الصفحة الرئيسية > على الهامش.. دراسات ومقالات للتحميل > 2- اللاوعى وما بعد البيولوجيا .. د. مصطفى نور الدين

2- اللاوعى وما بعد البيولوجيا .. د. مصطفى نور الدين

الأحد 1 تموز (يوليو) 2012, بقلم مصطفى نور الدين عطية

الإنسان بين المسئولية والضرورة
الإرادة .. الوهم

الحلقة الثانية
اللاوعي وما بعد البيولوجيا

د. مصطفى نور الدين i


هو سؤال قديم حول الفعل الإنسانى، طرحته البشرية عبر العصور فى صيغة " الجبر واللاختيار" و "القضاء والقدر".. هل الانسان هو مالك القرار وصاحب الفعل، أم أن هناك قوانين طبيعية ونفسية واجتماعية تلزمه بالتصرف على هذا النحو دون أن تترك له خيارا آخر، فهو يعمل على نحو قسرى، وأفعاله تحتمها قوانين مقدرة سلفا مثلها مثل القوانين الطبيعية التى تحتم سقوط الأمطار وهبوب الرياح؟

هل اللاوعي هو المحرك الخفي لسلوك الإنسان ؟ وهل التحليل النفسي الذي يؤكد على تلك الفكرة علم يؤخذ بنظرياته كحقيقة علمية ؟
في المقال السابق تناولنا رأي فلسفة العلوم وما يقوله كبار المحللين النفسيين بشأن هذه المسألة. ii
نواصل في تلك السطور اللقاء الذي يقول به علماء دراسة العقل البشري والأعصاب بشأن اللاوعي ودوره في السلوك. فبرغم كل ما قيل من أن التحليل النفسي ليس بعلم والإقرار بذلك من قبل بعض من كبار ممثليه أنبرى بعض العلماء المتخصصين في دراسة المخ والجهاز العصبي بالدفاع عن أطروحة التحليل النفسي بشأن اللاوعي ودوره في توجيه فعل الإنسان رغما عنه.
ففي عام ١٩٩٢ ظهرت كتابات هامة لعالم بيولوجيا الجهاز العصبي "جيرالد إيدلمان" وهو الحائز على جائزة نوبل للطب في 1972. ويدافع إيدلمان عن اللاوعي بأطروحات "فوق علمية" إن جاز التعبير بل و "ميتا – بيولوجية" أي "ما فوق الحيوية". وهو بأطروحاته يفتح ثغرة في جدار العلوم الصلبة ليدخل منها التحليل النفسي ليس ليناقشه وهل هو علم أم لا وإنما ليقول دون تردد أن اللاوعي موجود وله محله في العقل البشري وبالتالي له تأثير على سلوك الإنسان.
يقول إيدلمان : "تراكمت نتائج عديدة متعلقة بأمراض العصاب وكذا في التنويم المغناطيسي وفي زلات اللسان لتبرهن على صحة معظم الأطروحات الأساسية المتعلقة باللاوعي التي قالت به المدرسة الفرويدية وهي الأطروحات التي تمنح اللاوعي دورا حاسما في التأثير على فعل الإنسان. إذ بحسب فرويد هناك عناصر مدفونة في اللاوعي يمكن أن تتجلى في فعل واعي... فبرغم أنه من الممكن النظر لفرويد ليس كعالم بالمعنى الدقيق للكلمة إلا أنه من أوائل من توصلوا للكشف عن اللاوعي وتأثيره على السلوك الإنساني " ويضيف :"إن النتيجة النهائية التي توصلت إليها ويمكن تعميمها على كل العلوم التي تهتم بالعقل تتلخص في أنه بثبوت أفعال وقعت تحت تأثير اللاوعي فالنتائج التي نصل إليها عن طريق استبطان الوعي (أي توصل الوعي لمشاهدة ما يدور في العقل) عرضة لأخطاء كبيرة.." iii

ذلك يعني أن الوعي لا يكشف لنا الحقيقة كاملة.
ويتواصل التأكيد على تلك الفكرة من قبل العديد من العلماء ومن أهم هؤلاء من الدراسيين للعقل انتشر أسم "انطونيو دامازيو" الذي يقدم براهينه على الأطروحة المؤيدة لوجود اللاوعي وتأثيره على سلوك الإنسان. يقول دامازيو : "إن أفكارنا وذكرياتنا نتاج عملية طويلة لسنا بواعيين بها. فنحن نعرف أن العقل البشري واقع تحت تأثير عوامل غامضة وملغزة كان القدماء ينسبونها لآلهة أو لقدر. وهذه القوى الغامضة تم إعادة اكتشافها في مطلع القرن العشرين في الأعماق الغائرة في العقل بحسب النموذج الذي ينسب عادة لسيجموند فرويد. وهذه الأعماق الغائرة بحسب تلك النظرية تعود لتجارب مر بها الفرد في بدايات حياته." iv
ويضيف دامازيو عبارة تدهش لصدورها عن عالم يستند على التجربة المعملية حيث يقول : "إن البراهين على وجود اللاوعي لم تتوقف عن التراكم طوال هذا القرن بما في ذلك من حقول العلوم التي لا تنتمي لمدرسة فرويد أو يونج.. فكل من علم النفس الاجتماعي وعلم النفس الإدراك الحسي واللغويات وعلوم دراسة العقل كلها تمدنا بدلائل لا يمكن تكذيبها عن أهمية ما ليس بوعي على العقل الإنساني وعلى السلوك وعلى الكيفية التي يعمل بها اللاوعي." v

ويذهب دامازيو إلى أبعد من غيره من المتخصصين في دراسة العقل بالقول بأن "عالم اللاوعي يجد جذوره في قلب نظام الخلايا العصبية التي تشكل دعامة الذاكرة الشخصية. وأن التحليل النفسي هو وسيلة لمعاودة اكتشاف شبكة الروابط النفسية المتداخلة والمتشابكة بقلب سجل تاريخ الذاكرة الشخصية. vi

الأكثر غرابة في يقوله انطونيو دامازيو هو ما يخص الوعي الأخلاقي لدى الإنسان. حيث يقول : "إن النظام اللاواعي لجسد الفرد يخلق بداية الهوية أو الأنا التي تسمح بتطور كل من الأنا المركزية وكذا وعي جنيني وأن كل أولئك بدورهم يسمحون بتكوين أو تشكيل السيرة الذاتية للأنا ثم يأتي بعدها تشكل الوعي الممتد. وفي نهاية السلسلة يقود الوعي الممتد إلى الوعي الأخلاقي." vii

من حقنا هنا أن نتساءل : هل هذا الكلام علمي حقاً أم هو تخيل محض ومحض تخيل ؟ إذ كيف يمكننا التأكد من هذه العملية ؟ وهل وعينا الأخلاقي مسألة تخص علم الأحياء "بيولوجية" ؟

المشكلة التي نقابلها مع مثل تلك الفكرة ناجمة في جانب منها في أن علوم دراسة الأعصاب تستخدم مصطلحا أو مفهوما محملا بالعديد من التفسيرات والأفكار في الفلسفة والديانات والتحليل النفسي... فتحديد المقصود باللاوعي يختلف من فكر للآخر ومن حقل معرفي لغيره. وهذا الخلط هو ما يجسده الخلاف بين العلماء المتخصصين في دراسة العقل والأعصاب أنفسهم ويعكس تعقد القضية. والتوقف عند "جوزيف لودو" وهو أحد كبار العلماء المعارضين لتصور دامازيو سيوضح رؤية أخرى وتفسيرا آخر في داخل ذات الحقل المعرفي الذي يفترض أن منهجه العلمي يقود إلى اتفاق بين الجميع ولكنه فيما يخص تلك القضية لا يتحقق.

يقول "جوزيف لودو" :" هل لو تمكن شخص من حل مشكلة الوعي سيقود ذلك لفهم كيف تسلك المورٍّثات (من الكلمة المفردة : المورٍّثة ) أو "الجينات" أي عنصر الوراثة التي تشكل الوحدة الأساسية للوراثة في الكائن الحي ؟" ويجيب "لادو" بالنفي. ذلك لأن المشكلة التي يتناولها علم السلوك المستند على دراسة العقل هي : كيف عملت عقولنا لأن نكون ما نحن عليه. فالكثير من أفكارنا ومشاعرنا وأفعالنا تجري بصورة تلقائية ولا يحيط الوعي بها عند قيامه بها إلا في لحظة حدوثها." viii

وعند هذا المستوى من التعرض لمسألة الفعل الإنساني يبدأ خلاف جوزيف لودو مع التوجه الذي يتبناه التيار المعارض من أمثال "إيدلمان ودامازيو" لأنه يضع بعض التحفظات بشأن التحليل النفسي.

يعتبر جوزيف لودو أن لغز الشخصية يتطلب التوصل لحل غموض الوظائف اللاواعية للعقل بشكل جوهري. غير أنه يضيف تعريفه الخاص لمفهوم اللاوعي حتى يستبعد أي خلط وسوء فهم بما يعنيه بالمفهوم المعقد.

يقول "لودو" بأن اللاوعي مفهوم غير واضح في معناه فالبعض حينما يستخدمه يقصد به الذكريات المؤلمة التي تم دفنها ونسيانها أي الاستخدام الذي يقصده سيجموند فرويد. في حين أن البعض عند التطرق لمفهوم اللاوعي يقصد تلك الحالة التي يمر بها الانسان في لحظة الموت العيادي. وغيرهم يقصدون حالة فقدان الوعي بعد تلقي ضربة على الرأس أو لأنه في حالة ثمل بعد المبالغة في تناول مشروبات روحية.

وهنا يحدد لودو أن كل تلك الحالات ليست هي ما يقصده باللاوعي. فاللاوعي بحسب ما يعنيه هو قيام العقل بالعديد من الأشياء دون أن يكون الوعي محيطا بها.

برغم هذا الموقف الواضح في نظرية لودو فإنه يترك الباب مفتوحا للتفسير الذي يقدمه التحليل النفسي في أطروحات فرويد. فيقول بأنه بالفعل "هناك مظاهر ضمنية وأخرى واضحة للأنا". فما نعرفه عن أنفسنا يندرج في المظاهر المعلنة الواضحة في حين ما يظل خفيا عن الوعي بالذات يدخل في المظاهر الضمنية. وذلك يعني بقول آخر أن دراسة الذاكرة الإنسانية تؤكد أن آليات المخ تقوم بالتذكر بشكل واضح وصريح في حين أنها تقوم أيضا بتخزين معلومات بشكل ضمني أي بلاوعي. وكل من العمليتين في تخزين المعلومات تشكلان الأنا وتحافظان على بقائه. فطريقة الإنسان في السير والكلام مثلا هي وظائف نقوم بها بناء على الخبرات السابقة ولكنها تحدث ساعة وقوعها خارج نطاق الوعي.

فالالتقاء هنا يتم مع التقسيم الذي قال به فرويد للوعي بمرتبتين : أي مرحلة "ما قبل الوعي" وهي في متناول الادراك ولكن ليس بشكل فوري واللاوعي وهو يستعصي على الادراك. وبرغم شبه التوافق بين مفاهيم فرويد ولودو فإن الأخير يشدد على أن مفاهيم فرويد ليست هي ما يقصده حتى ولو كانت المصطلحات هي ذاتها لأن المضمون الذي تحمله يختلف لدى كل منهما.

نحن أمام اختلاف بين علماء دراسة الاعصاب والعقل البشري فيما يخص حرية الفرد في سلوكه ومحاولة التقرب مما يقول به التحليل النفسي بشأن دور اللاوعي الحاسم. وسوف تتعقد تلك المسألة أكثر برأي مدارس أخرى في العلوم الحيوية ودراسة الأعصاب حينما تنظر للعامل البيولوجي كعامل أساسي في توجيه السلوك أي تأثير العامل الوراثي كعامل حتمي ونفي كل دور لما يقول به من يمنحون اللاوعي الدور الحاسم. وسوف نناقش تلك المسألة في الحلقة التالية.
..............
مدير تحرير مجلة دورية فرنسية للدراسات النفسية "نيسانس" _i
Naissances
نشر في العدد الثاني من مجلة المجلة في شهر مايوii_ 2012
iii_ Edelman Gerald, Biologie de la conscience, traduit de l’anglais (Etats-
Unis) par Ana Gerschenfeld, Odile Jacob (poche), Paris, 2000, pp. 222 et 224
iv_ Damasio Antonio R., Le sentiment même de soi : corps, émotions
conscience, traduit de l’anglais (Etats-Unis) par Claire Larsonneur et Claudine Tiercelin, Odile Jacob (poche), Paris, 2002, pp. 378-79
v_ Damasio, Le sentiment, p. 293
vi_ Damasio, Le sentiment, p. 269

vii_ Ledoux Joseph, Neurobiologie de la personnalité, traduit de l’anglais (Etats-Unis) par Pierre Kaldy, Odile Jacob, Paris, 2003, p. 14
viii_ . Ledoux, op. cit., pp. 20-21

العدد الرابع - يوليو 2012
مجلة المجلة


عرض مباشر : http://almejalla.blogspot.com/2012/...

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك