الصفحة الرئيسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > الطلبة والعمال في فرنسا: واقعيون.. إذن نطالب بالمستحيل !.. بقلم : مصطفى نور (...)

الطلبة والعمال في فرنسا: واقعيون.. إذن نطالب بالمستحيل !.. بقلم : مصطفى نور الدين

سيحدد التاريخ لاحقا

الأربعاء 16 كانون الثاني (يناير) 2008, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الطلبة والعمال في فرنسا: واقعيون.. إذن نطالب بالمستحيل !.. بقلم : مصطفى نور الدين

للمرة الخامسة في غضون شهرين يتضاعف الغضب الطلابي ومعهم في نفس الخندق نقابات العاملين جميعها. 3 ملايين متظاهر يوم 28 مارس جابوا شوارع أكبر 37 مدينة فرنسية ثم عاد الثلاثة ملاين لمسيرتهم المتمسكة بحقوقهم في مستقبل أفضل يوم 4 ابريل. وهو ما لم تشهده فرنسا منذ عشرين سنة.

والدرس الديمقراطي الأول لرجال السياسة في فرنسا هو التواضع وعدم سبق الأحداث فالمواطنين ليسوا قطيعا يساق. فقلد تجاوزت ثقة رئيس الوزراء بنفسه حدود الممكن عندما أصر أمام البرلمان على أن القانون الجديد للعمل "لن يتم إلغائه أو تأجيل تطبيقه أو تشويه طبيعته". تصريح غريب من رجل سياسة أمام رفض كاسح من الطلبة والعاملين وغالبية المواطنين.

نسى رئيس الوزراء دو فيلبان أن كل الحكومات التي سبقته اضطرت جميعها لسحب القوانين التي تحاول "إصلاح" أوضاع الشباب بقرار فوقي. وأن هذه الحكومات اضطرت لسحب قوانينها التي تقول بأنها إصلاحية. بل أدت هذه الأزمات إلى استقالة الوزير "المصلح" وفي أخرى لاستقالة رئيس الوزراء. واشهر هذا التراجع كان في حركتي الشباب في 1986 و1994. إذن أحيانا يلوح الإنسان وكأنه حيوان لا تاريخ يتعلم منه.

قرار خطأ في وقت حرج: رئيسان للوزارة ؟

اضطر شيراك بعد المظاهرات والإضراب للتدخل في التلفزيون مساء 31 مارس لإنقاذ ما يكمن إنقاذه وأعلن اعتماده للقانون الجديد ولكنه طالب الحكومة بعدم تطبيقه إلا بعد إحداث تعديل بشأن الفترة التدريبية لتصبح سنة بدلا من سنتين وإدراج نص يفرض تبرير فض التعاقد من قبل صاحب العمل.

وبعد دقائق من خطاب الرئيس تظاهر ألاف الطلاب في شوارع باريس والمدن الفرنسية رافضين قرار الرئيس الذي "لم يفهم مطلب الشباب". ورفعوا شعارات: "من يبذر البؤس يحصد الغضب"، "لسنا بمخربين وإنما ناخبين"..و "دو فيلبان يستقيل وشيراك إلى السجن" ! وهذا الشعار الأخير إشارة إلى قضية ضد شيراك حينما كان عمدة باريس وتحميه حصانة رئاسة الجمهورية من المثول للشهادة بشأنها أمام القضاء وهي قضية يحتمل إعادة فتحها بعد انتهاء مدة رئاسته.

أخطأ شيراك باعتماد القانون للحفاظ على دو فيلبان كحصان سياسي للربح في معركة الرئاسة عام 2007. ولكنه حاول إصلاح الخطأ بموقف يتعجب منه اليسار واليمين على السواء وكل المحللين السياسيين. فلقد اعتمد القانون ونشر بالصحيفة الرسمية ولكنه أصدر أمرا بوقف العمل به حتى يتم إدخال تعديلات عليه لكي يرضى به الطلبة والعاملين بفتح نقاش عميق معهم !! أي مسخرة سياسية لم تحدث من قبل في تاريخ الجمهورية الخامسة. إذ لا تريد الدولة "الديمقراطية" التراجع أمام المواطنين الذين أوصلوهم للحكم لتمثيلهم ولكنها تفقد مصداقيتها لديهم لأنها في الوقع تتقهقر. وإصرارها سوف تدفع ثمنه في انتخابات الرئاسة المقبلة لو استطاع اليسار الالتفاف حول الشخص الأكثر قدرة على لم شمله وهو ما لم يحدث بعد.

وقرار شيراك حاول إقامة التوازن السياسي بين كل من رئيس الوزراء، دو فيلبان صاحب فكرة التعديل و نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية، صاحب فكرة تأجيل تطبيق القانون. وكلف شيراك وزير الداخلية بفتح حوار مع النقابات لسماع مطالبهم باعتباره رئيس الأغلبية البرلمانية في التحالف اليمني الحاكم. وبالتالي توارى دو فيلبان صاحب القانون ومفجر الأزمة في خلفية المشهد السياسي. أي "رئيسان وزارة لفرنسا" كما يقول ساخرا جاك لانج، وزير الثقافة السابق في الحكومة الاشتراكية. أي "جاء يكحلها عماها" فالمواطنين لم ينسوا بعد كلمات ساركوزي الجارحة "حثالة وتطهير الشعب"إبان أزمة المناطق الفقيرة والمهاجرين

فالتراجع لا تحدث بشأن قانون عادل. ولكن حجم التراجع لم يقض على كل السيئات بالقانون. فالرفض له لم يحدث من اليسار فقط بل من بعض تيارات اليمين أيضا. وأكثر من ذلك فلقد رفض القانون كل النقابات حتى تلك النقابات القريبة من أصحاب العمل وهو شيء لم يحدث من قبل. وكان الخروج في المظاهرات موحدا بين كل النقابات وهو ما لا يحدث عادة أيضا.

وكان الشعار الذي تحمله صدور المشاركين في المظاهرات هو "الحلم العام" وهو شعار يذكر "بالنشيد العام" للشاعر الكبير بابلو نيرودا. القصيدة العظيمة التي وضع موسيقاها المناضل اليوناني تيودراكيس وتنادي بتحقيق مجتمع إنساني أفضل. و كذا رفع من شارك بالمظاهرة شعارات :"أين العدالة الاجتماعية ؟.. نحو إضراب عام"، "عمل ثابت للجميع". و عبارة الكاتب والشاعر فيكتور هيجو : " شيدوا مدارس.. تقفلون السجون".

عقد ولد ميتا

تراجع المكاسب الاجتماعية في العقد الجديد يشكل تلبية لحماية أصحاب العمل من الرأسماليين ومطلب قديم لهم إذ يحميهم من لجوء العامل إلى القضاء في حالات الطرد غير المسبب. ففترة التجريب في عقود الموجودة (32 نوعا من العقود) تقصر فترة التجريب على 6 شهور بينما العقد الجديد يمد المدة إلى سنتين ثم إلى سنة بعد قرار شيراك.

ومن السلبيات أيضا أن الشاب من 16 إلى 25 سنة يمكن أن يظل سجينا لعقود عمل تنتهي بطرده بعد فترة الاختبار ليدخل في عقد أخر ينتهي بطرده وهكذا. بل أن صاحب العمل نفسه يمكن أن يقبل نفس الشاب مرة أخرى لعقد عمل جديد بعد مرور 3 شهور من طرده ليطرده من جديد !

ونقطة سلبية أخرى بفتح باب العمل للأطفال في سن الرابعة عشر (تحت بند التأهيل ثم دخول سوق العمل بعد سنة). وهي فكرة رئيس الوزراء بعد حوادث الضواحي الفقيرة بتوجيه من يجدون صعوبات اجتماعية لسوق العمل. برغم أن سن التعليم الإجباري 16 سنة. وكذا تناقض الفكرة مع أوربا الموحدة إذ وطبقا لمشروع الاتحاد الأوربي هناك توجه لمد مدة التعليم الإجباري إلى 18 سنة. ومن ذلك يظهر أن القانون الجديد يقلص حظ التعليم العالي للأطفال الذين تمر أسرهم بمصاعب اقتصادية واجتماعية وعدد كبير منهم من المواطنين من اصل أجنبي.

بجانب أن القانون الجديد يتعارض مع المواثيق الأوربية والعالمية التي وقعت عليها فرنسا. إذ ينص الميثاق الاجتماعي الأوروبي على أن "كل العاملين لهم حق التمتع بالحماية في حالة فصلهم من العمل". وكذلك تؤكد وثائق منظمة العمل الدولية إلى "أن الفصل من العمل غير المبرر غير مقبول". وهو ما يتناقض معه الأمر بشأن قانون العمل الفرنسي.

يضاف لذلك انه ليس من حق الدولة إحداث أية تعديلات في تشريع العمل إلا بعد مناقشة التغيرات مع النقابات المهنية وموافقتها على التعديلات. وهو ما لم يحدث بشأن هذا القانون ويفسر غضب كل النقابات ورفضها له.

ويعقد من أزمة المجتمع الفرنسي نظام التعليم الجامعي به الذي يقوم على نوع من الفرز ليبقى النخبة فقط لمواصلة الدراسة. وبالتالي طرد نحو 100 ألف شاب سنويا من الجامعة بعد سنة التصفية الأولى ليدخلوا سوق العمل ولا حظ لهم في إيجاد وظيفة. يضاف لهؤلاء أعداد هائلة بعد سنتين من الدراسة الجامعية بدبلوم يضعهم في نفس الظروف وذلك بتطبيق معايير اختيار تحدد عدد من يواصلون التعليم للحصول على الليسانس أي سنة دراسة إضافية أو طرق باب التعليم العالي في سنتين إضافيتين للحصول على "الماستر" أي الماجستير.

يا نقابات العالم اتحدوا !

ولكن ما هو ايجابي تمثل في أن الحركة النقابية الفرنسية حققت إنجازا هائلا في هذه الأزمة. إذ استطاعت أن تلتقي لأول مرة في اجتماعات موحدة وحركة موحدة لم تحدث منذ 25 سنة في أي صراع اجتماعي أو اقتصادي طوال هذه الفترة. فلقد توحدت حركة كل النقابات المهنية حتى تلك النقابات التي تعتبر تاريخيا قريبة في توجهها من رجال الأعمال.

وما هو ايجابي أيضا هو هذا اللقاء بين النقابات المهنية والنقابات الطلابية. إذ حققت تلك القضية هذا اللقاء حيث لا يتعلق الأمر بمسألة فئوية وإنما تخص كل المواطنين كعاملين أو باحثين عن العمل الآن أو غدا أو أولياء أمور يشغلهم مستقبل الأجيال القادمة.

ومن السابق لأوانه قول كلمة نهائية في نتيجة الصراع. فما يحدث هو صراع سياسي بمعنى الكلمة وليس مؤامرة ضد الحكومة. صراع سياسي نظرا لطبيعة الفترة الراهنة وإعداد كل تيار سياسي لأفكاره للمعركة الرئاسية بعد عدة شهور. فهذا الصراع السياسي مألوف في فرنسا مع كل محاولة للمساس بحقوق تاريخية للمواطنين سواء تعلق الأمر بالعمل أو التعليم أو الصحة أو الإحالة على المعاش... وكذلك من أجل الحصول على مكاسب جديدة في مجتمع تتضاعف فيه الثروة في أيدي قليلة وتعان أكثرية متزايدة.

ولا يستبعد في كل الأحوال التوصل لحوار تدعو له الحكومة وتوافق عليه نقابات الطلاب ونقابات العاملين بشرط الإقرار بأن عقد العمل الجديد انتهى. ولكن ماذا سوف يكون محتوى القانون الجديد ؟ لا أحد يملك ايجابة على السؤال اللغز في نظام يفقد توازنه ويلعب بأوراق خاسرة منذ فترة.

فالغالبية من المواطنين (71 في المئة) تقول بأن شيراك أزاد إشعال نيران الرفض.. وتهدد النقابات باللجوء لأسلوب الإضراب المستمر عن العمل والدراسة إذا لم توافق الدولة على مطالبها. وهو ما يعني التصويت على مواصلة الإضراب يوميا مع القاعدة من الطلبة والعاملين على ضوء ما تقدمة الدولة من مقترحات. وإن كانت بعض العناصر المتبنية للتخريب قد تسللت إلى الحركة الرافضة فإن ذلك لم يمسها في حسن شعاراتها وإلتزام الجميع بإعطاء صورة ايجابية جمعت حولهم غالبية المواطنين.

ومن ناحية أخرى لعب الإضراب دورا هاما. فالضغط السياسي عبر الإضراب العام له فاعلية كبيرة. فالحياة الاقتصادية تصاب بما يقترب من الشلل في المواصلات العامة من قطارات وطائرات وغيرها وبالتالي تضرر كل الأنشطة الاقتصادية. وكذا يؤدي توقف الدراسة إلى اختلال في برامج الامتحانات في شهر يونيو وتأجيلها لسبتمبر. ويؤدي ذلك لخراب الموسم الصيفي. ولكن في الصراع السياسي الديمقراطي يظل الشعار الصحيح هو المطالبة بالمستحيل للتوصل إليه أو على الأقل إنجاز خطوة للأمام.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك