروب ضد مجتمعات أخرى يطالبها بالنسيان وطي الصفحة والنظر للمستقبل. أما إذا أسأل أحد دمه في حروب أو أعمال إرهابية فإنه لا ينسى ويطالب بدفع الدية طوال التاريخ. ففرنسا لا تريد الاعتراف بجرائمها في الجزائر وتعتذر في حين إنها تطالب الاعتذار ممن ارتكب ضدها عملا إرهابيا بإسقاط طائرة وليس بقتل نصف مليون أو مليون جزائري.

ذلك التناقض لا يحفى على المستنيرين من المثقفين الغربيين. وتلك نقطة الضعف في الديمقراطية الغربية والتي تسمى القياس بمعيارين والتي تنطبق أيضا على من يقف مساندا للقوى العظمى المهيمنة في سياستها أيا كانت ويدعون بالمعتدلين. فالغرب يغض النظر عن ممارساتهم الشمولية وانتهاكاتهم لحقوق الإنسان وفسادهم. فالغرب لا يتخلى عن قضية حقوق الإنسان ولكن يمارس براجماتية انتقائية تحددها أساسا مصالحه بكل تنوعاتها وهذا ما يقلل من مصداقيته ويجعل الارتماء الكامل وغير النقدي في أحضانه مأسوي. فمن يشارك الغرب ذات الفلسفة يستفيد ومن يقاوم يعاقب حتى يتراجع.. وما أكثر من تراجع !

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك