الصفحة الرئيسية > الشرق وغموض مستقبله > في المسألة الغربية : من الذهب الأسود إلى إيديولوجية الشر ... بقلم : مصطفى (...)

في المسألة الغربية : من الذهب الأسود إلى إيديولوجية الشر ... بقلم : مصطفى نورالدين

نشر بجريدة التجمع (القاهرة) ١٧ سبتمبر ٢٠٠٥

السبت 17 أيلول (سبتمبر) 2005, بقلم مصطفى نور الدين عطية

في المسألة الغربية : من الذهب الأسود إلى إيديولوجية الشر ... بقلم : مصطفى نورالدين نشر بجريدة التجمع (القاهرة) ١٧ سبتمبر ٢٠٠٥

الشرق يلوح كسبب حياة وممات للغرب. فالمسألة الغربية الوجه الأخر للمسألة الشرقية و " الرجل المريض " اليوم أو بدقة المتمارض هو الغرب وهو الذي تتهدده المخاطر! فلا شاغل له يقلقه في سياساته الداخلية والخارجية قدر هذا الشرق معبر تجارته الدولية وفيه يتدفق الذهب الأسود صمام أمان الحضارة الصناعية ويقال أن منه ينبع " صدام الحضارات " وان منه تتولد " إيديولوجية الشر " وان منه تأتي كل المخاطر من الإرهاب إلى القنابل الذرية المحتملة....

وإذا كانت " إيديولوجية الشر" تلخص كل المخاطر نظرية وفي الممارسات فالمجتمعات الغربية تحتاط بدء بالقوانين ضد العنصرية ومعادة السامية وكذا ضد المفاعالات النووية الشرقية.. ليس كلها بالطبع ! وإنما تلك التي يسعى" محور الشر " لامتلاكها.

وان كان لكل من الخير والشر مراجع وتفسيرات منذ كتاب الموتى لدى قدماء المصريين فان " لإيديولوجية الشر " تأويلات فلسفية وقانونية ويمكن أن ترتكب باسمها كل السياسات.

وبدء من تفسير لإيديولوجية الشر قامت انجلترا بوضع قواعد تعاقب على مجرد الكلام من قبل المتشددين أو لمجرد الاحتفاء بفعل عنيف. فقد وضع توني بلير الخطوط العريضة للسياسة الجديدة الخاصة بطرد اللاجئين السياسيين وتسليمهم لدولهم. وحددت هذه السياسة الفئة المعنية بأنها من " تغذي أو تبرر أو تعظم من العنف الإرهابي". أي الذين يشكلون خطرا على المصالح الوطنية. وهو ما يلخصه مصطلح " السلوك غير المقبول " الذي اختلفت حوله التفسيرات البريطانية ويثر حوارات رافضة من قبل الذين ينادون بحرية التعبير.

والانتقادات لهذه الإجراءات لم تأت فقط من القوى السياسية البريطانية بل أيضا من الأمم المتحدة على لسان مانفريد نوفاك Manfred Novak المسئول بهذه الهيئة عن قضايا التعذيب. إذ صرح لجريده الجاردين يوم 25 أغسطس في مقال " الأمم المتحدة تقول لكلارك : الطرد غير شرعيي Expulsions illegal, UN tells Clarke" : فطرد وتسليم اللاجئين السياسيين لدولهم الأصلية متناقضة مع وثائق حقوق الإنسان التي وقعت عليها بريطانيا. ورفض وزير الداخلية البريطاني شارل كلارك انتقادات الأمم المتحدة بقوله "بأن حقوق الإنسان التي تخص من ماتوا يوم 7 يوليو أهم من حقوق الإنسان المتعلقة بمن قاموا بهذا الفعل".

و تتنافى الإجراءات أيضا مع وثائق حقوق الإنسان الأوربية التي ارتبطت بريطانيا بها وكذا مع اتفاقيات جنيف لعام 1951 لرعاية حقوق اللاجئين. فبريطانيا بتطبيقها لهذه الإجراءات ترسل الأشخاص إلى بلدانهم وسوف يعرضهم ذلك لسؤ المعاملة والتعذيب حسبما يقول بيتر كيسلر Peter Kessler المتحدث الرسمي باسم وكالة إغاثة اللاجئين.

وكتبت ماري ريديل Mary Riddell في مجلة الابسورفير الأسبوعية The Observer بتاريخ 14 أغسطس مقالا ساخرا من هذه الإجراءات بعنوان "الأوبرا الفكاهية لتوني بلير Tony Blair’s comic opera" وصفت بها "سياسة الحكومة للطرد بأنها تعدي على الحقوق الطبيعية والحقوق القانونية". وتضيف أن البريطانيين بهذه الإجراءات المنافية لكل المبادىء يبيعون أرواحهم مثل فاوست. وان الثقة أصبحت غير موجودة مع الحكومة منذ ظهور أكذوبة أسلحة الدمار الشامل العراقية ثم أهرامات الذين تعذبوا في سجون ابوغريب".

وعلق عمدة لندن كين ليفينجستون Ken Livingstone يوم 24 أغسطس بقوله : "انه سيطالب بفحص هذه الإجراءات طبقا لاختبار نيلسون مانديلا. " لو كانت هذه الإجراءات موجودة في بريطانيا من 20 سنة فهل كان سيطرد أتباع مانديلا من بلدنا لأنهم كانوا يؤيدون عمليات تفجير القنابل ضد النظام العنصري في جنوب افريقية ؟" وأضاف ساخرا "لو أن الإجراءات تقصد إمام مثل يوسف القرضاوي فإنه لن يظل إلا قليل منهم لأنهم في غالبيتهم يعتبرون القضية الفلسطينية قضيتهم." وكان ليفنجستون قد نشر مقالة يوم 4 أغسطس في الجاردين بعنوان "ثلاثة طرق لتضمن سلامتنا جميعا Three ways to make us all safer" يقول : " بأنه يلزم لتحقق هذا السلام التعاون مع البوليس من قبل كل الجاليات وان تتم معاملة الجاليات الأخرى كجزء متساوي من المجتمع البريطاني فعليا وليس نظريا. وهذا يعني ان ننسحب من العراق. فكل هذه العوامل متشابكة." ويضيف: " إذا كان سيعاقب من يدعم الفلسطينيين على أساس أن الفلسطينيين يقتلون مدنيين إذن يجب معاقبة القادة الإسرائيليين الذين قتلوا في العديد من المرات مدنيين فلسطينيين أكثر عددا."

وليس هناك خير من ختام الحديث عن بريطانيا إلا بكلام رسمي سري يتناقض مع الخطاب العلني. ولذا نقتبس فقرة من الرسالة التي نشرتها مجلة الاوبسرفر تحت عنوان " العلاقات مع الجالية المسلمة Relations with the Muslim community ". وهي وثيقة من سير ميكائيل جاي Michael Jay إلى اندرو تورنبول Andrew Turnbull من فورين اوفيس بتاريخ 14 مايو 2004. يقول سير جاي : " توصلنا في تقصينا إلى الأسباب وراء التشدد الذي يمس بعض من الجالية المسلمة وهي : التمييز discrimination وقلة الفرص disadvantageو الاقصاء exclusion, ولكن جانب آخر يخص سياسة بريطانيا الخارجية خاصة المتعلقة بعملية السلام في الشرق الأوسط والعراق."

فرنسا-إسرائيل

العامل المشترك الأكبر: الحرب ضد الإرهاب

اندهش العالم بالحفاوة بشارون في فرنسا وكذا بمدح شيراك في إسرائيل. ففي عام 2003 نشرت صحيفة معاريف صورة شيراك تحت عنوان " المتعاون" . وهو وصف للمتعاونين مع النازية. وذلك لرفضه إدانة رئيس وزراء ماليزيا بسمة معادة السامية. وفي نوفمبر 2004 قال احد الصحفيين من نفس الجريدة لسفير فرنسا في إسرائيل بأن الحفاوة التي قامت بها فرنسا حيال جثمان عرفات "دليل على أن الفرنسيين براز (خرة)."

وقامت إسرائيل بحملة دعائية عن تصاعد معادة السامية في فرنسا وطالب شارون اليهود من الفرنسيين بالهرب بسرعة من فرنسا إلى إسرائيل لتحاشي موجات معادة السامية التي يتسبب فيها المسلمون التي تبلغ نسبتهم 10 في المئة من سكان فرنسا.

ووصل الأمر بان أرسلت إسرائيل بعض الموفدين سريا إلى فرنسا للاتصال بأفراد من الجالية اليهودية لتحثهم إلى الهجرة مما أثار زوبعة واحتجاجا فرنسيا وحاولت الجالية اليهودية تهدئة الأمر.

فما الذي جد منذ ذاك ليعتبر كل من الجانبين أن الأمور تحسنت ؟
أولا : الاتفاق على عدم التعرض للخلافات والاتفاق حول ما هو متفق عليه.
ثانيا : العامل المشترك الأكبر الذي قرب إسرائيل من فرنسا تمثل في موقفها من "إيديولوجية الشر " برغم عدم تعرضها لقنابل من الشرق. وهذا يعني سياسيا أنها إجراءات لكسب أصوات اليمين المتطرف في الانتخابات القادمة 2007 وكذا أصوات الجالية اليهودية أو بشكل اخص تأثيرها في تعبئة الأصوات. وهذا ما قالته صحيفة هآرتيس الإسرائيلية عشية وصول شارون لباريس ولكن بلغة أكثر وقاحة إذ قالت أن شارون جاء لينقذ شيراك من الوضع الصعب الذي يمر به ! وهو تعبير لا غموض فيه ولكن لو قاله غيرها فإنه سيتهم بأنه معاد للسامية.

فمن بين ما جعل الاقتراب الإسرائيلي الفرنسي ايجابيا هو الموقف من إيديولوجية الشر. ولخص ذلك شارون حينما اثني على السلطة الفرنسية لسياستها لمواجهة الإرهاب ولموقفها من المسالة اللبنانية وإرغام سوريا على مغادرة لبنان وكذا موقفها من المسالة النووية الإيرانية ثم بشكل خاص نضالها بنشاط ضد معادة السامية.

فالغزل الذي نجده في عبارة وزير الداخلية نيكولا ساركوزي ليس عفويا وهو الفارس الذي يريد أن يربح ضد شيراك. فلقد صرح: "بان كل اعتداء على يهودي هو اعتداء على الجمهورية ". فلو شملت العبارة كل الأديان لكانت رائحة الانتخابات أقل نفاذا.

فضيحة قضائية

إذن بشأن " إيديولوجية الشر " حدثت بفرنسا ذات السياسات التي سوف تتم ببريطانيا بطرد لبعض خطباء المساجد المتشددين قبل الإجراءات البريطانية الأخيرة وكأن وزير الداخلية الفرنسي يريد المزايدة ولكسب أصوات اليمين المتطرف أيضا.

ومن ناحية أخرى كانت قد تفجرت واحدة من اكبر الفضائح القضائية وان كانت غالبية المواطنين لا تعلم بها. ولم يتعلق الأمر بدعوة للعنف من قبل احد المهاجرين المتشددين بل تعلق بثلاث من المفكرين الفرنسيين لنقدهم السياسة الإسرائيلية !

فلقد صدر من محكمة فيرساي في أواخر يونيو الماضي حكما بإدانة دانيل سالناف Sallenave وسامي ناعير Nair وادجار موران Morin " بالقذف العنصري diffamation raciale" في مقالة " إسرائيل- فلسطين : السرطان Israel-Palestine : le cancer" ونشرت بجريدة " لوموند " يوم 4 يونيو 2002 وتحمل توقيعهم. وجدير بالذكر أن ثلاثتهم من اشهر مثقفي فرنسا ومن المدافعين عن حقوق الإنسان ولهم دور هام في العلوم السياسية والاجتماعية خاصة موران (83 سنة وهو يهودي من أصل يوناني) الذي يعد من اكبر المفكرين المعاصرين في العلوم الاجتماعية وله عشرات الكتب من أهمها " المنهج " في خمسة أجزاء.

وقد عبرت المقالة عن معاناة الفلسطينيين تحت الاستعمار الإسرائيلي وتساءلت " كيف يمكن لليهود الذين عانوا آلاف السنيين من الاضطهاد أن يضطهدوا الفلسطينيين."

وردا على هذه الإدانة تشكلت لجنة من مئات المثقفين لتدافع عن هؤلاء المفكرين وعن حق المثقف في نقد سياسة دولة أيا كانت. وان نقد سياسة شارون ضد الفلسطينيين ليست معادة للسامية. ويذكر أنه ليس من السوابق في تاريخ فرنسا فيما بعد الحرب العالمية الثانية قوة تمنع النقد وحرية الصحافة إلا في فترة حرب الجزائر حيث دفع الكثير ثمنا باهظا لمناصرة الثورة الجزائرية.

ممنوع الكلام

لإكمال الصورة بشأن العنصرية نذكر أن دومنيك دي فيلبان، رئيس الوزراء الراهن، حينما شغل منصب وزير الداخلية كلف طبيبا بكتابة تقرير عن العنصرية ومعادة السامية في فرنسا.

Chantier sur la lutte contre le racisme et l’antisémitisme وقدم الطبيب تقريره "ورش النضال ضد العنصري ومعادة السامية " في شهر أكتوبر 2004.

والطبيب روائي ويدعى جان كريستوف روفان وحائز على اكبر جائزة أدبية فرنسية عام 2001 " جونكور " عن روايته "احمر برازيل". و كان نائب رئيس جمعية أطباء دون تخوم وحاليا رئيس جمعية مناهضة المجاعة بفرنسا.

المشكلة أن الكاتب المناضل في مجال الجمعيات الإنسانية خلط الأوراق ليس بزلة قلم أو عدم علم وإنما مع سبق الإصرار والترصد. فمبالغته في خلطه بين اليهودية كدين والأيديولوجية الصهيونية. فهو يطالب باعتبار النقد الحاد للصهيونية كمعادة للسامية وكذا انتقاد إسرائيل بعنف. بل أكثر من ذلك فهو يعين التربة الجديدة لنمو واتساع معادة السامية أي بحسب تعبيره "معادة الصهيونية الحديثة". فهي تنمو في تحليله ليس فقط وسط المهاجرين المغاربة وإنما أيضا وسط الحركات النازية الجديدة والحركات المعادية للاستعمار والمناهضة للعولمة والمعادية للعنصرية وحركة العالم الثالث والمدافعين عن البيئة. فهي ممثلة بشكل كبير في وسط اليسار المتطرف المنادي بنظام عالمي مغاير ووسط الخضر. وان مؤتمر دوربان الذي انعقد قبل ثلاث أيام من 11 سبتمبر 2001 شكل اكبر عرض لمعادة الصهيونية العنصري." !!

وأثار التقرير نقدا واسعا من قبل الإعلام فهو يلقي حسب تعبير الصحفي بيير مارسيل بصحيفة ليبراسيون‘ " زيتا مقدسا على النار" إذ يؤجج الفتنة ولا يحاول فهمها أو مواجهتها بشكل سليم. ويريد أن يكمم أفواه الصحافة الفرنسية التي لا تملك أمام ما يشهده المواطنين إلا الإقرار بخطورة ما تقوم الحكومة الإسرائيلية به من انتهاكات لحقوق الإنسان وللقوانين الدولية ولا يدعمها إلا الولايات المتحدة برغم كل التقارير التي تصدرها منظمة حقوق الإنسان والجمعيات التي تتواجد في فلسطين لمساعدة اللاجئين بما في ذلك منظمات الأمم المتحدة.

ففي الكثير من الأحيان يشهر بعض الكتاب و المفكرين أقلامهم ليطالبوا بالكف عن المذابح وإعادة الحقوق إلى الشعب الفلسطيني. والويل لهؤلاء الكتاب من الأقلام الكثيرة التي تشن حملتها عليهم مبررين لمجازر شارون بأنها دفاع عن الوجود وضد الإرهاب. وتتزايد حدة الاتهام بوصم من ينتقد السياسة العدوانية لإسرائيل بأنه معاد للسامية. وبرغم ذلك فإن ما طرحه التقرير لم يمر بل أثار حملة نقدية ضد الطبيب الروائي من الصحف التي لا يمكن القول بأنها مناصرة للفلسطينيين وإنما تمارس دورا صحفيا لا يخفى بعده النقدي للممارسات الإسرائيلية.

اصل الحكاية ؟

تتكرر حوادث اعتداء على أماكن عبادة ومقابر يهودية وإسلامية ومسيحية. وفي أحيان يتعرض البعض للسب أو الاعتداء عليه جسديا.

ويصرخ كل معتدى عليه: عنصرية أو معادة للسامية. ويذهب كبير من الحكومة بدرجة وزير على الأقل و أحيانا رئيس جمهورية لإبداء الاستياء والتعاطف مع المتضرر خاصة في حالات الاعتداء التي توصف بأنها ضد السامية.

وفيما يخص حوادث الاعتداء لم يتم القبض إلا نادرا على أي من فاعليها لكي يثبت أنها بالفعل ذات طابع عنصري سواء ضد المسلمين أو اليهود أو المسيحيين. بل في المرتين الأكثر حداثة في الوقوع وتدخل رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بخطب متوعدة لمن تعدى على اليهود ثبت في المرة الأولى أن السيدة التي قالت بان عربا اعتدوا عليها في احد قطارات الضواحي ومزقوا ملابسها ورسموا على جسدها الصليب الهتلري ثبت أنها لفقت الأمر وتقدم الآن لمحاكمة هي وزوجها. والحادث الآخر الأكثر خطورة كان تعرض المركز الثقافي اليهودي للحرق. وهو مركز يقع في حي يسكن فيه عدد كبير من اليهود ويخضع للرقابة الشديدة. وفي هذه المرة ذهب رئيس الوزراء ليعلن تعاضده وضرورة الإمساك بالفاعلين. وبالفعل تم القبض على الفاعل الذي لم يكن إلا الحارس اليهودي السابق للمركز الثقافي والذي قام بهذا انتقاما لطرده من عمله منذ فترة.

وذات الشيء يقال عن الاعتداءات على المساجد والكنائس ففي كل الحالات لم يقبض على الفاعل ولكن الإعلام يركز على أن الفعل معاد للسامية. ويؤكد على هذه الحقيقة التقرير السنوي الذي تعده وتقدمه لرئيس الوزراء اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان بفرنسا منذ 15 سنة. وتشير اللجنة في تقرير 2004 إلى تزايد عدد حالات الاعتداء ذات الطابع العنصري والمعادي للسامية. وإلى أن العداء الذي يكشف عنه الاستطلاع الذي قامت به وكان في الماضي موجها ضد المهاجرين من المغرب العربي أصبح الآن موجها ضد الإسلام. وربطت اللجنة بين ارتفاع عدد الحوادث منذ ربيع 2003 وبدء الحرب ضد العراق.

محور الشر= إيديولوجية الشر: العفريت الإيراني

محور الشر تعبير قديم تزاوجه مع إيديولوجية الشر وتطبيقه على إيران يظهر نوايا ليست خفية من الإدارة الأمريكية. فالتهديدات الراهنة لإيران ليست مدهشة. ولقد أدلى هنري كسينجر بدلوه في المسألة قبل قرار إيران باستئناف الأنشطة النووية. ففي حوار نشر يوم 14 يوليو 2005 في " كونسي اون فورين ريلاشنيز Conseil on Foreign Relations .. يقول كسينجر " لا أنصح بعمل عسكري ضد إيران في حالة رفضها الحوار حول المسألة النووية ولا أنصح أيضا باستبعاد هذا العمل العسكري". وأضاف لتكتمل الحلقة بين محور الشر وإيديولوجية الشر:" إذا ما رفضت إيران فذلك يعني تعدد مراكز التواجد الذري في العالم. فعلينا أن نسأل أنفسنا ماذا كان سيكون عليه العالم لو أن الذين فجروا القنابل في لندن استخدموا أسلحة ذرية ومات 100 ألف شخص !".

لم يكن خفيا أنه بانتصار التيار المتشدد في إيران أم لا سوف تثار المسألة النووية من جديد ورفض الثبات الذي فرضه الصمت الأوربي. فمعاودة بعض الأنشطة النووية اخذ معناه في الدفاع عن المصالح الوطنية الإيرانية والتصدي للتدخل الغربي.

وهذا التدخل يتجاوز الجانب النووي إذ أن إيران أدرجت فقرة في الاتفاق المعني بالمسألة النووية المعقود بينها والدول الأوربية الثلاث (فرنسا وانجلترا والمانيا) في نوفمبر 2004 على " التزامها بمحاربة الإرهاب بما فيها القاعدة والتزامها من جانب آخر بدعم الجهود الجارية في العراق من اجل إصلاح سياسي ودستور جديد." هذه الفقرة النشاز في نص كله فني يتعلق بمسالة الالتزام بإيقاف الأنشطة طوال فترة الحوار بينها والدول الأوربية تم إضافتها، دون شك، لإرضاء الولايات المتحدة لكي لا تحيل المسألة النووية إلى مجلس الأمن لتوقيع عقوبات على إيران ولكي تسمح للأوربيين بلعب دورا في السياسة الدولية ولو مرحليا.

وبرغم أن الصدف في التاريخ نادرة اختلقت الولايات المتحدة واحدة عندما أعلنت إيران عزمها على مباشرة الأنشطة النووية. فكتب اريك شميت في ذي نيويورك تايمز مقالا يوم 6 أغسطس الجاري. أي نفس يوم رفض إيران اقتراحات المجموعة الأوروبية حول المسالة النووية. وعنوان المقال: "يقول الأمريكيون أن بعض القنابل المستخدمة في العراق من صناعة إيرانية Some bombs used in Iraq are made in Iran, U.S. says"

ويقول المقال : " أعلنت مصادر عسكرية أمريكية بان " بعض القنابل التي تستخدم ضد القوات الأمريكية والقوات العراقية تم صنعها في إيران وبالتالي جاءت إلى العراق من هناك وبناء عليه فهناك تزايد في المساندة الخارجية للمتمردين". ولان مخابرات الولايات المتحدة على علم بكل شيء فان حقل المعلومات وسع ليشمل حماس الفلسطينية. فالمخابرات تؤكد أن " الجماعات الإرهابية الفلسطينية حماس تستخدم ذات الأسلحة ضد إسرائيل.. وبالتالي ولتكون المعادلة محكمة فان الفرضية التي تضعها المخابرات الأمريكية أن الأسلحة التي تأتي للجماعات المقاتلة في العراق تأتي عن طريق حماس الفلسطينية و الحرس الإيراني الشيعي.. "

وصرح بعدها بيوم وزير الدفاع الأمريكي بصحة هذه المعلومات ثم أعقبه بوش بعدم استبعاد عمليات عسكرية. ولا داعي لجهد لإدراك أن الولايات المتحدة تريد ضرب عصافير كثيرة بحجر واحد. من ناحية وضع بذور خلاف بين شيعة العراق وشيعة إيران الذين يساعدون السنة إذن ضدهم بتسليح المقاتلين برغم زيارة وفد من " الحكام الجدد " العراقيين لإيران قبل أيام.

وقد رد وزير الدفاع الإيراني يوم 8 أغسطس على صفحات جريد الوفاق الإيرانية بان هناك دول تحاول أن تجعل من إيران عفريت المنطقة والذي يجب للحماية منه الاستعانة بالولايات المتحدة.
وقد أدلى يوم 17 أغسطس وزير الخارجية العراقي بحديث لجريدة الحياة يذهب فيه إلى التشكيك في معرفة مصدر تسرب الأسلحة ولكن يؤكد أنها تدخل من الحدود العراقية الإيرانية.
وعاودت مجلة تايم Time في عددها بتاريخ 22 أغسطس تأكيد نفس المعلومات عن مصادر المخابرات الأمريكية والبريطانية وعن وثائق تقول بأن الذين يستخدمون السلاح الجديد تم تدريبهم في لبنان من قبل حزب الله.

ومن ذلك يتكشف مغزى القرار 1614 الذي صدر في أوائل أغسطس ويطالب الحكومة اللبنانية أن تكون وحدها المسئولة عن بسط قواتها في الجنوب. أي بقول آخر تجريد حزب الله والمقاومة اللبنانية من أسلحتها.

الصدفة الثانية المكملة تمثلت في حث الولايات المتحدة إيران على قبول الاقتراحات الأوربية لحل الأزمة. وهو تغير في موقف الولايات المتحدة التي كانت رافضه للمساعي التي تتم في الحوار الإيراني-الأوربي بشأن هذه المسالة وتطالب بعرض المسألة على مجلس الأمن لتوقيع عقوبات بإيران.

وطبعا لم يحدث هذا التغير في موقف الولايات المتحدة نتيجة لزيارة بشار الأسد لإيران في هذه الأيام ولا لزيارة وفد من حزب الله. وما نشرته الصحف الإيرانية مثل طهران تايمز حول الاستراتيجية السورية الإيرانية ومع حزب الله لمواجهة الولايات المتحدة والصهيونية. فكل هذه صدف. ولكن تراكم الصدف يفتح باب التساؤلات عن دور الصدف في التاريخ ؟

والمطالبة الأمريكية بالتعقل وقبول الاقتراحات الأوروبية يشكل حلا سهلا للولايات المتحدة. إذ برغم أرادتها ضرب إيران لا تعرف كيف سوف تكون عليه الأحوال في المنطقة بعد ذلك ولا كيف يمكن ضبطها.
حمل المقال من أسفل

في المسألة الغربية : من الذهب الأسود إلى إيديولوجية الشر

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك