الصفحة الرئيسية > على الهامش.. دراسات ومقالات للتحميل > الانطباعية والموضة .. حوار الفن والأدب .. مصطفى نور الدين

الانطباعية والموضة .. حوار الفن والأدب .. مصطفى نور الدين

نشر في مجلة المجلة - العدد التاسع - القاهرة - ديسمبر 2012

الجمعة 8 كانون الثاني (يناير) 2016, بقلم مصطفى نور الدين عطية

يجذب متحف "أورساي" في باريس آلاف المواطنين في طوابير تمتد لساعات في جو مشمس أو تحت سيل لا ينقطع من المطر. فلقد نظم المتحف الواقع على ضفاف نهر السين معرضا فصليا شيقا تحت عنوان "الانطباعية والموضة" بدأ في 25 سبتمبر 2012 وينتهي في 20 يناير 2013.

هؤلاء الآلاف من المشاهدين من الفرنسيين والسياح من كل الأعمار والانتماءات الاجتماعية يشدهم كالعادة الفن ثم جاء موضوع المعرض ليزيد من فضول الجميع. فباريس أصبحت منذ القرن التاسع عشر عاصمة الموضة على الصعيد العالمي.

ونمط الملابس في مجتمع يتغير بحسب تطور المجتمع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. والموضة ليست مجرد أزياء بصيحات متغيرة في كل فصل من فصول السنة ولكنها جزء من تاريخ مجتمع وتاريخ مواطنين ونمط سلوك اجتماعي ونمط حياته اليومية بين العمل والترفيه والثقافة. الموضة هي على نحو ما رؤية الإنسان لنفسه أو كيف يريد أن يراه الآخر ويجسدها في ملبسه وفيما يقتنيه من أثاث وأشياء.

ولقد انحصر المعرض على اختيار لوحات المدرسة الانطباعية وكيف رسم أتباعها المواطنين بملابسهم برغم أن إسهام المدرسة الانطباعية في الفن أوسع كثيرا من موضوع المعرض لتناولها في لوحاتها موضوعات لا حصر لها إلا أن اهتمام أكبر فناني هذه المدرسة بالموضة ملفتا للنظر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

فلقد أنتج معظم كبار الفنانين المنتمين لهذا التيار الفني لوحات مباشرة حول الموضة أو بشكل غير مباشر بحيث يصبح ممكنا التأريخ لملابس ولأزياء تلك الفترة بداية من تلك اللوحات التي حافظت بشكل مبهر على أنماط الملبس التي يعرضها "متحف الأزياء" في باريس.

ولقد تم تنظم المعرض بحيث نرى عرضا للملابس من الأثواب والحلل (البدل) ذاتها التي قام كبار الفنانين برسم شخصيات تلبسها في لوحاتهم سواء كانت شخصيات حقيقية أو لا بحيث نرى الرداء الفعلي واللوحة المناظرة لنرى مدى أمانة الفنان في نقل ما يراه عبر نظرته الفنية الخاصة وما أضافه للفن من تجديد. وهنا تظهر القيمة الفعلية للفن كشاهد على عصر بدقة اللوحة في إظهار تفاصيل الرداء باللون والتفصيل والطول أو القصر بل ومعرفة نوع الأقمشة وهل هي من القطن أو الحرير أو الموسلين ...

ويصنف النقاد كل فنان بحسب المحور الذي شغله أكثر من غيره عند إبداع لوحة تظهر الملابس التي ترتديها شخصيات اللوحة. فمثلا يضعون إدجار ديجا (1834-1917) باعتباره راسم للنساء والرجال في صبغة حداثية أما كلود مونيه (1840-1926) فهو راسم لدغدغة النسيج وأوجست رينوار (1841-1919) كمنشد المرأة والجو المحيط بها.

وتشكل المدرسة الانطباعية لحظة تاريخية لها تفردها في القرن التاسع عشر إذ كانت لحظة الخروج الإرادي من مدارس الفن الاكاديمية التقليدية الصارمة في رسم لوحة إذ كانت غالبية اللوحات مستمدة من موضوع تاريخي أو من الأساطير أو من التوراة والأناجيل إلي جانب الطبيعة. فجاءت تلك الثورة الفنية لتحدث قطيعة مع تاريخ الفن وتطلق حرية الفنان في رسم ليس مايراه بالمحاكاة بدقة صورة فوتوغرافية ولكن للتعبير عما يراه في الحياة اليومية مزاوجا بين الواقعية وما يشعر به أمام مشهد ما.

فالواقعية هنا لها أكثر من معنى فهي تعني أن ما يراه عن بعد لا يمكن أن يتطابق مع تفاصيل موضوع الرؤية لاستحالته فعليا بالعين المجردة ومن ناحية ثانية تعني أن تمثل اللوحات ما هو حاضر فعليا أمام نظر الفنان مباشرة أو يسترجعه للذاكرة بعد مشاهدته. والتخيل أو المخيلة تدخل هنا لتسمح له بتركيز المشهد في تجسيد إحساسه به وما يود إظهاره ونقله كمحور للوحته. ولكن ذلك النهج الجديد لم يعف الكثير من أتباعه من الاستعانة بالنهج الأكاديمي التقليدي في الرسم لمحور موضوع اللوحة غير أن الأبعاد التي أدخلوها في تجديدهم تتمركز حول الألوان المبتكرة في علاقتها بالضوء والظل والانعكاس بجانب الحركة.

فبتأمل كل اللوحات التي أبدعتها تلك المدرسة يلزم التركيز على تفاصيل كل لوحة لملاحظة تلك الخصوصية في انعكاس الضوء والظلال على الملابس أو على المحيط الذي رسمت اللوحه فيه بالإضافة لملاحظة ما لا يقل عن ذلك أهمية ويتمثل في رسم شخصيات في حالة حركة أو وضع يميل فيه على شيء أو ينزع قفاز أو سير إلى غير ذلك. فهذا التجديد سمح بالتلاعب بالألوان وتموجاتها والظلال وسقوطها على بعض من اللوحة بشكل متنوع يمنحها حياة أي اقتراب الرسم من ما هو طبيعي في مشهد اجتماعي حي.

وبطبيعة الحال لا يمكن وضع كل المنتمين لهذا النهج تحت تلك المدرسة على قدر المساواة من حيث الهم الفني ولكن يجمعهم سمة مشتركة وهو سهولة قراءة لوحاتهم.

فتلك اللوحات هنا في المعرض هي مشاهد للحياة اليومية في تعددها وتنوعها. هي لوحات تعكس بدقة حال المجتمع وتأريخ للحظة من لحظاته. غير أنه لا يمكن تصنيف المدرسة طبقيا بأنها مرآة للأرستقراطية والبورجوازية فحسب. لأنه لا يوجد من بين اللوحات المعروضة ما يظهر ملابس الشعب بطبقاته المختلفة وإنما هذا الوسط من الأثرياء والأمراء دون التعرض للملوك والحكام. هذا الغياب لملابس الشعب بكل طبقاته أمر طبيعي نظرا لقصر الموضوع بدقة في الموضة التي تخص في ذلك الوقت الطبقات المترفة.

فالكثير من أتباع تلك المدرسة خصص العديد من لوحاته للطبقات الشعبية في حياتهم اليومية بأزيائهم التي لم تشكل خصوصية وتفرد مقارنة بملابس الأرستقراطية من الرجال وبشكل أخص النساء. فلوحات إدجار دوجا مثلا عندما يرسم أتيلييه صناعة الملابس فهو يرسم عاملة تقوم بحياكة الثوب ويظهر منها تواضع ملابسها مقارنة بالملابس التي نراها في اللوحات الأخرى التي ترتديها نساء من الأرستقراطية أو البورجوازية.

فاللوحات التي تعرض تبين هم الفنان بإظهار تفاصيل ملابس السيدات بداية من الأقمشة المستخدمة في صنعها. فالضوء يظهر في الكثير من اللوحات بشرة من ترتديه عبر أكمام الثوب وتبين ما إذا كان صنع من الحرير أو الموسلين. ثم يأتي الجانب المتعلق بالتفصيل ونوع "قصة الثوب" وطوله وفي أي مناسبة ترتديه المرأة. فلكل مناسبة الرداء الذي يخصها فهو يختلف في الصباح عنه في الظهيرة وعنهما في المساء يضاف أن هذا التنوع يخص أيضا في أي مناسبة سوف يستخدم فهل هو للذهاب للنزهة أم لحفلة عشاء أو إلى المسرح أو الأوبرا إذ أن لكل مناسبة أيضاً الثوب الخاص بها.

واللوحات المعروضة تنفي أنه بذكر كلمة موضة يتبادر للذهن النساء فالواقع يكشف أنه كان للرجال حظهم في عالم الأزياء. فهم يظهرون في اللوحات بأزياء متنوعة وتتميز بأناقة بالغة واعتناء بكل التفاصيل من رباط العنق للحذاء والقبعة والعصى... وفي ظل هذا الاهتمام بالمظهر تجلت ظاهرة ما يطلق عليهم "الداندي" أي الشخص المبالغ في تأنقه لحد رؤية نفسه في ملبسه كجوهر لشخصيته. ولقد سادت في تلك الفترة موضة ملابس الرجال السوداء كعلامة على الاناقة وكأن الرجال اختاروا الاكتفاء بالوجود كخلفية قاتمة وترك الألوان للنساء ليصبحن مثل الفراشات أو الزهور.

هذا التنوع الواسع في الملابس جعل من الفنان التشكيلي ملاحظ وشاهد على الحياة اليومية وكذلك خبير حياكة قبل أن يجسد على اللوحة موضوعها.

ويمكن القول دون مبالغة إن اللوحات التي أبدعها كبار الفنانين من المدرسة الانطباعية فن في متناول الجميع بمعنى أنه ليس بحاجة لفك رموز لمحاولة الكشف عما يقصده الفنان ولكنه تصوير لوضعية مجتمع. لوحات تمنحنا الواقع المعاش كما لو كانت كتابات عالم أنثروبولوجيا. فليست الملابس والأزياء فقط وإنما كل التفاصيل من الأحذية وأنماطها وألوانها إلى القفاز وشنط اليد والمظلات والعقود والحلقان. يضاف لكل ذلك أنماط السلوك في المجتمع واعتزازه بالأناقة كنمط حياة وتعبير وتجسيد لأحد أبعاد الثقافة.

فمن الأمثلة التي تعكس هذا البعد الثقافي ارتداء الرجال والنساء على السواء القبعات فقبعة النساء كانت إجبارية لكل سيدة تنتمي للطبقة الأرستقراطية أو البورجوازية فرؤية شعر المرأة كان حكرا على الزوج فحسب وفي المجتمع عليها وضع قبعة في مجتمع السهرات والأوبرا وغير ذلك.

وتطور هذا الوضع الخانق للمرأة بسرعة بابتداع أنواع من القبعات لا تكاد تخفي الشعر ولكن تتميز بأناقة بالغة وحيل خيالية وصلت لدرجة أن بعض القبعات وضع في قمتها إقصيص به زهور وماء. أي تم التحايل لتحرير المرأة لترك بعض الحرية لشعرها بقبعات متفردة في الابتكار والغرابة تدهش وتلفت النظر ويسعد الرجل الذي بصحبتها بمجاورتها.

فالمرأة هي الموسيقى والمطربة والرجل المصاحب لها كخلفية بأناقته في زيه هو الآخر ولكن هي المشهد والموكب الذي يفتخر بالسير فيه وهي البؤرة ومحط الأنظار.

أدخل الفنانون من الانطباعيين في رسم اللوحات إسلوبا مختلفا عمن سبقهم وخاصة في ابتداع ألوان غير معهودة في النظر للطبيعة وللأشياء ومنح هذه الألوان بريقا ولمعانا بطبقات متجاورة من اللون دون أن تتسم بالانسياب وكأنها أمواج تتابع. ويضاف كما سبق قوله من بين تجديدهم رسم لبعض الشخصيات في لحظة حركة وليس في حالة ثبات كتمثال وهي حركة تمنح الرسم تموجا للجسد وللملابس بشكل طبيعي وتسمح بإضفاء درجات متنوعة للألوان والظلال.

والملاحظ هو أن كل كبار الكتاب الفرنسيين أعطوا لظاهرة الموضة مكانة وإن كانت متفاوتة في أعمالهم الروائية لوصف ملابس شخصياتهم. نجد ذلك عند بلزاك وفلوبير وزولا وموباسان وغيرهم. بل بلغت الموضة لمرتبة من الأهمية في صدور مجلات متخصصة ومن الملفت تأسيس الشاعر الفرنسي الكبير استيفان مالارميه (1842-1898) لمجلة باسم "آخر موضة" التي كان يكتب كل مقالاتها بنفسه تحت أسماء مستعارة.

كان اهتمام الأدباء بالموضة له بعد آخر غير الكتابة عن لوحات الفن. فالموضة تعكس نمط سلوك اجتماعي على مستوى الفرد والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها ويتغير هذا النمط مع فصول السنة ومن سنة لأخرى. يقول الشاعر مالارميه في هذا الشأن : "تأخر الوقت للحديث عن موضة الصيف ومن المبكر التعرض لموضة الشتاء".

فالقرن التاسع عشر شهد تقلبا سريعا في ذائقة المواطنين في طريقة ارتداء الملابس. والاختلاف في متابعة موجات التغير تظهرها اللوحات الفنية والأعمال الأدبية لتجسد من ناحية التباين الطبقي والتباين بين باريس والمقاطعات الفرنسية فتتشكل أسطورة "المرأة الباريسية" كنموذج للأناقة في. مواجهة غير الباريسيات غير القادرات على امتلاك هذا الحس الجمالي في اللبس والتزين وكأن لقاطني باريس أصل وراثي يميزهم عن بقية الشعب. فمن أشهر اللوحات التي تجسد تلك الأسطورة لوحة إدوار مانية بعنوان : "الباريسية". فكأننا أمام ماركة مسجلة هي حكر على سكان العاصمة.

وهناك بعد نفسي في هذا التعلق بمتابعة الموضة والإحساس بالذات في جانبها النرجسي. فالكاتب الكبير جي دو موباسان (1850-1899) في قصة "البريق" يجسد هذا البعد في ذاك الوصف لشخصية سيدة تلبس عقدا : "ربطته حول عنقها، فوق ردائها ذو الرقبة وظلت أمام نفسها في حالة انشراح ثمل."

وتكشف الموضة والتعلق بها ومتابعة آخر صيحاتها الهم للحفاظ على الصورة الطبقية وباعتبارها علامة من علامات الحداثة التي تميز الشخصية. فارتداء رداء بأخر صيحة تم تفصيلة خصيصا لسيدة ما يمنحها تميزها بين النساء حتى وأن قلدها الغير فيما بعد فإنها تظل السباقة في ارتداءه. واللوحات تظهر هذا التسابق الجلي في تنوع الملابس في حفل اجتماعي يرتاده افراد الطبقتين الارستقراطية والبورجوازية.

ولقد أهتم الأدباء مثل الفنانين بالجانب الطبقي ولم تكن شخصيات أعمالهم من يرتدون أحدث الأزياء ويضعون المجوهرات والعطور وإنما أيضاً الطبقات العاملة التي تقوم بالعمل لتصنيعها تلك السلع التي راجت وكانت بدايات المجتمع الاستهلاكي.

فالعلاقة بين الأدب والفن جدلية أيضاً فمن شخصيات الروايات أستلهم بعض الفنانين لوحاتهم مثلما هو الحال في لوحة "نانا" لإدوار مانيه التي استلهمها من رواية الكاتب إميل زولا التي تحمل نفس العنوان ليصور شخصية فتاة هوى. ففي اللوحة نرى "نانا" تتزين بالماكياج بينما ينظر إليها رجل من خلفها متفحصا جسدها.

وللشاعر والكاتب الفرنسي جيوم أبولينير (1880-1918) كتابات غزيرة تابع فيها حركة الفن التشكيلي والنحت وأعمال مئات الفنانين ما بين ١٩٠٢ و ١٩١٨. فكتب حول الانطباعية في ١٩١٠ قائلا عن بول سيزان ودوره : "إن سيزان يتمتع ببساطة متناهية في لوحاته. فرسمه بالاستناد على الطبيعة جعله يركز عبقريته إلى درجة دفعه للانطباعية لتصبح فن فكر وثقافة".

ويقول ناقد الفن التشكيلي ميشيل بوي في كتابه "أخر أوضاع الرسم" في ١٩١١ : "إن كل الفنانين الكبار في القرن التاسع عشر لا يمثلون الفن الكلاسيكي.. إن الرسامين الجدد هزوا القواعد وقلبوها للعثور على قوانين الفن من جديد".

فلا يمكن الفصل إذن في داخل الحركة الثقافية الفرنسية في ذلك الوقت بين الأدباء والشعراء والفن التشكيلي إذ كان أبولينير من أوائل من دافع عن فن كل من "ماتيس" و"بيكاسو" وهما يخطوان أول خطواتهما الفنية ضاربين عرض الحائط في لوحاتهما بتقاليد صارمة في الحكم على الإبداع الفني. ولقد تعرض الكاتب الكبير إميل زولا للطرد من الجريدة التى كان يعمل بها لأنه دافع عن لوحات إدوار مانيه. وهذا يكشف إلى أي حد من يرسمون بالفرشاة بحاجة لمن يدافع عن حرية إبداعهم من قبل أصحاب القلم.

ولقد كتب إميل زولا أيضا حول اوجست رينوار فعلق على لوحة "ليز" قائلا :"أنها أحدي نسائنا أو بالأحرى أحدي عشيقاتنا رسمت بتنوع ثري وبحث موفق عما هو حديث فهي تتمايل بجسدها اللدن في جو حار بعد الظهيرة وتحمي وجهها بمظلة من الدانتيل الاسود. وأجمل من بسمتها وأجمل من كل كلمة رداء الموسلين الأبيض البسيط الذي ترتديه ويحكي ما الذي سيحدث بعد تلك النزهة فهو إما قهوة تحتسى وسط الطبيعة أو حفلة رقصة أو مطعم فاخر".

ويقول إميل زولا بشأن كلود مونيه :"هذا الشخص رضع من لبن عصرنا. أنه يحب نسائنا ومظلاتهن وقفزاتهن ومناديلهن وحتى شعورهن المستعارة وبودرة أنوفهن.. يحب كل ما يجعلهن بنات حضارتنا."

في رواية زولا "من أجل سعادة النساء" نجد هذا الانبهار بالموضة طوال صفحات لوصف ملابس النساء في المحلات الباريسية الكبرى .. وصف لما نراه في لوحات الانطباعيين وكأن هناك حوار متواصل بين الأدب والفن التشكيلي.
ويحدد إميل زولا موقفه من الفن في تجليه عند الانطباعيين بقوله :"لست بحاجة للدفاع عن موضوعات حديثة. فهذه القضية انتصرت منذ زمن بعيد. المسألة هي ضرورة تشجيع فنانينا على إعادة انتجنا على لوحاتهم كما نحن عليه ببدلنا وبعاداتنا."

ولبلورة رؤية متماسكة حول الانطباعية يلزم رأي أهل خبرة ومن ذات المهنة ولذا تعتبر شهادة فنان حول الفن وتطوره ونظرياته من الشهادات المفيدة لأنها كشف عن فلسفة ذاتية وموضوعية في الآن نفسه. فمن بين الشهادات الهامة كتابات الفنان التشكيلي الكبير فرنان ليجيه (1881- 1955) التي تم جمعها وصدرت بعنوان "وظائف الرسم" (1965). إذ يطرح ويجيب عن السؤال الجوهري : ما الذي تمثله لوحة ؟ ويقول فيما يخص الانطباعية بأن دورها في تاريخ الحركة الفنية يتمثل في تخليها عن القواعد التي سادت قبلها وفي كل العصور. أي التخلي عن قدسية الشيء الذي يشكل موضوع اللوحة أي التخلي عن قدسية الشيء واعتباره موضوعا نسبيا وليس مطلقا.

والتخلي عن الالتزام بأن تكون اللوحة ملتزمة بوجود خطوط وأشكال وألوان. فالشيء لدى الانطباعية أيا كان ليس هو موضوع اللوحة الجوهري وإنما الألوان في علاقة كل لون بالآخر هو المعيار الأساسي.

ويضيف بأن سيزان بلغ في تاريخ الفن ذات المكانة التي حققها مانيه قبله بعدة سنوات. فهما فنانان مرحلة انتقالية. إذا أن مانيه ببحثه وبحساسيته ترك بالتدريج الطرق التي اتبعها من سبقه ليصل إلى الانطباعية التي يعتبر دون أدنى شك أكبر الخالقين فيها".

ويضيف بأن ما يعنيه رسام من المدرسة الإنطباعية بلوحة رسم بها تفاحة حمراء في طبق أزرق ليس لا التفاحة ولا الطبق ومطابقة أي منهما لتفاحة حقيقية أو لطبق وإنما العلاقة بين اللونين الأحمر والأزرق.

فاللون وتموجه والإضاءة وانعكاس الضوء في درجاته المختلفة هي شاغل الفنان. وأدى هذا التجديد إلى التخلي عن محاكاة الطبيعة والتخلي عن الخطوط والشكل فاللوحة هي الألوان أولا. وكل محاكاة في لوحات الانطباعية تحدث فقط لتجسيد موضوع اللوحه.

فمع الانطباعية ينتهي مفهوم الرؤية الواقعية وتبدأ مرحلة واقعية التصور. ويؤكد سيزان هذه الفكرة بقوله : "الرسم على الطبيعة لا يعني لفنان من الانطباعين رسم الشيء ولكن تجسيد مشاعر".

وذهب شارل بودلير (1821- 1867) أبعد من مجرد التطرق سريعا للفن التشكيلي. فبرغم أنه يعد في المقام الأول من أكبر الشعراء فلا يجب نسيان أنه أيضاً من أكبر النقاد ومن هنا محاولته المساهمة في بلورة نظرية في علم الجمال. ومن أهم كتاباته النظرية "غرائب جمالية" و"الفن الرومانسي" و"رسام الحياة الحديثة".

ما له دلالة أن بودلبر أطلق على نظريته "مابعد الواقعية". هذا الاختيار الواضح لذلك المفهوم شكل الاعتراف الفعلي بحركة الفن التي مثلها تيار الانطباعية الذي هدم بلوحاته علاقته بالواقعية الي سادت الفن حتى ما قبل ظهور هذا التيار. ويجدر الإشارة إلى أن تلك أول حركة فنية متسقة وجماعية سعت لقلب قواعد الفن الاكاديمي الكلاسيكي بشكل واع وبداية من موقف نظري واضح لدى أتباعه برغم ما سيلحق بعد ذلك بصعوبة وضعهم جميعا فيما بعد في ذات التيار نتيجة للتطور الشخصي لبعضهم وتصنيفهم في تيار آخر. ولكن يمكن الحسم بأنها كانت ثورة وفتحت الباب لكل ما سيحدث بعد ذلك من تطور في الفن التشكيلي حتى الآن.

يختلف بودلير مع رؤية هيجل الفلسفية للفن. فبحسب بودلير إن دور الفن هو مخاطبة المشاعر والحلم وليس العقل.

ففي مقاله الطويل "رسام الحياة الحديثة" الذي كتبه في ١٨٦٣ يواصل عرض نظريته الجمالية في الفن التشكيلي.

وملخص الأفكار الأساسية للشاعر تتمركز في انشغاله أساسا بالفن التشكيلي الذي يعبر عن أنماط السلوك في الحاضر. ولا يجحد بودلير قيمة ما أسهم به الفن الكلاسيكي لأنه كان يمثل حاضر من أبدعوه غير أنه يلزم الإقرار بأن في الحاضر المعاش يوجد فن معاصر له جمالياته التي تتسق مع مطالب من يحيون في المجتمع في ذاك الحاضر.

ويضيف بأن أهمية الفن الآن ككل وقت هي في أنه عندما يبدع الإنسان ما هو جميل فإنه يؤثر فيه وينطبع على نمط حياته وسلوكه.

فالغاية التي سعى بودلير إليها هي كما يقول "بلورة نظرية عقلانية وتاريخية للجمال. نظرية تخالف نظرية الجمال الأحادية والمطلقة. فما هو جميل له بعد خالد وبعد عارض. والأخير يشتمل على العصر والموضة والأخلاق والعاطفة. فالازدواجية في الرؤية نتاج ازدواجية الإنسان ذاته.

فالفنان يبحث بحسب بودلير عن شيء يمكن تسميته بالحداثة غير أن تلك الكلمة لا تعتبر في نظره معبرة بدقة عما يبحث عنه الفنان. فالفنان يحاول عبر الموضة التوصل لما هو شعري فيما هو تاريخي واستخلاص الخالد من العابر.

وفي الختام يمكن القول أنه أيا كانت النظرية التي يطبقها الفنان التشكيلي فإن ما يبدعه يعكس لحظة تاريخية تطول أو تقصر تعكس البعض من ملامح العصر الذي عاش فيه وكيف رأى هذا العصر. هذا الموقف يتجسد في جماليات تختلف بحسب الفنان وما يريد التعبير عنه ليقول في العالم كلمة أو يذهب لعالم من التصورات لخلق عالم آخر على هواه. أما الموضة فهي تواصل طريقها وتغيرها من فصل لآخر ومن بلد لآخر وينشغل بها اليوم طبقات اجتماعية واسعة. بل يمكن القول أن بعض صيحات الموضة يرى البعض فيها علامة من علامات الانتماء الاجتماعي أو الطبقي بجانب تمايز الأجيال.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك