موقع مصطفى نور الدين عطية

الصفحة الأساسية > الثورات العربية > الثورة على الديمقراطية البذيئة وعلى تحطيم العقل.. مصطفى نور الدين

الثورة على الديمقراطية البذيئة وعلى تحطيم العقل.. مصطفى نور الدين

الجمعة 25 كانون الثاني (يناير) 2013, بقلم مصطفى نور الدين عطية

تستمر الثورة التي لم تتوقف منذ انطلاقها منذ عامين .. تستمر ضد الديمقراطية البذيئة وضد تحطيم العقل. فما يحاول النظام المهيمن على دولة ما بعد سقوط مبارك هو تحديدا تحطيم العقل المصري بنفي تاريخ و"فبركة" مستقبل في قطيعة مع حركة تاريخ شعب وفي قطيعة مع ما أعلنته ثورة 25 يناير من قيم ومطالب وطموحات.

"بذاءة الديمقراطية" عنوان كتاب المفكر "رويجس دوبريه" لا ينطبق على حال مصر لغياب الديمقراطية بالمعنى المتعارف عليه في الأدب السياسي. في كتابه عن فرنسا ينتقد بلهجة قاسية أوائل فترة رئاسة نيكولا ساركوزي التي بالغ فيها في النجومية وخلط حياته الخاصة بالحياة العامة واتخاذ قرارات فوقية إلى جانب تجاوزات لغوية في حواره مع المواطنين سجلتها الكاميرات وخرجت كلماته الجارحة تلقائيا وهو ما يعني إخراج ما بداخله دون أن يضع في الاعتبار وظيفته كرئيس دولة وجب التزامه بآداب السلوك. وظلت سقطاته طوال حكمه مدة خمس سنوات تلاحقه في الإعلام كوصمة ولم يتمكن من تجديد فترة الحكم لفترة أخرى وهو ما لم يحدث مع من سبقه من الرؤساء. أما "تحطيم العقل" فهو كتاب من جزئيين للفيلسوف جورج لوكاش يتتبع فيه الفكر اللاعقلاني الذي قاد إلى الفاشية والنازية.

في مصر في ظل النظام الرجعي الظلامي الحاكم يجسد الخطاب السياسي كل من البعدين فهو يسعى لتحطيم العقل التاريخي للأمة وللشعب ويملأ المجال السياسي بخطاب بذيء متشح بعباءة دينية في التلفزيون والخطب من على المنابر وفي الشارع السياسي في كتابات صحفية. فالقاموس السياسي للتيار الحاكم غزير بنعت المعارضين "بالعمالة والبلطجية والشرمطة إلى الكفر سواء كانت هذه القوى من اشتراكيين أو شيوعيين أو ديمقراطيين أو علمانيين أو الليبراليين ؟

إن البذاءة تتجسد في أن البعض يجد الحجة في أن القرآن استخدام كلمة "حمار" وأن الرسول والصحابة استخدموا كلمات لسب الكفار وأن ذلك يبيح لهم بدورهم سب معارضيهم ؟ فهل يعتبرون أنفسهم في مرتبة الرسول والصحابة بل والله ؟ ثم ألم يصل لعلمهم الواسع حديث يقول : بأن من النفاق :"إذا حدث فجر" أو حديث يقول :"أيما امرئ قال لأخيه : يا كافر فقد باء بها أحدهما" أو آخر يقول : "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر". أليس من البذاءة قول بعض ممن يسمون بالدعاة بأن التزوير شرعي ؟ فهل من الأحاديث المدسوسة الحديث :"من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا". (صحيح مسلم، كتاب الإيمان).

القلق مبرر حول التحولات التي ترمي إليها التيارات المتأسلمة الحاكمة بشأن إعادة كتابة تاريخ مصر وتحريفه وتشويهه. كيف يمكن تصور كتابة التاريخ المصري وتأريخ ثورة ١٩٥٢ أو ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١. "الستينيات وما أدراك ما الستينيات" التي قالها الرئيس محمد مرسي كانت أول علامات النية المسبقة للحكم على التاريخ والمخاطر التي تتهدده. ثم كيف سوف يكتب من يسمون بالجهاديين تاريخ مصر وكيف سيكتبون تاريخهم ؟

الديمقراطية التي يغني لها الحزب الحاكم ومن يتحالف معه ديمقراطية بذيئة لأنها لم تستند على اختيار حر للشعب ولكن على شراء أصوات الجوعى بالمواد الغذائية .. شرائها بتضليل الغالبية الأمية والأميين سياسيا بأن هناك إنقاذ للدين في الاختيار السياسي في حين أن اللعبة السياسية لا علاقة لها بدين.

الديمقراطية البذيئة تتجسد بشكل فاضح في الدستور بما يتضمنه من نظرة لشكل الأسرة والمجتمع والتعليم والمضمون الذي يرجع إليه السلوك بحصر الايديولوجية المهيمنة في مذاهب أهل السنة والجماعة وبفرض هذه الرؤية على الإنسان في زمن تحرر فيه الفرد من هيمنة ايديولوجية شمولية تفرض على مجمل أفراد مجتمع وعدم السماح بحيز للحرية في الانتماء الفكري.

البذاءة تتجسد في منح مجلس شورى باطل صلاحيات تشريعية وفي الكتابة المتآمرة للسلفيين لنص دستوري على هواهم ومن أجل صنع مجتمع على مقاس ايديولوجيتهم .. أيديولوجيتهم لأن نظرتهم وتأويلاتهم للدين لم تعد تتعلق بالدين ولكن تم صنع أيديولوجية بلباس ديني. الديمقراطية البذيئة بمحاصرة "المحكمة الدستورية" والمدينة الاعلامية والهجوم على المتظاهرين حول قصر الاتحادية أي مواصلة ذات سياسة العنف السابقة.

البذاءة تتجسد في عدم اتخاذ أي اجراءات من أجل تحقيق عدالة اجتماعية وتحديد فعلي للحد الأدنى للأجور وترك باب الدخول المرتفعة دون أي حدود وهو ما يعني استمرار الفجوة شاسعة بين الفقراء والأغنياء. وذات الشيء في غياب ضمانة للتعليم وللعناية الصحية المجانية للجميع وضمان دخول معقولة للذين خرجوا على المعاش.

وقعت ثورة.. ووقعت في براثن مناهضي كل ثورة وأي ثورة. وقعت تحت هيمنتهم ليفعلوا ما يصبون إليه في المجتمع وضد كل معارض. إن تقرير انتهاكات السلطة التنفيذية حيال الاعلام في الشهور الأخيرة تكلم عنها بالتفصيل تقرير "اللجنة الوطنية للدفاع عن الحريات". فمحاكمات الصحفيين وأصحاب الرأي المستقل وتهديدهم ما هي إلا البرهان على عجز فكري وسياسي للحكام الجدد الذين يريدون التحصن ضد أي انتقاد في دولة معصومة من الأخطاء في حين أن ألف باء الديمقراطية هي حرية انتقاد الحاكم ومعارضته بالكلمة والفعل.

إن ما يحدث في دولة الإخوان المتأسلمين هو تأسيس دولة تستند إلى فكرة "بابوية" القرون الوسطى. بابوية عدم المحاسبة على قرار يتعلق بمستقبل شعب ومجتمع. عصمة تترك للحاكم اليد طليقة لأن يصدر قرارات ويسن قوانين ويعقد معاهدات دون أن تلزمه قوة أخرى منتخبة أو غير منتخبة بمراعاة أنه ليس إلا مجرد موظف عمومي يخضع للمساءلة فيما يقرر بشؤون الدولة.

عصمة الدولة تم فبركتها بالدستور بفكر ضيق الأفق وفي تناقض مع جوهر الدين ورسالته. وتسعى الدولة أن تدخل قسرا فيه سلوك البشر. هذه التوجه عبثي الصياغة بمضمونه المفتوح لكل أصناف التخريج والتأويل للوصول بهما إلى قرون أنقضت وزمن ليس كزمن كان وليطبق على بشر بينهم وبين أسلافهم سنوات ضوئية في الفكر وفي الحرية.

يضاف لذلك أن هذا التوجه كارثي لأن الصراع الذي سيولده يهدد بتدمير وحدة اجتماعية ونفسية لشعب يعيش عصره الحديث ولن يقبل أن يرجم أو يجلد أو تقطع أيادي أطفاله وأرجلهم من خلاف في ميدان التحرير.

في مواجهة تلك الإرادة السياسية لتحطيم العقل والتاريخ والمجتمع تصبح المهمة ملقاة على العقول الواعية التي تمتلك المعرفة والوسائل لتعبئة المواطنين ضد كل ما يهدد تماسك الوطن ويبتعد عن مطالبهم الأساسية وجرهم لقضايا ليست من مهام دولة وإنما تخص حياة الفرد الخاصة واختياراته الشخصية في نزوعه للتحرر من كل تقليد أو عرف يفرض عليه نمط حياته مسبقا وكقدر اجتماعي تحدده له السلطة السياسي متشحة بعباءة دينية.

هذه المواجهة تستلزم تنظيم جماعي لمواجهة مجمل مخاطر تلك السياسات في إطار حركة عبر الأحزاب السياسية والجماعات الثورية. ولكن يلزم تنظيم آخر متعدد الجبهات يخص كل واحد منها فرع بعينة من مجالات الحياة العملية. معنى ذلك أن يتم عمل تكتل مهني وفئوي لقطاعات للعاملين في كل على حدة للدفاع عن مصالحهم ويتخذون مواقفا نظرية وعملية لمواجهتها متعاونين في ذلك مع الأحزاب والنقابات المستقلة.

إن الثورة مستمرة بعد عامين من انطلاقها في هذه القدرة على التعبئة الشعبية على صعيد مصر لمقاومة الخضوع لسياسات لا تمثل لا مطالبها ولا مطامحها. لم تكتب الكلمة الأخيرة في الثورة اليوم ولن تكتب كلمة نهاية أيضا. سوف تستمر الثورة إلى أن تنجح في بلورة برنامجا محددا وبقيادة جماعية للقوى الوطنية التقدمية. الثورة سوف تنجز هدفها عندما يكون من يعبر عنها في السلطة لينفذ مطالبها.

حمبل المقال من أسفل


عرض مباشر : https://www.facebook.com/notes/mous...

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك