الصفحة الرئيسية > فرنسا في ظل نيكولا ساركوزي > الصحافة الفرنسية تقاوم هيمنة الدولة ورأس المال ... مصطفى نور الدين

الصحافة الفرنسية تقاوم هيمنة الدولة ورأس المال ... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي بالقاهرة يوم٣٠ مايو ٢٠٠٧

الأربعاء 30 أيار (مايو) 2007, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الصحافة الفرنسية تقاوم هيمنة الدولة ورأس المال ... مصطفى نور الدين

نشر بجريدة الاهالي بالقاهرة يوم٣٠ مايو ٢٠٠٧

حرية التعبير مقدسة في المجنمع الفرنسي والتجاوزات يتحمل الكاتب عواقبها القانونية ولا تتدخل الدولة مباشرة ضد من ينتقدها مهما كانت درجة الحدة. فالصحافة تمارس سلطتها كاملة وتكشف الفساد ايا كان مرتكبه وهو بعد في السلطة طالما استندت الى معلومات مصادرها اكيدة ولا تكشف مصادر معلوماتها لرجال القضاء تحت آي ضغط. فالقانون وميثاق شرف المهنة والنقابات الصحفية تصمد في وجه السلطتين القضائية والتنفذية مدعمة برأي عام واع كسند. وبرغم ذلك فهناك من وقت لاخر تدخلات ولكن من طرف اخر وهو اصحاب الاعمال من كبار الرأسماليين الذين يملكون الجرائد او محطات الراديو والتلفزيون. وبرغم ان لذلك محدودية الا انه من المفيد تفسيره لما يعنيه من علاقة بالسلطة او بدقة بالدولة. اذ يدخل بشكل مباشر في تشكيل الرأي العام بالسلب او الايجاب وتشكيل العقلية المجتمعية بحسب الايديولوجية التي تعتمدها وسيلة اعلام ما كخط سياسي. فكل وسيلة اعلام او جريدة هي تعبير عن توجه ايديولوجي بالضرورة حتى ولو ادعت الموضوعية والحيادية وهي لا تنف توجهها بل تعلنه. فعلى سبيل المثال تقر جريدة الفجارو اليومية ان شعارها الاقتصادي هو الليبرالية. ويقول سيرج داسو، رئيس شركة فيجارو، ان على الجرائد نشر الافكار الصحيحة لاننا نفطس من انتشار الافكار اليسارية ! وداسو ملياردير ويهيمن ايضا علي شركات الطيارات العسكرية. بجانب انه عضو بالبرلمان في حزب اليمين الذي كان يترأسة ساركوزي وخاض الانتخابات باسمه.
مقاومة ضغوط كبار ملاك وسائل الاعلام دائمة التوفيق اذ يجسدها قناعة حرية التعبير التي يقاسمها معظم الصحفيين المستقلين. والامثلة متعددة في هذه المواجهة المستمرة ضد من يسمون بكلاب الحراسة وهو الوصف الذي يطلق على الصحافيين والاعلاميين الذين يدافعون عن السلطة ورأس المال المتحالف معها عبر علاقات تجارية حيث الدولة زبون اساسي لرأس المال الذي يمدها بالسلاح والمشروعات الكبرى والخدمات. ومن هنا فأصحاب الأعمال من كبار الرأسماليين الذين يملكون الصحف هم من يتدخل للدفاع عن الدولة التي لا تملك الصحف.

فكلاب الحراسة يشغلون موقع منشد الدولة ورأس المال بالغناء للسياسة المرسومة او بانتقاد من ينتقدها او بمنع نشر هذا الانتقاد في وسائل الاعلام التي يسيطرون عليها. والامثلة لا حصر لها في معارك يومية تقودها الصحافة المستقلة وعدد كبير من الصحافيين المدافعين عن حرية الاعلام وواجبهم حيال المواطنيين في معرفة ما يدور في الخفاء.
ونتوقف عند بعض الامثلة. غداة نجاح نيكولا ساركوزي في انتخابات الرئاسة قرر الاستجمام بضعة ايام في مكان غير معلوم وبعد دقائق من وصوله اليه استطاع الصحفيون معرفة انه وصل لجزيرة مالطا ويقضي عطلة على يخت الملياردير الفرنسي بولوريه الذي ارسل له ايضا طائرته الخاصة لتقله من باريس. سبق صحفي معتاد لمهنيين ولكن ما سيتبع هو الاهم. اذ برر ساركوزي قبوله لدعوة الملياردير بانها فرصة لدعوته للعودة وتنشيط اعماله في فرنسا لان الجانب الاعظم من استثمارته تتم في الخارج. واضاف ليؤكد براءة العلاقة ونزاهة سلوكه بانه لا توجد أي علاقات اقتصادية او اعمال بين الدولة وامبراطورية رجل الاعمال واكد الملياردير ذات الشيء. وبعد ساعات قليلة كشفت الصحف عن العديد من العقود بين الدولة والملياردير منذ سنوات مع وزارة الدفاع بل مع وزارة الداخلية حينما كان ساركوزي وزيرا للداخلية !
ولعل واحد من القصص التي مازل يسيل حولها الحبر وتقديم التحليلات حولها هو عدم تصويت زوجة ساركوزي في الدورة الثانية من الانتخابات. فقد منع رئيس تحرير جريدة جورنال دي ديمانش مقالا تحري اثبت فيه الصحفي عدم اختيار سيسليا لزوجها كرئيس إذ لم تدل برأيها. وأدعى رئيس تحرير الجريدة انه قراره الشخصي لأن سيسليا ساركوزي لم ترد على مكلاماته المتعددة على تليفونها الجوال لتنفي ولأن التصويت ليس إجباريا فاعتبر الأمر من الأمور الشخصية. ولكن أثبت الصحفيون ان المسألة أخطر لأن أمر المنع جاء مباشرة من الملياردير أرنو لاجاردير صاحب الجريدة والصديق الشخصي لنيكولا ساركوزي. ولم يقف الأمر عند هذا الحد اذ تسبرب خبر المنع الى كل الجرائد ومواقع الاخبار على انترنيت. وأرسل الصحفيون والنقابات الصحفية ومراسلون بلا حدود بخطابات احتجاج الى الملياردير لتدخله بالضغط على هيئة تحرير الجريدة خالطا بين ملكيته لها وحرية التعبير والنشر. وكانت هناك سابقة أخرى تخص سيسليا منذ عدة شهور حينما نشر رئيس تحرير جريدة فرنس سوار صورة لها مع صديقها المغربي ريشار اتياس، مدير وكالة إعلانات في نيويورك وباريس، وكان ذلك إبان الحملة الإنتخابية وبعد أيام أجبر رئيس التحرير على الاستقالة. والجريدة هي أيضا ملكا لارنو لاجاردير.

ولعل القصة الفكاهية في الصراع بين حرية التعبير والسلطة هي ما حدثت مع بلانتو وهو أشهر راسم كاريكاتير في فرنسا وتنشر رسومه العبقرية بجريدة لوموند. إذ رسم كاريكتير لساركوزي، بعد قراره إبتداع وزارة الهجرة والهوية الوطنية، وعلي كم سترته حرفي الابجدية IN كرمز للكلمتين كما لو كانت شريط رتبة عسكرية وبجانب الرأس ذبابة تحوم. فارسل ساركوزي كلمة اعتراض إلى الجريدة لأن بلانتو وضع ذبابه فوق رأسه. لأن الفنان كان يضع الذبابة فقط عندما يرسم جان ماري لوبن، زعيم اليمين العنصري المتطرف. فما كان من الفنان في اليوم التالي إلا أن رسم نفس الرسم وبدلا من ذبابة واحدة رسم ثلاث ذبابات.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك