موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الغرب والشرق > مفكرو فرنسا يحتشدون ضد الإرهاب .. د. مصطفى نور الدين

مفكرو فرنسا يحتشدون ضد الإرهاب .. د. مصطفى نور الدين

الثلاثاء 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015, بقلم مصطفى نور الدين عطية

في كل المرات أعلن الحداد وذرفت دموع وأقيمت مراسم التعازي على ضحايا الإرهاب ولم توقفها بل يلوح أنها شعائر تلهب غريزة الموت لدي الإرهابيين فيواصلون بتوحش مضاعف جرائمهم. فمن جز رؤس إلى حرق للضحايا إلى تقديم أجسداهم وقودا وقربانا ليزيد من معدلات الموت.

لم يكن اختيار الإرهابيين للهجوم على باريس اختيارا عبثيا فيوما الجمعة والسبت هما يوما خروج الفرنسيين لأوجه الاستمتاع المختلفة بعد أسبوع عمل شاق. وبعد الرعب بأيام مازال أثره على الحياة إذ مازال يعم خوف يعكسه صمت عام في المواصلات العامة وقلة للسائرين في الطرقات على غير العادة.
وإن كان هناك إجماع على الحداد فالاختلافات تدور حول الإجراءات الاستثنائية التي فرضتها الدولة وحول موقف فرنسا والكيفية التي تواجه به القضايا العالمية.
فهناك رؤى أخرى تضع يدها على سبل أخرى لمواجهة داعش.

إدجار موران

فالمفكر إدجار موران يرى أنه :"يمكن كسب الحرب ضد داعش ولكن ليس فقط بإحلال السلام في الشرق الأوسط وإنما أيضا بإحلال السلام في ضواحينا". إذن فهناك بعدان الأول خارجي حيث يدوم منذ عشرات السنين الصراع العربي الإسرائيلي وما تلاه من صراعات أخرى في المنطقة. وثانيا هناك صراع غير خفي في قلب فرنسا التي يدوم إهمالها لضواحي باريس.
وصف موران الست عمليات الإرهابية « بأنها الانتشار السرطاني المرعب للشرق الأوسط" وعبارة "سرطان الشرق الأوسط" كانت عنوان واحدة من مقالاته في ٢٠٠٢ هاجم فيها إسرائيل وطالب بحق عادل للقضية الفلسطينية واتهمه اللوبي الصهيوني في فرنسا بسببها بمعادة السامية ورفع قضية ضده حكم عليه فيها ثم تمت تبرئته في الاستئناف.
فبحسب موران لكي نكسب الحرب في فرنسا يلزم أولا تحقيق السلام في الشرق الأوسط. ويضيف بأن القوى الغربية بذرت كل ما هو مؤسف في ساحات المعارك في الشرق الأوسط بطائراتها وقاذفتها.

جان بيير فيليو

ويحذر جان بيير فيليو، الخبير في قضايا الشرق الأوسط، من أي تدخل عسكري بالمشاة على أرض التقاتل. إذ لو حدث مثل هذا الأمر فهو الجنون بعينه لأنها ستؤدي إلى تعبئة المزيد من الإرهابيين الجدد.

دوني سيفير

ومن المواقف المتميزة ما كتبه دوني سيفير، رئيس تحرير مجلة "بوليتيس" السياسية الأسبوعية المستقلة. فقال بأن الشعار الصحيح هو المقاومة الداخلية فالحياة أقوى من الموت. وهي ليست دعوة لترك الصراع يتعفن مع داعش كما هو الحال في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فهناك منظمة التحرير وحماس وسيكون هناك داعش أيضا إذا دامت حالة انعدام العدالة الراهنة في هذا الصراع الذي يدوم منذ عشرات السنين.
أما فيما يخص سوريا فإذا أستمر ضرب داعش هناك فمن المؤكد أن هذا لن يمنعها من تعبئة المزيد من الأتباع. فالمشكلة الجوهرية لنهاية داعش لن تحدث إلا بإبعاد بشار الأسد. فداعش هي نتاج الأزمة المزدوجة في العراق وسوريا وهو ما يستلزم حلا سياسيا حقيقيا.
ومن جهة أخرى فلا يجب نسيان أن من قاموا بالعمليات الإرهابية جاءوا من بلجيكا إلا أنهم فرنسيو الهوية. وبالتالي يلزم التساؤل حول ما يجري في قلب المجتمع الفرنسي وكيف أنتج البعض من المهمشين والمجرمين فهذا يكشف عن مجتمع يحيا حالة من التعاسة.
وعلى صعيد أخر فالسياسة الرامية لفرض حالة أمنية وما يجسده خطاب الرئيس فرنسوا أولاند الحربي فهو يجر نحو خطاب سياسي يميني بل يميني متطرف بما يتضمنه من مبالغة بعمل معسكرات حبس لبعض الذين لم ينطق عليهم حكم قضائي وهو أمر يقلق تماما.

دو فيلبان

وكان صوت دومنيك دو فيلبان، وزير الخارجية في ظل الرئيس الديجولي جاك شيراك، وعارض مثل شيراك الحرب على العراق في خطاب شهير في مجلس الأمن بالأمم المتحدة عام ٢٠٠٣. أعلن دو فيلبان موقفه ضد شعار أن فرنسا في حالة حرب. فالحرب تكون بين دولتين وداعش ليست إلا مجموعة إرهابية فلا حرب معها بالمعنى السياسي إذ ليست طرفا للحوار أو المفاوضات لعمل هدنة أو عمل معاهدة سلام. فالأخذ بمبدأ أن فرنسا في حالة حرب هو فخ يرضي غرور الجماعة الإرهابية ويمنحها الإحساس بقوتها وأهميتها.
ويضيف بأن داعش هي نتاج للسياسات الخاطئة للغرب في العراق وسوريا تشارك فيه فرنسا. هي نتاج التدخل في أفغانستان وفي العراق وليبيا حيث منذ عشر سنوات لم تزداد الأمور إلا سوءا. فليس على فرنسا أن تقود الحرب في الشرق الأوسط لما سوف يقود إليه من تعبئة قسم من السكان هناك ضد فرنسا. فالشرق يمر بأزمة وجروح قاسية. أزمة من الحروب ومن انعدام العدالة نتيجة الفساد وعوائد البترول وغير ذلك.
ففكرة الحرب ضد الإرهاب ليست السبيل السليم فلم تفلح حرب من هذا النوع ضد الإرهاب. فلا يمكن كسب حرب ضد أيد خفية بسلاح عسكري تقليدي. ويلزم عدم نسيان أننا نتحمّل جزءا من المسؤولية في خلق "الدولة الإسلامية" بالحروب المتتابعة التي تعرضت لها البلدان العربية والإسلامية. فما سينتج عن إتباع ذات السياسة التي أثبتت فشلها ستقود لنوع من التعاضد من تلك الأقليات في البلدان العربية والإسلامية ضد فرنسا وسنكون هدفا لها في أي مكان.
فما يلزم هو البحث عن استراتيجية أخرى لمساعدة دول المنطقة لتقود بنفسها المعركة وليس دورنا إلا تقديم الدعم والنصح لها. فالبلدان الخليجية لديها نحو ٦٠٠ طائرة مقاتلة حربية أي لديهم المقدرة للدفاع والتخلص من تلك الجماعات الإرهابية.
ففرنسا تتبع الولايات المتحدة في حين أن دورنا هو التوسط والبحث عن حلول.

شيفينمو

ومن وجهات النظر الهامة ما يقوله جان بيير شيفينمو، الذي شغل مناصب وزارية من ١٩٨١ إلى ١٩٩١، في ظل حكم الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران، ثم قدم استقالته كوزير دفاع اعتراضا على دخول فرنسا في التحالف الأمريكي في الحرب ضد العراق. يقول شيفينمو يمكننا كسب الحرب إذا فهمنا جيدا بأن عواقبها التي تجلت لدينا هي نتاج التداخلات من ناحية للعالم العربي الإسلامي ومن ناحية ثانية الصراع الحاد الذي نعيشه في مجتمعنا. فالمشكلة السورية حاضرة في الصراع ونراها بوضوح. وفيما يخص مجتمعنا فالجمهورية لم تقم بما كان عليها وتضع إمكانياتها لنهاية لانعدام العدالة والتجريم وانعدام المساواة بين المواطنين.
ويعتقد شيفينمو أن الحرب ضد الإرهاب طويلة الأجل وقد تمتد لأكثر من ١٠ سنوات وتستلزم وحدة داخلية من مواطني الجمهورية من كل أصل ودين.

بونيفاس

وتأتي قراءة الكاتب المتخصص في قضايا الشرق الأوسط، باسكال بونيفاس لتؤكد على أن ضرب داعش قد يضعفها ولكن لن يضع نهاية لها. فبرغم القول أنها ليست دولة إلا أن الواقع يقول غير ذلك فهي تحتل أرضا بثرواتها وتتحكم في شعب تحت سيطرتها وتقوم بحرب داخلية وخارجية. غير أن ما حدث في باريس هو نقلة كيفية في الإرهاب العالمي. وأن القيام بحرب برية قد تضعفها غير أنه يعني ضرورة احتلال الأرض ودرس الحرب العراقية رادع لتلك الفكرة. فحرب العراق هي التي أنجبت داعش. فالحرب على الدول السنية أن تقودها وأن تكون في الجبهة الأمامية لأن داعش من هدفها إسقاط هذه الدول.

صوفي فانيش

وربما تأتي كلمات المؤرخة صوفي فانيش، مديرة الدراسات في المركز القومي للأبحاث، للتعبير بدقة عن البؤس الداخلي في المجتمع. تقول بأن فرنسا تعكس حالة من التناقض بين مبادئها المكتوبة عن الجمهورية وقيمها والواقع. يكفي النظر "لغابة مدينة كاليه" التي يتواجد فيها المهاجرين الذين عبروا الحدود بشكل غير رسمي والذين لم يسمح لهم بالدخول ويظلون دون بلد ينتمون إليها. فالرئيس يطالب بأن تكون فرنسا دون رحمة غير أن هذا ليس هو المستقبل المنشود وإلا أصبحت في حرب ضد داعش وحرب فيما بين مواطنيها الذين يبحثون عن مثل ومكانة ولا يجدون لا هذا ولا ذاك. فنحن في حاجة لمثل سياسية إنسانية تشجع حقيقة ولا تدفع لأن يحقق الإنسان وجوده بالموت كاختيار.

روجيه ماتي

ويقول روجيه ماتي، المؤرخ اليساري، أن الحرب بالمعنى المعلن لن يزيد الصراع إلا تفاقما على الصعيد العالمي والدليل هو ما نتج عن اعلان "الحرب ضد الإرهاب" من قبل الولايات المتحدة ونرى عواقبه فلقد تم التخلص من بن لادن، ربيب الولايات المتحدة، ولكن مازالت القاعدة متواجدة وخرجت داعش من بينها وتواصل دورها.
فالمفهوم الأمريكي أستبدل صراع الطبقات بالصراع بين الحضارات. فالفوضى العالمية يحكمها اليوم السوق والتنافس الاقتصادي وتتحكم في العالم مؤسسات تقود السياسة نتج عنها عولمة مالية وانعدام عدالة في النمو واختلالا وشعورا بالعنف الواقع على الفقراء والمهمشين.
والمشكلة أن فرنسا تبنت بدورها فكرة الحرب بين الحضارات وبالتالي تتبنى سياسة الحلف الأطلسي التدخلية. ولم تدافع عن قضية فلسطين ولم تتبنى على النقيض سياسة الرئيس أوباما مع إيران.
والحرب ضد داعش لن يكون لها من معنى إلا على قاعدة مزدوجة وهي الديمقراطية والعدالة. وهذا ما يستلزم خروج فرنسا من السياسة العالمية التي يحكمها الحلف الاطلنطي وتتبني سياسة تنمية اقتصادية إنسانية وسياسة لدعم السلام. وهو ما يستلزم أيضا مساهمتها في إعادة تشييد الأمم المتحدة لتلعب دورا مغايرا لما تقوم به الآن وتتحكم فيه القوى العظمى وبدون فاعلية.
نختتم تلك السطور بالقول بأن ما وقع من عمليات إرهابية في مصر ولبنان وفرنسا وغيرها يبرهن على أن مآسينا « أممية » بالضرورة وليست محلية أينما كنا والواقع عليها شهيد. فلم يعد هناك جبهة قتال. فكل ركن في العالم أصبح جبهة مواجهة احتمالية .. لم يعد هناك مكان آمن للعيش.
والتجزئة التي تتعرض لها بلدان الشرق تتجسد في شعار « الخلافة » الذي يعني تمزيق الشرق إلى جزر عرقية ودينية وقبلية … وبجانب هذه الرغبة في التفتيت يوجد العديد من السيناريوهات القديمة له وبسببها يأتي الخلاف والصراع المسلح الذي يقوده من ناحية جماعات التكفير ومن ناحية أخرى الدول الامبريالية التي صنعت تلك الجماعات منذ التدخل السوفيتي في افغانستان ثم انقلب بعضها على صانعها بعد أن اشتد عوده وتمكن من أرض يتحرك عليها كقاعدة انتشار يتحقق بالفعل إلى جانب أن البعض منها يشارك في سيناريوهات أخرى مع الإمبريالية. وكل هذه السيناريوهات غايتها السيطرة على مصادر الطاقة والمواد الأولية وطرق المواصلات البحرية وترسيخ نظام أحادي لدوام تبعية تلك المجتمعات.
فلقد خلقت النظم الغربية "جماعات التوحش" من أجل تلك الاستراتيجية ولم تضع في اعتبارها مطالب شعوب المنطقة فعصفت تلك الجماعات بالشعوب وتعض ذيل خالقها من حين لآخر حينما يتخلى عنها لحليف بديل.
وكل هذه الاستراتيجيات على تنوعها تتناقض مع آمال شعوب المنطقة التي تم إجهاض ثوراتها الواحدة تلو الأخرى وتحول بعضها إلى كوابيس في ظل الجماعات الإرهابية والأخرى مازالت خاضعة لنظم غير ديمقراطية سلطوية.

مقالي الذي نشر يوم الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠١٥ في جريدة القاهرة المصرية .. يمكن تحميل نسخة pdf من أسفل

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك