الصفحة الرئيسية > الغرب والشرق > الصهيونية ودارفور... مصطفى نور الدين عطية

الصهيونية ودارفور... مصطفى نور الدين عطية

نشر بجريدة الأهالي - القاهرة في 11 يوليو 2007

الأربعاء 11 تموز (يوليو) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الصهيونية ودارفور... مصطفى نور الدين عطية

نشر في جريدة الأهالي الأسبوعية بالقاهرة في 11يوليو 2007

في يوم 25 يونيو الماضي انعقد مؤتمر عالمي للتضامن مع دارفور في باريس ورحبت الولايات المتحدة بهذه المبادرة التي دعت إليها الحكومة الفرنسية وشارك في المؤتمر وفود من دول عدة باستثناء السودان التي رفضت حضوره. وكتبت صحيفة لوموند الفرنسية تحت عنوان "الولايات المتحدة وفرنسا : وجهتي نظر حيال مأساة". وتبدأ المقالة بالعبارة التالية : "أنقذوا دارفور ! هو النداء المتنامي في الولايات المتحدة تحت ضغط حلقات المسيحيين المحافظين والرأي العام للسود والجمعيات اليهودية والنجوم من أمثال جورج كلووني في حين في فرنسا يصعب تواجد جو مماثل. فالمنظمات المنشغلة بالمساعدات الإنسانية يمزقها النزاع حول المسألة. فمن ناحية التجمع المدعو "عاجل.. دارفور" الذي يدعمه شخصيات مثل برنار هنري ليفي وبرنار كوشنر، قبل أن يحتل منصب وزير الخارجية، يدعو إلى التدخل الدولي. في حين أن جمعيات المساعدات الإنسانية مثل أطباء بدون حدود وأطباء العالم ترفض أن تستخدم جهودهم على الأرض لتبرير استراتيجية عسكرية على النمط العراقي وتراها عديمة الجدوى وخطيرة وتحبذ الضغط السياسي." وللآن يسود هذا الاختلاف.

والرؤية الفرنسية الرسمية الآن تتجسد في موقف برنار كوشنر، وزير الخارجية الفرنسي، الاشتراكي سابقا، إذ هو من أتباع نظرية التدخل الدولي في الشؤون الداخلية لدولة لصيانة ما يدعونه الدفاع عن حقوق الإنسان ولذا كان من المناصرين للحرب الأمريكية ضد العراق وهو نفس موقف نيكولا ساركوزي، رئيس الجمهورية اليميني.

وما يهم هنا هو إظهار الاهتمام الصهيوني في مأساة دارفور إذ تمارس في فرنسا ضغوط مماثلة للمنظمات اليهودية الأمريكية والغربية بشكل عام. فمنذ 2003 تولى الحركات الصهيونية العالمية اهتماما متزايدا بهذه القضية والقائمة تطول بذكر كل المنظمات النشطة وتقدم هذه المأساة بمنظور مريب وتروج لمغالطات ولمعلومات مضللة للرأي العام العالمي وهو يثير غضب الخبراء بشأن بالسودان وإفريقيا.

فعلى سبيل المثال برنار هنري ليفي هو"المفكر" الصهيوني المثالي الذي ذهب إلى إسرائيل أثناء حربها ضد المقاومة اللبنانية والتقى كل كبار المسئولين. وعاد ليكتب صفحة كاملة في جريدة لوموند عن معاناة الإسرائيليين من صورايخ الإرهابيين اللبنانيين. يضاف لذلك أن ذات الشخص هو الذي كلفه تجمع "عاجل.. دارفور" بالذهاب لدارفور ليعد تقريرا عن الأوضاع هناك وعاود نشر صفحة كاملة يوم 12 مارس بذات الجريدة عن دارفور وضرورة التدخل السريع.

وفي 20 مارس الماضي وقبل الدورة الأولى من انتخابات رئاسة الجمهورية قام التجمع الممثل لليهود في فرنسا بعملية ابتزاز لمرشحي الرئاسة بالمطالبة بأن يحدد كل منهم موقفه من المشكلة بشكل علني كجزء من برنامجهم الانتخابي ودعاهم التجمع للحضور إلى الندوة التي خصصوها للمشكلة في باريس وذهب كل كبار المرشحين ووقعوا على وثيقة يتعهدون فيها بتطبيق عقوبات الأمم المتحدة على السودان لو وصلوا لكرسي رئاسة الجمهورية الفرنسية. أي وكائننا أمام تعهد بحل مشكلة فرنسية داخلية ! وكان المتحدث الأساسي في اللقاء برنار ليفي.

وتجب الإشارة إلى أن معظم الجمعيات الأهلية اليهودية والاتحاديات الطلابية اليهودية هي من بين الجمعيات التي شكلت "عاجل.. دارفور" وتشارك بفاعلية في تنظيم كل الندوات العامة والمؤتمرات للمطالبة بالتدخل الدولي. ففي رسالة نشرت على انترنيت من جماعة " صوت الجالية اليهودية في فرنسا" للتعبئة للاجتماع حول دارفور نقرأ فيها مقاربة تدعو للسخرية بين حال اليهود في مصر في زمن الفراعنة وأنهم ظلوا أربعة قرون عبيد للمصرين إلى أن الهم الرب موسى ليحررهم. ويضيف " نحن جميعا اليوم يهود درافور" و الأمل في تدخل الإلهي لا يمنع من تعبئة الرأي العام بكل الوسائل للضغط على الفراعنة الجدد الذين يقهرون شعب دارفور." (وهذا الشعار له تاريخ في البروباجاندا إذ كان شعار حركة 1968 في فرنسا على اثر طرد البوليس للطالب الألماني اليهودي كوهين بنديت، احد زعمائها الحركة حينذاك وعضو البرلمان الألماني الآن ممثلا لحركة الخضر، ورفع المتظاهرون الفرنسيون شعارهم "نحن كلنا يهود ألمان" ليطالبوا بعودته لفرنسا.) فالدعائية تعتمد هذا المزج الدائم بين التاريخ القديم ثم المعاصر لتجسيد معاناة أبدية "تجعل اليهود هم المناضلون لتحرير من يعانون في كل مكان ومن أي جنس ودين." بحسب نص الرسالة.

والتركيز على مشكلة دارفور كاستراتيجية له أبعاد متعددة. فهو يرجع لتخفيف الضغط عن إسرائيل. أي ما يمكن تسميته بعملية الإحلال أو النقل، باقتباس مصطلح في التحليل النفسي. وهو ما يعني صرف النظر عن أمر وجذب الأنظار لأمر بديل يحول دون التفكير في الأول. وما نعنيه عينيا هو صرف النظر عن الوضع المأسوي في فلسطين ولفت الانتباه لأزمة دارفور. ويدفع لذلك سؤ الصورة إسرائيل على الصعيد العالمي بسبب ممارستها.

فالذي يشارك بفاعلية وينظم اللقاءات الواسعة ويضع الطبقة السياسية في موقف الإحراج السياسي للمزايدة هم الجالية اليهودية في فرنسا الذين يهاجمون حماس وحزب الله واحتجوا على حضور الرئيس عرفات للعلاج وتوديع جثمانه كرئيس. وهم المدافعون عن كل عمل عسكري إسرائيلي دون استثناء وهم المهاجمون دون هوادة لأي منتقد لسياسة الحكومة الإسرائيلية متهمين الناقدين بمعادة السامية حتى ولو كانوا من اليهود المستنيرين. والأمثلة لا حصر لها فمن المفكرين والفلاسفة الذين يتعرضون لذلك مثل: الآن باديو وادجار موران وسامي ناعير...

وهناك نقطة ذات أهمية بالغة في استخدام المصطلحات إذ كانت الجاليات اليهودية تحتد بعنف عندما يستخدم محلل سياسي أو غيره كلمتي "جريمة ضد الإنسانية" أو "جينوسيد" أي استخدام كلمة الابادة خارج عملية ابادة النازيين لليهود إبان الحرب العالمية الثانية. والآن بدء اليهود أنفسهم استخدام نفس المصطلح لتبرير الهجوم على سياسة دولة ما طبقا لدرجة العداء معها والرغبة في النيل منها. ومن الشواهد استخدامه ضد العراق بشأن الأكراد وضد تركيا بشأن الأرمن وفي السودان ضد سكان دارفور.. ولا يستخدم بطبيعة الحال ضد إسرائيل في حربها الابادية ضد الفلسطينيين ! فاستخدام هذه الكلمة له كثافة تاريخية وموازاة مع النازية لتعبئة الرأي العام العالمي لتبرير سياسات عسكرية عدوانية لأهداف أخرى.

ولان جانب من الاستراتيجية يستند إلى فكرة جوهرية وهي أن اليهود أقلية مضطهدة في كل العصور وفي كل المجتمعات فدورهم الدفاع عن كل الأقليات المضطهدة المماثلة ومساندة الحركات الانفصالية. فهذه المشاركة مع الأقليات الأخرى تبرير سياسي للدولة العبرية كتجسيد لفكرة حق تقرير المصير في صهرها مع فكرة حقوق الإنسان والخروج بخلطة تبريرية لكل الأقليات والحركات الانفصالية خارج المجتمع الغربي التي انصهرت فيه معظم أقلياته بعد الاعتراف بحقها في تدريس لغتها في المدارس وكذا بهويتها الثقافية.

ولذا فالحملات الدعائية والمظاهرات يشارك فيها بجانب كل قادة الحركة أو ممثليها بجانب ممثلين عن الأقليات الأخرى من كل البلدان. فنجد مثلا الأرمن وغيرهم بجانب عبد الواحد النور، رئيس حركة جيش تحرير السودان من بين المشاركين في باريس في الندوات المنددة بالحكومة السودانية. وتتواجد العبارات المضاهية بما فعله هتلر ضد اليهود وما تعده حكومة السودان لسكان دارفور.

والاهتمام بدرفور مرجعه أيضا تنافس استراتيجي بين القوة العظمى. خاصة بشأن البترول. فظهور كل من روسيا وخاصة الصين في المسرح الافريقي يشكل عامل تهديد للمصالح الاستعمارية التاريخية التقليدية لفرنسا في القارة السوداء والدور المتزايد للولايات المتحدة في العديد من البلدان الأفريقية.

ولعل تحليل وليم انجدهل الاقتصادي والمهتم بشؤون الاستراتيجية العالمية تلخصها مقالته نشرها يوم 20 مايو 2007 عنوانها: " دارفور ؟ إنه البترول يا غبي !". فالتحليل الدقيق لصاحب كتاب: " قرن حرب : السياسات البترولية الانجلو أمريكية والنظام العالمي الجديد" تكشف هذا البعد بجلاء. فمنذ السبعينات واكتشاف المخزون البترولي في السودان والولايات المتحدة لا تكف عن السيطرة عليه. ومن الصدف أن يكون جورج بوش الأب، هو من اخبر الرئيس السابق جعفر النميري عام 1970 بما أظهرته الأقمار الصناعية عن الثروة المخفية في السودان. يضاف لذلك أن الصين بدأت منذ سنوات قليلة إقراض الدول الأفريقية بشروط مسهلة وبأسعار فائدة منخفضة ودون شروط. أي سياسة تحرر هذه الدول من وصايا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فهو عامل جديد يساعد بعض الدول من الخروج من مفرمة النظام الدولي لو استطاعت قيادة سياسية شجاعة ومستقلة الاستفادة من تلك الفرصة.

ويضاف لذلك نقطة جوهرية. فمع عدم التقليل من حجم المأساة التي تدور في دارفور فان مراسل جريدة لوموند وكذا كل الشخصيات التي على علم بما يدور في الواقع السوداني يقرون انه لا توجد مذابح أو "جينوسيد" كما تحاول أمريكا والجمعيات الدينية المتشددة من كل صوب القول بذلك. وهذا ما يؤكده يوم 20 يونيو الماضي رونيه برومان، رئيس جمعية "أطباء بدون حدود" التي تشارك في إعانة السودانيين منذ بداية الأزمة. فهو يؤكد أن الموجود: "هو صراع بين جماعات وفرق مسلحة تتقاتل فيما بينها وان معظم الذين يسقطون موتا هم في غالبيتهم من بين هذه الجماعات المسلحة. ويقدر الخبراء أن عدد الموتى الشهري يصل إلى نحو 200 شخص. وأن ما يتعرض له المدنيين من مخاطر يأتي من هذه الجماعات. فهي التي تدفع الآلاف لهجر قراهم في ظروف صعبة وأن الجمعيات الإنسانية اضطرت للانتقال لاماكن أخرى عشرات المرات في ظل هذه الظروف. وأن هذه الجمعيات تساعد بشكل مكثف هؤلاء المضطهدين. وان ذلك يتم بشكل يمنع حدوث مجاعة. وإذا تدخلت القوات الدولية فان هذه المساعدات ستصبح أكثر صعوبة إذ سوف تنقض الجماعات المسلحة اتفاقها مع الجمعيات الإنسانية لتركها تعمل في آمان وستصبح معاملتهم، في حالة التدخل العسكري، باعتبارهم تابعة لهذه القوات. وبالتالي إعاقة عملهم وتعرضهم للخطف والقتل.

ويكتب يوم 21 يونيو 2007، جان فيليب رومي، مراسل جريد لوموند في الخرطوم، بأن تعريف "الجينوسيد" هو التخلص من جماعة من البشر تنتمي لعرق أو دين بعينه. وما يحدث في السودان لا ينطبق عليه المعني فلا يمكن القول بان العرب يقتلون من ليسوا بعرب فالكل يتعرض للموت بنفس الدرجة."

ويضاف لذلك نقطة أخرى وهي ضرورة الاستعانة بالصين بشكل فعال في التدخل لما لها من مكانة هناك. فهي لا علاقة لها بما يحدث من جرائم كما يحاول الغرب قوله في صراعه معها بشأن الاستثمارات التي تخصصها للسودان وأفريقيا.

والاهتمام بدرفور يشغل إسرائيل التي منحت لمنطقة دارفور 5 مليون دولار هذا العام. وجهزت إسرائيل معسكر طبي في كينيا لمعالجة اللاجئين السودانيين. وفي ذات الوقت مازال بسجونها عدة مئات من السودانيين الذين هربوا إليها عبر الأراضي المصرية طالبين اللجوء السياسي. وصرح رئيس وزراء إسرائيل، يوم 9 يوليو : "أنه بحسب تعريف الأمم المتحدة ما يحدث في دارفور هو "جينوسيد" وأنه من واجبنا استقبال والاهتمام باللاجئين من هذه المنطقة التي تمر بأزمة... فكل اللاجئين الذين ليس بقدرتهم العودة لبلادهم سيتم استيعابهم في إسرائيل." وقد أثارت التصريحات الإسرائيلية بشير طه، وزير الداخلية السودانية، الذي صرح يوم 9 يوليو بان " إسرائيل تشجع هجرة لاجئي دارفور لتشويه صورة الخرطوم."

وفي الختام فإن على مصر ألا يرمش لها جفن لحماية السودان أولا لان "عاشت مصر حرة والسودان" مازال معطى استراتيجي للبلدين الشقيقين. وثانيا لان الالتفاف على مصر يتم من السودان ومن منابع النيل. والملاحظ للاهتمام الإمبريالي بالشرق الأوسط لم يهمل هذا البعد في التوغل في العمق الإفريقي.

والسؤال الذي يفرض نفسه مع متابعة ما تحاول الاستراتيجية العالمية فعله مع السودان هل ستظل الدول العربية وجامعة الدول العربية مكتفة الأيدي لتفقد كل الشعوب استقلالها من فلسطين إلى لبنان إلى العراق إلى السودان وأن تفرض الحلول بالتدخل الخارجي السياسي والعسكري. أي عودة الاستعمار تحت مسميات أخرى؟

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك